كيف تنظم وقتك (1-3 )


 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

مقالي إليكم اليومَ..مهمٌ للجميعِ..

مهمٌ لطالبِ العلمِ حتى يصلَ إلى بغيتِه وهدفهِ المنشود..

ومهمٌ لرجالِ الأعمالِ حتى يستطيعَ أن يُنجزَ أكبرَ قدرٍ, ممكنٍ, من المشاريعِ والأفكارِ في وقتٍ, قليلٍ, وجهدٍ, يسيرٍ,،

وهو مهمٌ للمرأةِ التي تريدُ أن تَستثمرَ وقتَها، وتشتكي من قلةِ الوقتِ وضيقهِ.

إذن لن يكون الحديثُ مخصوصاً لفئةٍ, معينةٍ, بل سيكونُ حديثي لجميعِ فئاتِ المجتمعِ.. التجارُ و الأطباءُ، والمهندسون ورجالُ الأمن الأمناءُ، وإن كان هذا الموضوعُ يُهمُ بعنايةٍ, فائقةٍ, طالبَ العلمِº لأنه من المفترضِ أن يكون من أشدِّ الناسِ حرصاً على إدراكِ هذا الموضوعِ وفهمهِ ومن ثم تطبيقِه والعملِ به.

هذا الموضوعُ هو كيفَ تنظمُ وقتك؟ بحيثُ لا تكون عشوائياً.. لك في كلِّ يومِ فكرةٌ، وفي كلِّ ليلةٍ, عملٌ وخَطرةٌ.

و أولُ العقباتِ التي تصادفُنا في هذا الموضوعِ شكايةُ كثيرٍ, من الناسِ من الفراغِ.. نعم الفراغُ الذي هو نعمةٌ في أصلهِ.. أصبحَ الآن عند فئامٍ, كثيرةٍ, من الناسِ نقمةً يقولُ النبي - صلى الله عليه وسلم -: \" نعمتانِ مغبونٌ فيهما كثيرٌ من الناسِ الصحةُ والفراغ \" رواه البخاري.

وسببُ هذا الفراغِ: غيابُ الاهتماماتِ الكبرى في حياةِ المسلمِ وضميرهِ، فكلما غابتِ تلك الأحاسيسُ.. وهاتيك الاهتماماتُ.. زادت هوةُ الفراغِ في حياةِ المسلمِ وانشغالهِ بقضايا هامشيةٍ, يشتركُ هو وغيرهُ من سائرِ الحيواناتِ فيها.. فغيابُ الأهدافِ العاليةِ، والمقاصدِ الساميةِ، والغاياتِ النبيلة.. تجعلُ الإنسانَ يعيشُ حياةَ الفوضوية، ثم يصبحُ نسيا منسيا.. لا أثرَ له في واقعِ الحياة.. ولا تأثيرَ له في مجرياتِ الأمور.

ولكن حين كان الوعيُ ناميا، والغاياتُ عالية.. كانت المشاغلُ متراكمةٌ، والأعمالُ متزايدةٌ، لدى أسلافنِا الأوائلِ.

قل لي بربك: كم من المدائنِ فُتحت؟ وكم من الكتبِ والمؤلفات صنفت؟ وكم من المخترعاتِ والمبتكرات ابتدعت؟!! وكم من الإنجازاتِ تحققت؟ !!

هذا أبو هريرةُ - رضي الله عنه - لزمَ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - على شبعِ بطنهِ، وربما صُرِعَ بين الحجرةِ والمنبرِ من الجوعِ.. لكن ماذا حقق للأمةِ من خيرٍ, عظيمٍ,.. ونفعٍ, عميم؟!!

أحمدُ بنُ حنبلُ - رحمه الله - طافت به همتُه الدنيا من أجلِ الحديثِ، فحفظَ أكثرَ من ألفِ ألفِ حديثٍ,.. أي مليونِ حديثٍ,، فترك لنا المسندَ، وتركَ العلمَ للعالمِ.

والبخاريُ - رحمه الله - ألفَ كتابَ الصحيحِ وحفظَ تواريخَ الرواةِ وأكثرَ الشيوخِ، وكان يطوفُ البلادَ الإسلاميةَ ذاهباً وآيباً، وليس همُه إلا الحديثَ. فبلغه الله ما أراد.

وألّف ابنُ عقيلٍ, الحنبلي في أوقاتِ فراغهِ كتابَ الفنونِ في سبعمائةِ مجلد!! وابنُ حجرٍ, يُؤلفُ كتابَ فتحِ الباري فيعجزُ كثيرٌ من العلماءِ عن مجردِ قراءتهِ، وقسمتُ كتبَ ابنِ جريرٍ, الطبري على عددِ أيامِ عمرهِ فصارَ لكلِّ يومٍ, كُراسةً من التأليفِ، وابنُ الجوزي يؤلفُ أكثرَ من ألفِ مصنفٍ,!! ومن العلماءِ من وزعَ ليلَهُ أثلاثا: ثلثاً لنومهِ، وثلثا لتهجده، وثلثا لمذاكرةِ العلم.

وحتى لا يقولَ قائلٌ: هؤلاء لم يدركوا ما نحنُ عليه الآن من زمنٍ, انفتحت في الشهواتُ، واتسعت فيه دائرةُ الملذاتِ والملهياتِ، فهذا شيخنا العلامةُ ابنُ عثيمين - رحمه الله تعالى -.. ومن منا لا يعرفُ هذه الشخصيةَ الفذةَ في تنظيمِ وقتهِا، وترتيبِ زمانِها.. فهاهو قد وضعَ برنامجا لنفسهِ.. فهو يخصصُ ليلةً في الشهرِ للخطباء.. وليلةً للقضاة.. وليلةً لمشرفي تحفيظِ القرآنِ الكريم.. وليلةً لطلبةِ العلم.. وليلةً لأهلِ الحسبة.. ولقاءً أسبوعياً للعامةِ في منـزلهِ.. ولقاءً شهريا في مسجده.. وجانبٌ آخرَ تنظيمهُ لدروسهِ فلكلِّ درسِ وقتُه المحددُ لا يتجاوزُه، وأصبحَ صوتُ الساعةِ مؤذناً بانتهاءِ الدرسِ لدرسٍ, آخرَ وهكذا.. وتخصيصُه للإفتاءِ على الهاتفِ بعد الظهرِ.. ومن منا لم يسمع صوتَ الشيخِ وهو يُوضحُ له ذلك؟! ولا يعني هذا أنه نسي الجانبَ الإيمانيَ لنفسِه فهو - رحمه الله - لا يسمحُ لأحدٍ, أن يستفتيَه أو يحدثَه بعد الصلاةِ حتى ينتهي من وردهِ وذكرهِ، و قد خصصَ سيرهَ إلى مسجدهِ لمراجعةِ القرآنِ الكريم، ولا يأذنُ لأحدٍ, بالحديثِ معَه، بل أحياناً يقفُ عند بوابةِ المسجدِ من أجلِّ أن يُتمَ حزبَه الذي خصصَه!! فرحمك الله رحمة واسعة.

هكذا كانت أحوالهُم.. يوم ارتقت اهتماماتُهم.. وهكذا كانت إنجازاتُهم.. يومَ اتسعت مداركهُم، ونضجت عقولُهم وأفكارُهم.

على قدرِ أهلِ العزمِ تأتي العزائمُ  * * * وتأتي على قدرِ الكرامِ المكارم

وتعظمُ في عينِ الصغيرِ صغارُها  * * *  وتصغرُ في عينِ العظيمِ العظائمُ

إننا مطالبون اليومَ بالسيرِ على ما ساروا عليه، وأن نقتفي أثرَهُم، ونحذوا حذوَهُم.. لنصل إلى القمةِ الشماءِ، والمرتبةِ العليا.

ولعلنا بعدَ هذا العرضِ قد عزمنا على أن تكونَ لنا أهدافٌ منشودة، وغايةٌ مقصودة بإذن الله - تعالى -:

لكن لابد أن تكون هذه الأهدافُ شرعيةٌ، والغاياتُ نبيلة، والمقاصدُ سامية، فالثراءُ مثلا: هدفٌ تطمحُ إليه النفوسُ ولكن هل يتخذُ من الربا والمعاملاتِ المحرمةِ وسيلةً لبلوغِ هذه الغاية؟!! ومن أراد أن يتفوقَ في دراستهِ هل يتخذُ من الغشِ والاحتيالِ وسيلةً لبلوغِ هدفِه؟!

وقد تتساءلُ أخي الكريم: كيف يمكنُ الوصولُ إلى غايتي وهدفي بأفضلِ طريقةٍ,، وأخصرِ وسيلة؟!!

وإجابةٌ لسؤالكº اطرحُ هذه الأسئلةِ عليك:

هل يمكنُ الوصولُ إلى غايتِك من خلالِ حياةِ العشوائية؟

هل يمكن أن تُحقق أهدافَك من خلالِ الارتجاليةِ والعفوية ؟

هل يمكنُ أن تنجزَ هدفَك بوقتٍ, مقبولٍ, بدون دراسةٍ, ولا تخطيطٍ, مسبق؟ !

إذن: أفضلُ طريقةٍ,، وأخصرُ وسيلةٍ, لبلوغِ الأهدافِ والغاياتِ هو أن تعملَ ما يلي:

أولاً: أن تخططَ للمستقبلك.

ثانياً: أن تنظمَ نفسَك.

ثالثاً: أن تنفذَ وتطبيقَ بدقةٍ, وعناية.

 

```

ونبدأ أولاً: بالحديثِ عن القضيةِ الأولى وهي قضيةُ التخطيط.

إن التخطيطَ لأي عملٍ,º عملٌ مشروعٌ، فعلَه خيرُ البرية وأزكى البشريةِ - صلى الله عليه وسلم - فمن ذلك:

عندما عزمَ - صلى الله عليه وسلم - الانتقالَ من مكةَ إلى المدينةِ في هجرتهِ العظيمةِ.. لم تقم تلك الرحلةُ بعشوائيةِ، بل خططَ لهذه المسيرةِ الخطيرةِ والتي يعلمُ - صلى الله عليه وسلم - حجمَ المؤامرةِ التي تحاكُ له في جنحِ الظلامِ للقضاءِ عليه.. فمن ذلك ذهابُه - صلى الله عليه وسلم - متقنعاً لبيتِ أبي بكرٍ, الصديقِ في وقتٍ, لم يكن يأتيهِ فيه، حتى استنكرَ أبو بكرٍ, هذا المجيءَ، وعلمَ أن هذا القدومَ إنما هو لغايةٍ, عظيمة.. ثم أمرُه - صلى الله عليه وسلم - لأبي بكرٍ, أن يُخرجَ من كان عندَه.. ليَعرضَ عليه أمرَه الذي جاءَ من أجلهِ.. حتى طمأنَهُ أبو بكرº وقال: هم أهلُكَ يا رسولَ الله.. بعد ذلك أبرمَ - صلى الله عليه وسلم - خطةَ الهجرةِ مع صاحبهِ - رضي الله عنه -.. وأيضاُ: أمرُه - صلى الله عليه وسلم - لعلي بنِ أبي طالبٍ, أن ينامَ في مكانهِ حتى يؤخرَ الطلبَ عنه ويمكنَهُ الابتعادَ أكثرَ.. ثم خروجُه - صلى الله عليه وسلم - مع أبي بكرٍ, من البابِ الخلفي، ليَخرجَ من مكةَ على عجلٍ,، ثم سلوكُه - صلى الله عليه وسلم - لطريقٍ, غيرِ معتادٍ, ومتوقعٍ, لأهلِ مكة َ، ثم صعودهُ - صلى الله عليه وسلم - لجبلٍ, شامخٍ, وعرٍ, صعبِ المرتقى ذا أحجارٍ, كثيرةٍ,.. ومكوثهُ - صلى الله عليه وسلم - فيه ثلاثةَ أيام.. كلٌّ هذا وغيُره تخطيطٌ لصرفِ الأنظارِ عنه - صلى الله عليه وسلم - وبلوغهُ للغايةِ التي قصدَها.. وهي وصولُه إلى المدينةِ سالما، ومن ثم مواصلةُ رحلتهِ الدعويةِ إلى الله - تعالى -.

وإذا انتقلنا إلى صورةٍ, أخرى من صورِ تخطيطهِ - صلى الله عليه وسلم - وحرصهِ على هذا المبدأِ في حياتهِ ما كان يفعلُه - صلى الله عليه وسلم - في غزواتهِ حيث قلَّ ما كان يريدُ غزوةً إلا ورى بغيرهِا.

أخي المبارك: إن من خلالِ التخطيطِ المدروسِ تستطيعُ أن تكسبَ الفوائدَ التالية:

1 ـ تحديدُ الأهدافِ المقصودةِ، والغاياتِ المنشودةِ، والتي تطمحُ أن تصلَ إليها، وأن تنجزَها.

2 ـ إمكانيةُ التنسيقِ بين جهودكِ وأعمالكِ الأخرى.

3 ـ معرفةُ كميةِ الجهدِ الذي تحتاجُه للوصولِ لهدفِك.

4 ـ معرفةُ الوقتِ المناسبِ لقضاءِ هذا الهدفِ والحصولِ عليه.

5 ـ معرفةُ العقباتِ التي يمكنُ أن تعرقلَ مسيرك.

6 ـ معرفةُ الوسائلِ التي يمكنُ من خلالِها الوصولُ إلى الهدفِ بأفضلِ طريقة.

فإذا اتضحت هذه الحقائقُ في ذهنِك، ورسمتَها بقلمِك، فإن معالمَ الطريقِ قد اتضحت لك، وسبلُ الوصولِ إليه قد تبينت، ولم يبق إلا أن تعرفَ الأسبابَ الشرعيةَ الموصلةَ لهدفِك المشروع، و تستعدَ للسيرِ على هذا الطريقِ، الذي جعلتَهُ على هيئةِ مراحلَº لكلِّ مرحلةٍ, زمنيةٍ, كافيةٍ, أهدافٌ معينةٌ ممكنة، فكلما انتهيتَ من مرحلةٍ, زادَ نشاطُك، وعلت همتُك، وتاقت نفسُك، لبلوغِ الغايةِ والهدفِ. وأدركتَ أهميةَ الوقتِ الذي هو حياتُك وعمرُك، روي عن الحسنِ البصري (- رحمه الله -) أنه قالَ: (يا ابنَ آدمَ، إنما أنتَ أيامٌ، كلما ذهبَ يومٌ ذهبَ بعضُك):

دقــاتُ قـلبِ المرءِ قائلةٌ لـه * * *  إن الـحـياةَ دقائقٌ وثوان

فارفعَ لنفسِك قبلَّ موتِك ذكرَها  * * * فالذكرُ للإنسانِ عمرٌ ثـان

 

` قواعدُ في التخطيط:

1 ـ أن تكون الأهدافُ المقصودةُ ممكنةَ التنفيذ. فمن الخطأِ في التخطيطِ أن تفكرَ أن تتخرجَ من كليةِ الطبِ في سنتين مثلا.

2 ـ أن تكون الأهدافُ واضحةً لا غبشَ فيها. كمن وضعَ نصبَ عينيه أن يكون صاحبَ منصبٍ,!! المناصبُ كثيرةٌ فأي المناصبِ تريد؟ هل مثلاً أن تكون عالما أو ضابطا أو طبيبا أو مهندسا، فلا بد إذن من أن يكون الهدفُ واضحاً.

3 ـ أن يكون الوقتُ الذي حددتَه لهذه الأهدافِ كافياً، فمن أراد أن يحفظَ ألفَ حديثٍ, مثلا لابد أن يكون الوقتُ المحددِ لها كافياً لأن الزيادةَ أو النقصانَ تسببان للإنسانِ إما الإحباطَ أو ضياعَ الوقت.

4 ـ أن يكون التخطيطُ مكتوباً في ورقة.

5 ـ أن يكون المخطَطُ قابلا للتغييرِ للظروفِ الصعبة، فمثلا لو طَلبَ منك الوالدُ حاجةً للمنزلِ وأنتَ قد رسمت برنامجاً لهذا الوقتِ فماذا تفعل؟ يمكنُ أن تفعلَ أشياءَ كثيرةً حتى تستغلَ هذا الوقت: بحفظِ متٍ,ن مثلا، أو سماعِ شريطٍ, تريدُ سماعَه، أو مراجعةٍ, لكتابِ الله - تعالى -.

6 ـ أن يوجدَ في المخطَطِ وقتٌ للراحةِ والاستجمامº لأن النفسَ قد تملُ وتكلُ فإذا روحتَ عليها عادت إلى الجدِ والعملِ بقوةٍ, ونشاط.

7 ـ جمعُ الوسائلِ التي يتمٌ من خلالِها تحقيقُ الأهدافِ. فمثلا:

من أراد أن يتقن متن البيقونيةِ في الحديثِ حفظا وفهماً فمن الوسائلِ لتحقيقِ هذا الهدف:

 ـ تحديدُ وقتِ الحفظ ـ تحديدُ من ستقرأُ عليه هذا المتنَ ـ جمعُ الشروحِ المتعلقةِ بهذا المتن ـ تلخيصُ الشرحِ على نسختِك الخاصةِ أو بطريقةٍ, مناسبةٍ, لك.

مثالٌ آخر: من أرادَ أن يفتحَ مشروعاً تجارياً فمن الوسائل:

الاستخارة ـ إقامةُ دراسةٍ, لهذا المشروع ـ وجودُ رأسِ المال ـ تحديدُ الأيدي العاملةِ التي تقومُ على هذا المشروعِ ـ وغيرهِا من الوسائل.

بهذا التخطيطِ تشعرُ بأهميةِ الوقتِ، وتقضي على مشكلةِ الفراغِ الذي تعاني منه، فوضعُك لبرنامجٍ, محددٍ, هو بدايةُ تحريِك نفسِك، وبعثِ همتِك لاستدراكِ الفائت، أو اغتنامِ الحاضر، والاستعدادِ للمستقبل. يقولُ الله - تعالى -:  [والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا] ([1]) أي لنوفقنهم لإصابةِ الطريقِ المستقيم.

 

عقبات في طريق التخطيط

قد تقولُ إن التخطيطَ قد تعتريهِ عقباتٌ كؤودةٌ، وعوارضُ صعبة، من همومٍ, وغموم، وأمراضٍ, موجعة، وزياراتٍ, محرجة، ومناسبةٍ, متعددة، مما يَقلبُ الأملَ يأسا، والتفاؤلَ تشاؤما، والهمةَ العاليةَ فتورا؟

فأقولُ: لابد أن تدركَ ما يلي:

أولاً: أن التخطيطَ إنما هو رسمٌ لمنهجٍ, موصلٍ, إلى الغايةِ المطلوبةِ، و ليس تشريعاً لا يجوزُ لك أن تتجاوزَه في وقتِ المصائبِ ونحوهِا.

ثانياً: بإمكانِك أن تستغلَ هذه العوارضَ بما يُلائمُ وضعَك، ويناسبُ وقتك، من قراءةِ قرآن، أو اتصالٍ, هاتفي، أو كتابةِ رسالة، أو ذكرٍ, لله - تعالى -، وهذا ما أوصى به النبيُ - صلى الله عليه وسلم - فعن أنسِ بنِ مالكٍ, - رضي الله عنه- قال: قالَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: (إن قامت الساعةُ وبيدِ أحدكِم فسيلةٌ، فإن استطاعَ أن لا يقومَ حتى يغرسَها فليفعل) ([2]) فالإسلامُ يحثٌّ المسلمَ على الاستفادةِ القصوى من الوقتِ حتى في أشدِّ الظروفِ صعوبةً وهو عند قيامِ الساعةِ!!

وأنت الآن تُشاهدُ خلقاً كثيراً من الناسِ تضيعُ أوقاتُهم سداً دون أدنى فائدةٍ, تُذكرُ ولعلي أذكرُ لكم نماذجَ من ذلك فمثلاً:

ـ انظر كم هم الذين يستغلونَ الوقت في ركوبِهم للسيارةِ أو الطائرةِ أو غيرهِا من وسائلِ المواصلاتِ، وهذا الاستغلالُ على حسبِ اتجاهاتِ الشخصِ وميولهِ وأهدافهِ؟

ـ انظر مثلاً إلى رجلِ الأمنِ عندما يقفُ للحراسةِ والمرابطةِ لماذا لا يستغلُ هذا الوقتَ مثلاً بذكرِ لله - تعالى -أو مراجعةِ سورةٍ, قد حفظَها أو نحو ذلك من الأعمالِ التي لا تُؤثرُ على عملهِ الذي هو فيه.

ـ انظر مثلاَ الذين يُراقبون أبناءَنا الطلابِ أثناءَ الاختباراتِ فمَن منهُم استغل وقتَ المراقبةِ بمراجعةِ سورةٍ, أو ذكرٍ, لله - تعالى -أو حفظِ أبياتٍ, نافعةٍ, يسيرة.. يُحدثني أحدُ المشائخِ بأنه أثناءَ المراقبةِ يُراجعُ ستةَ أجزاءٍ, من القرآنِ الكريم، وآخرُ يقول: بأن قد حفظَ متنينِ من متون العلم في هذا الوقت دون أن يشغلَه عن المتابعةِ والمراقبة.

ـ مثالٌ آخر: أصحابُ المحلاتِ التجاريةِ باختلافِ أصنافهِا كم هم الذين يستغلونَ أوقاتَهم وقتَ فراغهمِ؟! تجد بعضهم إما أن يقلبَ صفحاتِ الجرائدِ والمجلاتِ، أو ينظر فيمن يروحون ويجيئون.

وقل هذا في أصحاب الوظائف والمكاتب وغيرها. اعرف شخصا يُنهي جميع أعماله الوظيفية بسرعة وينجزُها في أولِ وقتهِا وبعد ذلك يبقى طوالِ الوقتِ مع كتابهِ للقراءةِ والاستفادة.

فهذه وغيرُها عوارضُ قد تفسدُ على الإنسانِ ما خططَ له.. ولكن كما قلتُ سابقاً يمكنُ للإنسانِ أن يستفيدَ من هذه العوارضِ بقدرِ الإمكانِ دون أن يختلَ جدولَهُ اليومي.

 

----------------------------------------

([1]) العنكبوت: 69.

([2]) أخرجه الإمام أحمد، 3/191، وصححه الألباني في (السلسلة الصحيحة)، ح/9، و(صحيح الجامع)، ح/1424.

 

أضف تعليق

هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع وهي وجهات نظر أصحابها

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply