المشروع الصهيوني علماني لا صلة له باليهودية


 

بسم الله الرحمن الرحيم

- مؤسسو الصهيونية الحقيقيون كانوا ملاحدة غير متدينيين.

- أوروبا نقلت اليهود إلى فلسطين لأنها اعتبرتهم مصدر ضرر لها.

- الحضارة الغربية مادية حسية فيلسوفها ونبيها داروين وليس المسيح.

- الغرب حوّل إسرائيل إلى دولة استعمالية لخدمة أغراضه ومشروعه.

- ما يفعله بوش في بلادنا محاولات لإرضاء شعبه الذي فشل في حماية أمنه.

- الفكر الغربي نسى الله ولم يحترم الإنسان كإنسان.

- فكر الحداثة الغربي أساسه تحقيق اللذة والمتعة دون النظر للخير والشر.

- فكر \"ما بعد الحداثة\" جاء نتيجة فشل المشروع التحديثي الغربي.

- الغرب مولع بأن يكون الإنسان مرجعية ذاتية لنفسه.

تخرج في كلية الآداب قسم الأدب الإنجليزي، إلا أن اهتماماته الأساسية كانت في اتجاهين مختلفين: الاتجاه الأول: هو الغوص العميق في الفكر والفلسفة الغربية وخاصة الجانب الفلسفي في هذا الفكر، والاتجاه الثاني: التخصص في الصهيونية حتى أصبح أحد أبرز من اهتم بهذا الموضوع في عالمنا العربي، وقد أنجز عملاً موسوعياً عن الصهيونية استمر يعمل فيه قرابة عشرين عاماً.

عمل لفترة في الوفد المصري الدائم لدى الأمم المتحدة، كما تلقى تهديدات متعددة من الحاخام اليهودي المتطرف \"مائير كاهانا\" ذلكم هو: د. عبد الوهاب المسيري، وبما أن هذه الفترة التاريخية لها دلالتها في العلاقة بالصهيونية والدولة اليهودية من جهة، وفي العلاقة مع الفكر الغربي ومنظومته السياسية من جهة أخرىº فإننا نأمل أن تضيف رؤية الدكتور المسيري جديداً من خلال هذا الحوار:

* يحقق المشروع الصهيوني انتصارات لا شك فيها هذه الأيام، وهذه فرصة للتعرف على جذور هذا المشروع، فهل هي دينية توراتية كما يزعم اليهود؟ أم أن لهذا الفكر جذوراً خفية غير معلومة؟

** من البداية تم تعريف المشروع الصهيوني على أنه مشروع يهودي أي مشروع ديني، فحملت الجريمة الصهيونية على الخطاب الديني، ولم تحمل على الخطاب العلماني، وللأسف فقد استدرج كثير من الإسلاميين إلى هذا، فنراهم يتحدثون عن الصراع الأزلي بين المسلمين واليهود، صحيح أنه ورد الكثير عن اليهود في القرآن والسنة، لكن في التاريخ الإسلامي لم نجد أية مواجهة بين المسلمين واليهود بعد نشوء الدولة الإسلامية، ولذلك كان اليهود يفرون من أوروبا إلى العالم الإسلامي، ولا توجد مذابح ضد اليهود عبر التاريخ الإسلامي، بل إن التاريخ يقول: إن اليهود السامريين ساعدوا المسلمين في فتح القدس، وفي فتح شبه جزيرة أيبريا (الأندلس)، وهذا دليل على عظمة الإسلام لأنه الديانة الوحيدة التي تسمح للآخر بحقوقه، وتجعله جزءً من الأمة من خلال مفاهيم مستقرة في الإسلام لا يمكن الرجوع عنها، وهنا نقول: إن الخديوي عباس كان يكره الأقباط، وأراد أن ينفيهم إلى السودانº لكن شيخ الأزهر وقتئذ تدخل وقال: إذا كان الإسلام قد تغير فيمكن أن تنفيهم، لكن حسب معلوماتي فهو لم يتغير، وبالتالي فنفيهم لا يمكن ولا يجوز، وهكذا فإن المسألة مستقرة، حتى إن مجرد التفكير فيها يستدعي السخرية، ويستدعي الحديث عن تغير الإسلام.

لكن هناك أموراً قد نسيناها، وانسقنا وراء الخطاب العلماني الذي حمل الجريمة الصهيونية على الخطاب الديني، مع أن أي دارس للصهيونية يعرف أن مؤسسي الصهيونية الحقيقيين (هرتزل، ونوردان، ونور سلك) وغيرهم كانوا ملاحدة يكرهون اليهود، ويمقتون اليهودية، هرتزل مثلاً لم يجد حاخاماً واحداً يقبل أن يقيم مراسم زواجه، كما أنه لم يختن أولاده، وكان يأكل لحم الخنزير، ومات بمرض سري، واثنان من أولاه تنصرا.

أما نوردان: فكان متزوجاً من مسيحية، بل كان ملحداً في زمانه، بل زعيم الإلحاد في الغرب، حتى الدولة اليهودية كانوا سيسمونها الدولة العبرية لأنهم يمقتون اليهودية، وكان المستوطنون الصهاينة في أهم يوم ديني مقدس عند اليهود وهو \"يوم الغفران\" الذي تمنع فيه الحركةº يتعمدون أن يذهبوا أمام حائط المبكي يرقصون، ويأكلون سندوتشات لحم الخنزير لكي يثبتوا أنهم لا علاقة لهم باليهودية.

أما مصادر الصهيونية فهي نفس مصادر الفكر العلماني، وجوهر الفكر العلماني هو النفعية المادية، كما أن العلمانية تعني نزع القداسة عن العالم وتحويله إلى مادة استعمالية، حيث ينظرون إلى المسألة هل هي نافعة أم ضارة؟.

والمشروع الاستعماري الغربي هو أيضاً مشروع لتحويل العالم إلى مادة استعمالية، ولذلك فإن العلمانية والإمبريالية متلازمتان، والصهيونية تدعي أنها ستحل المسألة اليهودية على الطريقة الليبرالية، فإذا كان اليهود مصدر ضرر للشعوب الأوروبية باعتبارهم \"طفيليين\" غير منتجين ومنحلينº فإن الإمبريالية الغربية قالت بضرورة نقلهم إلى فلسطين حتى يتحولوا إلى عناصر نافعة، أي يتحولوا إلى مستوطنين لحماية المصالح الغربية، كما أن الفكر الغربي ينظر إلى العرب على أنهم عناصر غير نافعة يجب القضاء عليهم.

هذه هي تركيبة الإنسان الغربي الذي إذا كبر والداه، وأصبحا غير منتجين، أودعهما بيوت المسنين، فمفهوم المنفعة المادية إذن هو مفهوم أساسي في الفكر الغربي، أما الموقف الإسلامي ((ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق..)) فغير موجود في الفكر العلماني الذي لا يؤمن بمطلقات، وبالتالي فلا بد من الوصول إلى أرضية ثابتة أخرى وهي \"المنفعة المادية\"، وتم حل المسألة اليهودية في هذا الإطار، وأصبح اليهود جزءً من الحضارة الغربية عن طريق التشكيل الاستعماري الغربي بعد أن فشلوا في أن يصبحوا جزءً من التشكيل القومي الغربي، يعني أن أبواب أوروبا موصدة أمام اليهود، لكن تفتح لهم إن نقلوا خارجها، وهذا هو ما فعلوه وما يفعلونه مع العناصر الضارة الأخرى مثل: المجرمين وغير المتكيفين اجتماعياً، والعناصر التي لم تحصل على عمل.

وهكذا فإن التجربة الصهيونية بهذا المعنى جزء من منظومة علمانية مادية متكاملة، أما إذا كانت بعد ذلك قد اكتسبت ديباجات يهودية فهذه مسألة معروفة، فالخطاب العلماني غير قادر على تجنيد الناس، وبالتالي فلا يجدوا إلا الخطاب الديني، فبدلاً من أن يقولوا: هيا بنا إلى فلسطين كي نحسن مستوى المعيشة، وكي نخدم أوروبا، ونضمن بقاءنا وأمتنا، يقولون: هيا بنا إلى أرض الميعاد، وهم يعلمون أن أرض الميعاد تعني 10 مليار دولار سنوياً من أمريكا، والدليل على ذلك أنه بمجرد هبوط وانخفاض مستوى المعيشة في أرض الميعاد فإنهم يهاجرون إلى أرض الميعاد الأمريكية الحقيقية.

 

* في مجال نقد البعض لخطاب الإسلاميين يقولون: إننا لا نريد دولة دينية على غرار دولة إسرائيل، ويقولون: إن إقامة دولة إسلامية هو امتداد لفكرة الدولة الدينية والدولة الصهيونية.. هل هذا صحيح؟

** الدولة الصهيونية دولة غير ملتزمة بأية مطلقات يهودية، فلا يمكن محاكمة الدولة الصهيونية من منظور يهودي، لقد كنت أتحاور مع الحاخامات اليهود في أمريكا وأنا في الوفد المصري الدائم لدى الأمم المتحدة، وكنت أقول لهم: رغم اختلافنا في الديانات الثلاث إلا أن هناك رقعة مشتركة بين الديانات، مثلاً (لا تقتل) قد تأخذ صياغات مختلفة، ولكنها ثابتة بين الديانات الثلاثة، وكذلك (لا تسرق).. الخ، وكنت أسألهم: هل إسرائيل تستند فعلاً إلى أساس ديني يهودي؟ وكان رد الحاخامات دائماً يأتي بكثير من الحرج لأن خطابهم كان دائماً من منطلق علماني، ومنطق علماني مثل (الواقعية -التكيف - الحالة النفسية لليهود تطلب ذلك.. الخ)، وكنت أقول لهم: إما أن تتركوا هذه الأمور العلمانية، أو تتركوا أماكنكم وتريحونا، فإذا كنتم قسيسين أو حاخامات فلا يصح لكم إلا استخدام المنطق الديني، ولا يمكن أن تستخدموا المنطق العلماني.

وبالتالي فالحديث عن الدولة الصهيونية على أنها دولة يهودية، ومعارضة قيام دولة إسلامية بناءً على ذلكº فيه كثير من الخلل، فالدولة الإسلامية في نهاية الأمر تحتكم إلى القيم الإسلامية، وهي قيم عالمية تؤمن بحقوق الجميع، ومن حق المسيحي واليهودي في هذه الدولة أن يحتكم إلى هذه القيم، وأن يحاكمني أنا كمسلم بناء عليها، والتاريخ الإسلامي مليء بكثير من الأمثلة التي تدل على ذلك.

 

* إذا لم يكن لليهودية وجود في فكر الدولة الصهيونية فما هو تأثير المسيحيين في الحضارة الغربية؟ وماذا فعلت أحداث سبتمبر الأخيرة في الفكر الغربي والحضارة الأمريكية؟

** الحضارة الغربية الآن حضارة \"وثنية\" وليست حضارة مسيحية على الإطلاق، فهي حضارة تؤمن بالحواس الخمس وفيلسوفها ونبيها الأكبر هو \"داروين\" وليس المسيح - عليه السلام -، والولايات المتحدة كانت منكفئة على نفسها قبل تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر، إلا أن الانفجارات أيقظت الشعب الأمريكي على الخلل في السياسية الخارجية والداخلية لبلاده، والعمليات التي تقوم بها الولايات المتحدة في أفغانستان والعراق ما هي إلا عبارة عن صواريخ لإرضاء الشعب الأمريكي والرأي العام المصدوم من فشل إدارته في حماية أمنه.

 

* بما أنكم أحد المهتمين بالمشروع الصهيوني، وتراقب ما يحدث الآن من اتفاقيات سلام عربية مع إسرائيلº هل ترى في التطبيع الثقافي مع إسرائيل خطراً علينا؟ وهل يسهم هذا التطبيع في إنجاح المشروع الصهيوني؟

** أنا طورت مفهوماً أسميته \"الدولة الوظيفية\" وهو امتداد لمفهوم آخر طورته هو \"الجماعة الوظيفية\"، وهي جماعة يستوردها المجتمع لتقوم بوظيفة معينة، ويعّرف المجتمع هذه الجماعة في إطار وظيفتها وليس في إطار إنسانيتها، والمماليك مثل جيد على هذا، فنتيجة لتطور التكنولوجيا العسكرية أصبح المشاة المصريون غير قادرين على مواكبتها، فكان ضرورياً أن تظهر طبقة من المحاربين المحترفين.

والسلطة القائمة كانت ترفض أن تكون هذه الطبقة من المصريين حتى لا ينقضوا على السلطة، فتم استيراد المماليك لوظيفة قتالية فقط، ونفس الشيء حدث بالنسبة لليهود في الحضارة الغربية، فكانوا يعرفون في إطار وظيفتهم المالية كمرابين وتجار، والدولة الوظيفية هي الأخرى تعّرف في إطار وظيفتها بمعنى أنها دولة تدخل في علاقة نفعية مع إحدى الدول الكبرى فتقوم على خدمتها، والدولة اليهودية دولة وظيفية أسست للقيام بوظيفة وليس لها أية أهمية في حد ذاتها، فهي وسيلة وليست غاية، ولا ننسى أن العلمانية هي الأخرى تقصد تحويل العالم إلى وسائل لا غايات.

وما تم الآن لصهينة اليهود هو علمنتهم، وتحويلهم من يهود إلى مادة استعمالية، وإسرائيل تدرك ذلك جيداً، وتدرك أن بقاءها وأمنها وثراءها منوط بقيامها بوظيفتها، والذي حدث هو أن وظيفتها القديمة التي هي المواجهة مع القومية العربية قد انتهت، لأن المواجهة كانت مع القومية العربية في ظل حرب باردة، والقومية العربية تآكلت، والحرب الباردة انتهت، فكان لابد من البحث عن وظيفة أخرى أو تضيع إسرائيل، ثم وجدت إسرائيل وظيفتها الجديدة مع تنامي المد الإسلامي، وأنها ستصبح - ليس فقط - قلعة للحضارة الغربية ضد الهجمة الشرقية والقومية العربية، وإنما ستصبح أيضاً قلعة للعلمانية ضد الخطاب الإسلامي ككل.

والغرب واليهود يريدون أن تكون المعادلة ليست عرباً ضد يهود بل علمانيين ضد إسلاميين، وأصبح دور إسرائيل الجدي هو القيام بدور التجارة والرخاء الاقتصادي، لأن الاستعمار اكتشف أن المواجهة مع الإسلام صعبة بل مستحيلة ومكلفة، وكانت الانتفاضة واحتلال العراق وأفغانستان أمثلة على ذلك.

وهكذا قرر الغرب بدلاً من المواجهة أن يطور وظيفة إسرائيل إلى وظيفة تجارية اقتصادية مع محاولة تفكيك المنطقة، والمقصود منها تذويب الهوية الثقافية، وإعلان مفهوم الشرق أوسطية الذي تتزعمه إسرائيل التي لا يرضى الغرب إلا أن يكون لها في هذا النظام اليد العليا.

 

* باعتبارك متخصص في الفكر الغربي هل حقق هذا الفكر غاياته التي كان يرجوها؟ وهل تعامل هذا الفكر مع الإنسان كإنسان؟

** من النكات المتداولة أن شيخاً وقف في المسجد فقال: يا أيها الناس إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (عليكم بأمرين: أما الأول: فقد نساه الراوي، قالوا: وما الأمر الثاني يا شيخنا؟ قال: لقد نسيته أنا)، فالنسيان هنا كان في الأمر الجوهري، وفي أساس الرسالة، وكذلك فعل الفكر الغربي نفس الشيء بنسيانه وتجاهله الأمر الجوهري وهو (الله)، وهكذا يقف الفكر الغربي بلا ركيزة أساسية (مرجعية)، وهل يمكن للإنسان أن يعيش بلا مرجعية؟.

إن الذاكرة الإنسانية والمرجعية تجعل الإنسان إنساناً، فمن خلالها يتعلم ويصبح له تاريخ، ويعرف الحق والباطل، ويؤسس ويختار بين الخير والشر، ولعل هذا كله جزء من الآية الكريمة: ((نسوا الله فأنساهم أنفسهم)) فالله هو الركيزة الأساسية لكل شيء، ولو نسى الإنسان الله نسى ذاته، ولقد أساء الفكر الغربي التعامل مع الإنسان، بدأ ذلك عند (هوبز) الذي قال: إن هناك حقيقة فحسب، ولا يمكن أن توجد معرفة وأخلاق وإنما هناك قوة، و(ميكيافيلي) نقل هذه النظرة الشريرة إلى عالم السياسة.

أما (سبينوزا) فقال: \"إن العالم آلي تماماً، وخال من الغائية الإنسانية\"، ولكننا نلاحظ أن العالم الغربي حقق انتصاره الرهيب بسبب تناسيه الكامل لأي أسئلة فلسفية غائية مثل: لماذا أنا هنا في الكون؟ ولماذا أجرى البحث العلمي؟ وأصبحت أسئلته هي: كيف أجري البحث العلمي؟

ثم جاء (داروين) وقال: \"إن العالم ليس بآلة، وإنما هو غاية يحدث فيها الصراع بشكل آلي\"، أما (ماركس) فقال: \"إن الحديث عن الإرادة الإنسانية وهم، لأنها ما هي إلا انعكاس للمادة\"، فكل أولئك أرادوا أن يتعاملوا مع الإنسان على أنه منظومة كاملة، لكن الإنسان يتجزأ مع المنظومة المادية في الواقع، ويظل داخل الإنسان ما يتجاوز هذه الأنماط المادية التي لا ترى الإنسان إلا طاقة وحركة، لقد قالوا: إن الإنسان جزء من منظومة ينطبق عليه ما ينطبق على الحيوان والجماد فاسقطوا من الإنسان إنسانيته.

لقد قابلت (فرانز أوين هايمر) رئيس الفريق الذي اكتشف معادلات القنبلة الذرية وتطويرهاº قابلته في أمريكا وسألته: ماذا فعلت بعد اكتشافك الخطير؟ قال: تقيأت، فحينما كان الرجل يتعامل مع الأرقام والأشياء كان عالماً محايداً، وحينما أنهى ذلك تقيأ، فالحقيقة عندهم منفصلة عن القيمة.

 

* لكن الغرب يتحدث الآن عن فكر \"ما بعد الحداثة\" فما هي خصائص هذا التفكير؟ وإلى أي مدى وصلت؟

** تيار ما بعد الحداثة هو فعلاً التيار الرئيس الآن في الفكر الغربي، وكلمة ما بعد الحداثة هي كلمة سلبية، وهي ليست الحداثة، وبالتالي فهي تعني ضد الحداثة، وهم يتحدثون عما بعد الحداثة نتيجة فشل المشروع التحديثي الغربي، هذا المشروع الذي بدأ من بعض افتراضات قدمت للناس بسيطة في عصر النهضة، وقد تبدو لنا بسيطة، فما زلنا نتحدث عن العقلانية والترشيد، والذات والموضوع، ولكن ما حدث في الغرب كان عكس ذلك.

إن المنظومة التحديثية الغربية بدأت بمقولة: إن العالم المادي يحمل الحقيقة كلها، وأنه مكتف بذاته، ويوجد بداخله ما يلزم في فهمه، أي بعبارة أخرى قالوا: ((وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر))، فالإنسان قادر على فهم هذا العالم، وتوليد نظم أخلاقية وجمالية من خلال تفاهم هذا العقل مع الطبيعة، وهم يكذبون لأنهم يستخدمون الطبيعة ذلك المصطلح البريء، ولكنهم يقصدون المادة، قالوا: ومن خلال التفاعل المستمر تتراكم المعرفة فيتقدم الإنسان إلى الأمام، ومن خلال المعرفة يزيد الإنسان من تحكمه في نفسه وفي الواقع، وهم هنا يفترضون أن الإنسان إرادة كامنة، وأن العقل رشيد، ويغالطون لأن عقلي ليس مثل عقول الآخرين، ففي داخل فكر ما بعد الحداثة توجد مجموعة من الافتراضات الفلسفية الهامة التي يصعب أو يستحيل وجودها، وأصبحت المسألة عندهم: كيف يزيد تحكم الإنسان في الطبيعة؟ وكان الحلم أنه سوف تتزايد رقعة المعلوم لدى الإنسان، وتقل رقعة المجهول، حتى يصبح المجهول صفراً، وهي لحظة نهاية التاريخ حينما يصبح الإنسان عالماً بكل شيء، غير جاهل بأي شيء، أي يصبح إلهاً كاملاً (أستغفر الله).

لقد كان هذا الفكر يفترض أن المعرفة سوف تؤدي إلى التراكم، والتراكم يؤدي إلى التقدم، والتقدم يؤدي إلى السعادة، فهل حدثت السعادة؟ لا، لقد حدثت حربان عالميتان، وإيقاع غير إنساني للحضارة، وتلوث وتسابق نووي محموم، لقد اكتشفوا أنهم بنوا أسلحة تكفي لتدمير العالم 15 مرة، وبالتالي فإن الترشيد من منظور مادي خال من القيم تماماً، والترشيد المطلق يؤدي إلى الهلاك المطلق.

إن مجيء (نيتشه) بأفكاره في الفكر الغربي كان لحظة حاسمة، لأنه أعلن الفضيحة كاملة، وقال: \"إن الأخلاق أساطير ابتدعها البشر\"، وقال: \"إنه لا يمكن الحديث عن مركزية الإنسان في الكون، لأن الأمور متساوية\"، وأنكر فكرة الكل، وقال: لا توجد كليات، بل أجزاء، وبالتالي سدد الضربة القاضية للميتافيزيقا الغربية، ووصل الفكر الغربي على يديه إلى مرحلة من لا يهاجم الميتافيزيقا فحسب وإنما يقول بخرافة الحقيقة، ولكن الاستناريين العرب عندنا لا يفهمون، فلا يزالون يحتفظون بمطلقات كثيرة، فهم يؤدون الصلاة، ويعتقدون في الأخلاق، ولا يدرون أن الأمور متواليات تؤدي إلى بعضها، وأن الفلسفة الغربية بعد (نيتشه) ليس فيها معنى مطلق وإنما معنى يفرض بالقوة التي في يديك.

 

* لكي نستطيع فهم هذا المفهوم الفلسفي لـ \"ما بعد الحداثة\" هل لنا أنت نتعرف على مفهوم \"الحداثة\" نفسه كما يريده الفكر الغربي؟

** عرفت الحداثة بأنها \"تبني العلم والتكنولوجيا والعقل كآليات وحيدة للتعامل مع الواقع\"، وهذا التعريف يهمل البعد المعرفي الكلي والنهائي والذي يتبدى في صورة الإنسان الكامنة في هذا التعريف.

ولسد هذه الثغرة نقول: إن \"الحداثة هي تبني العلم والتكنولوجيا والعقل المنفصلين عن القيمة كآليات وحيدة للتعامل مع الواقع\"، وقد هيمن نموذج الحداثة المنفصلة عن القيمة على كل مجالات الحياة المهم منها وغير المهم، المركزي منها والهامشي، وأحكم قبضته، وأصبح هو أساس الخريطة الإدراكية للإنسان الغربي الحديث، وكثير من شعوب العالم الثالث خاصة نخبها الحاكمة.

وصورة الإنسان الكامنة في الحداثة المنفصلة عن القيمة هو الفرد صاحب السيادة الكاملة، مرجعية ذاته، والهدف من الوجود بالنسبة له تحقيق النفع الشخصي، وتعظيم المتعة، وزيادة اللذة، فهو إما إنسان اقتصادي، أو إنسان جسماني، أو خليط منهما، وهو في جميع الأحوال إنسان طبيعي/مادي لا علاقة له بالخير أو بالشر، أو بأي قيمة تقع خارج نطاق الحواس الخمس.

وقد عبرت الحداثة المنفصلة عن القيمة عن نفسها في عدة مجالات من أهمها مجال الأخلاق، فالأخلاق إن هي إلا ما يجرده العلم الطبيعي من تجاربنا الحسية أو المادية، والقول بوجود شيء يسمى الأخلاق خارج هذه التجارب هو من قبيل التخريف.

فالخير والشر ليسا وصفاً لمقولات مطلقة أو شبه مطلقة، متجاوزة للدوافع المادية للبشرº وإنما هما وصف لسلوك بعض الناس، واستجابتهم الفردية الخاصة لتجارب مختلفة خاصة بهم، وما هو خير هو ما اتفقت الجماعة على تصنيفه كذلك، والشر لا يختلف عن الخير في هذا، فالأخلاق مسألة اتفاق شائع، وعرف سائد، ويشيع الإيمان بأن كل القيم الأخلاقية نسبية، ولذا فهي خاضعة تماماً للتفاوض.

ولكن مع هذا تظهر المنظومة الداروينية باعتبارها المنظومة الأخلاقية الوحيدة الممكنة \"الواقعية\"، ومن ثمَّ يتراجع التراحم بين أعضاء الجماعة كقوة محركة للمجتمع الإنساني، ويحل محله التنافس والصراع بين الأفراد، فحرية المنافسة هي الوضع الطبيعي للإنسان الطبيعي، والمنافسة تؤدي إلى الكفاءة، وتعظيم الإنتاج، واستئصال من ليس كفؤا من خلال عملية (مادية) طبيعية.

ويصبح حب الذات الدافع الأكبر الذي يعبر عن نفسه في شكلين متناقضين: الأخلاقيات النيتشوية للأقوياء المنتصرين، حيث تصبح إرادة القوة (الداروينية - النيتشوية) القيمة الأخلاقية المطلقة، فهي تعبير عن أن الكائن أصبح مرجعية ذاته، وأن أخلاقياته كامنة فيه، نابعة منه، عائدة عليه (هو) بالمنفعة أو اللذة أو البقاء، فهو الذي يفرض الأمر الواقع الذي يخدم صالحه (ولذا يمكن تسمية الحداثة المنفصلة عن القيمة بأنها الحداثة الداروينية).

أما بالنسبة للضعفاء المهزومين فأخلاقيات التكيف البرجماتية من نصيبهم، فهم أيضاً يبحثون عن البقاء، ولا يمكنهم تحقيقه (بعد هزيمتهم) إلا من خلال التكيف البرجماتي، والإذعان للأمر الواقع، فهذا الإذعان هو الذي يحقق صالحهم.

 

* هل لهذا الفكر الفلسفي والثقافي الغربي تأثير على الأداء السياسي الغربي أو ما يسمى بالنظام العالمي الجديد؟

** هذا صحيح تماماً، إن الإنسان الغربي الآن يعيش في عالم كله سيولة وعدم تحديد، فكلمة أسرة حتى عهد قريب كانت تعني عندهم رجل وامرأة متزوجان ولديهم طفلان عادة، أما الآن فتعني عدة أشياء، فقد تعني رجلاً وامرأة يعيشان معاً، متزوجان أو لا، لديهم أطفال أو لا، وقد تعني أن لديهم أطفال بالتبني، وقد تعني امرأة متزوجة من امرأة، أو رجلاً آخر يعيش مع الزوج والزوجة في نفس المكان، فما بعد الحداثة تيار يعلن أن العلم يعيش في حالة سيولة كاملة، ولا توجد له مرجعية، ولا مركز، ولا يمكن فيه التمييز بين الظالم والمظلوم، وأصبح التواصل فيه بين الإنسان والإنسان مستحيلاً، لأن اللغة غير مستقرة، والاسم لا علاقة له بالمسمى، وهذه هي أيدلوجية النظام العالمي الجديد تماماً التي تعلن فشل العقل، وفشل اليقين، وفشل البيئة، وفشل الوعيº لتقيم الشركات الاحتكارية الكبرى بالمركزية والسيطرة.

 

* إذا كانت للعلمانية هذه الجذور القوية في الفكر الغربي فإن الفكر العلماني على ما يبدو يواجه تحديات كثيرة هذه الأيام سواء من جانب الكنائس التي يتزايد دورها في جوانب الحياة بما فيها الجانب السياسي، أو من جانب مفكرين يركزون على جوانب أخلاقية، أو من جانب جماعات دينية لها مصالح، ومع ذلك نرى أن الغرب لا يزال يعمل على تسويق العلمانية في بلادناº ما هو تفسيركم لذلك؟

** العلمانية ليست مجموعة من الأفكار أو الأنماط الواضحة ولكنها منظومة متكاملة، وإذا كان الغرب يسوق بضاعته فنحن نسوق بضاعتنا أيضاً.

فها نحن نأكل الهامبورجر بدلاً من أن نطبخ ونجلس في جو الأسرة وهذا نوع من أنواع العلمانية، والأفلام والمسلسلات التليفزيونية التي نشاهدها: هل الغرب يفرضها علينا؟ طبعاً لا نحن الذين نتسابق لنشتريها منه، فالغرب لا يفرض علينا شيئاً ولكن ديناميات العلمنة أصبحت نابعة من الداخل.

ربما حدث هذا الفرض في أول الأمر أيام الاستعمار، أما الآن فلا، حتى إن بعض المؤسسات الإسلامية دون أن تدري تلعب دوراً في العلمنة، وقد حضرت مؤخراً معرضاً أقامه بعض التجار الإسلاميين، وتحت ستار المنفعة كان خطابهم للناس، وكثير من الإسلاميين يقتصر الإسلام لديهم على الحياة الخاصة، أما حينما نأتي إلى آيات السوق نجده داروينياً مئة في المئة، وكنت أتحدث أخيراً مع شاب مسلم، وأحتج على بعض الأخلاقيات التي تمارس في مجال معين، فقال لي: هذا هو قانون العرض والطلب، فقلت له: هذا كلام داروين وليس له دخل بالإسلام، أين التراحم الإلهي؟ مثلما قلت للحاخامات: إن كلامكم لا علاقة له باليهودية.

أضف تعليق

هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع وهي وجهات نظر أصحابها

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply