رؤية نقدية للإعلام العربي في رمضان


 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

رمضان مدرسة إيمانيةº يتجدد معها إيمان العبد كلما شعر بألم الجوع والعطش، ازداد إيمانه بالامتناع عن المباح وارتقت نفسه بالامتناع عن الحرام، وتسامى عنه، وحافظ على صيامه من أن تخدشه كلمة أو تؤثر فيه لفظةº فلا يصوم عن المباح ليفطر على الحرام.

لذلك كان الصيام مدرسة التقوى التي يعيش بها الضمير حيًّا حذرًا مدركًا، تفرحه الطاعة وتؤذيه المعصية، إن همّ صاحبه بسيئة نهاه عنها، وإن همّ صاحبه بحسنة حثّه عليها. يكبر ضميره وينمو حتى يكون في بصر العبد وأذنه وفي يده ورجله ولسانهº بل في خواطر نفسه وإحساسه. وهو بحد ذاته فوز، وأي فوز أكبر من أن ينتصر الإنسان على نفسه، فيعمل بحسب ما يمليه عليه دينه، وليس بحسب ما تهواه نفسه (ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا).

لكن المسلم ابتلي بما يعكر عليه نهار رمضان وليله، وهو الإعلام بمسلسلاته وفوازيره وأفلامه وأغانيه وبرامجه...، فهل يعين الإعلام الصائم في صيامه، أم يفتح أمامه أبواب المعصية؟!.

ولماذا لا يوجد إعلام إسلامي جاد؟ ولماذا تمنع المذيعات المحجبات والكفاءات الإسلامية من التواجد والعمل الإعلامي، بينما يسيطر العلمانيون على الإعلام العربي؟!

 

تزييف الوعي الإسلامي:

شهر الفضائيات:

يقول د. جابر قميحة - أستاذ الأدب الإسلامي بجامعة عين شمس -: إن المحطات الفضائية تعمل على تحويل هذا الشهر الفضيل من شهر التوبة والاستغفار والرجوع لله - عز وجل - إلى شهر تتنافس وتتسابق فيه الفضائيات العربية إلى إعداد وعرض الفوازير الخليعة والمسلسلات وغيرها من البرامج الفاشلة التي تساهم في إفساد الشباب وإشغالهم عن العبادة والاستغفار.

والذي يدقق قليلاً يجد أن أغلب المحطات العربية تعرض برامج متشابهة في المضمون، ويتم العرض في أوقات متقاربة، وكأن الأمر مدروس ومخطط له، إذ تبدأ البرامج المخصصة لشهر رمضان في فترة العصر، وتكون البداية مع برامج إعداد الوجبات (في محاولة غرس في ذهنية المسلم أن شهر رمضان هو شهر الصوم عن الأكل والشرب فقط)، وبعد صلاة العشاء يتم عرض الفوازير الخليعة التي تثير الشهوات، وتزرع الانحلال الأخلاقي، وفي المساء يتم عرض البرامج المحسوبة على الثقافة (الثقافة الغربية، مثل: الثقافة الغنائية، وأخبار الفنانين)، وفي نهاية اليوم يكون ختام البرامج ختام مسك بعرض المسلسلات المدبلجة (والتي تساهم في التفكك الأسري والانحلال الأخلاقي)، أو تكون المسلسلات العربية التي تعمل على تشويه الإسلام عن طريق تشويه التاريخ، وتشويه كل ما يحسب على التيار الإسلامي.

 

إشاعة ثقافة اللهو والعبث!

يقول الكاتب الإسلامي فهمي هويدي: رمضان لم يعد شهر السكينة والصوم والعبادة، من تلاوة للقرآن إلى قيام الليل إلى غير ذلك من المعانيº إنما أصبح رمضان يرتبط في الأذهان بأشياء أخرى مختلفة تمامًا (دنيوية بامتياز), في مقدمتها الفوازير والمسلسلات وخيام اللهو والنرجيلة!

ومما يبعث على الدهشة أن الشهر الوحيد في السنة الذي يفترض أن يُكرَّس للعبادات والروحانيات عند المسلمين, هو أكثر الشهور امتلاء باللهو والعبث، وأن الليالي التي يفترض أن ينشغل الناس فيها بالتلاوة والقيام والتهجدº الغريب أن الإرسال التلفزيوني لا يتوقف فيها إلا مع صلاة الفجر, بل إن التليفزيون المصري - مثلاً - يعرض أفلامًا سينمائية ومسرحيات ابتداء من الساعة الثانية صباحًا!.

وتمتد المفارقات حتى يصبح شهر الصيام - عن الطعام - هو أكثر الشهور ارتفاعًا في معدلات الاستهلاك, وشهر التسامي وعفة اللسان والصيام - عن الانفعال والغضب والبذاءة - هو الشهر الوحيد الذي يحتج فيه البعض بالصيام لكي يفعلوا كل ما هو منهي عنه أو مكروه!

ويضيف هويدي: إنني لا أفهم سر ذلك الإصرار على العدوان المستمر على حرمة الشهر, خصوصًا من خلال البث التليفزيوني الذي أشاع بين الناس ثقافة اللهو والعبث في شهر الصيام, الأمر الذي ترتب عليه أن راجت في السنوات الأخيرة بدعة الخيام التي تقام لتكريس مفهوم اللهو وممارسته, فضلا عن الاتجار به.

في الأحاديث النبوية أنه حين يقبل الشهر المبارك تفتح أبواب الجنة وتغلق أبواب الجحيم, وتقيد الشياطين, وينادي فيه: يا باغي الخير أقبل, ويا باغي الشر أقصر حتى ينتهي رمضان.

وحين يقرأ المرء هذا الكلام ـ خصوصًا إذا هيمنت عليه فكرة المؤامرة ـ يخيل إليه وهو يطالع الواقع أن ثمة جهدًا لتوظيف رمضان في اتجاه معاكس تمامًا, بحيث تغلق فيه أبواب الجنة, وتفتح أبواب الجحيم على مصارعها, وتطلق الشياطين من عقالها بحيث تعيش أزهى شهورها!.

ويستطرد هويدي: أخشى ما أخشاه أن يمسخ شهر رمضان بمضي الوقت بحيث يفرغ من محتواه الحقيقي، ويتحول إلى موسم ومناسبة أشبه بـالكريسماس الذي يُفترض أنه احتفال بذكرى ميلاد السيد المسيح - عليه السلام -, وقد تحول بمضي الوقت إلى موسم للتبضع و الأوكازيونات وحفلات اللهو, بحيث اختفي تمامًا كل ما هو ديني في المناسبة, وهيمن تمامًا كل ما هو دنيوي، فتم اغتيال الذكرى وجرى إحياء التجارة!.

إن شئتَ فقل: إنه قد تمت علمنة مناسبة ميلاد السيد المسيح, و استؤصل منها كل ما له صلة بالإيمان والعقيدة و الغيب, إلى حد أنه لم يعد يُذكَر المسيح في هذه المناسبة, وفي المجتمعات الغربية بوجه أخص.

لا أبالغ إذا قلت إننا مع شهر رمضان نمضي على الدرب ذاته, بحيث نلاحظ تراجعًا تدريجيًا للعقدي والإيماني والروحي في الشهر, وتصاعدا مقابلاً لكل ما هو مُسَلٍّ, وعبثيّ ودنيويّ من خلال الإعلام العربي.

 

مسخ الشخصية المسلمة:

أما المفكر الإسلامي د. محمد يحييº فيقول: إن هناك شبه اتفاق بين وسائل الإعلام العربية على مسخ الشخصية المسلمة، وذلك بالحط منها وتصويرها بالصورة السلبية المتشنجة العصبية، والمبالغة في موضوع التطرف وسحبه بخبث على كل الحالات الإسلامية، بحيث يتم الإيحاء بأن كل متدين متطرف.

كما أن مسألة منع المذيعات المحجبات من الظهور على شاشة التلفزيون المصري بكافة قنواته تكريس للعلمانية وتقوية لها. لماذا هذا الخوف مع إن المفترض أن التليفزيون يعكس كل التيارات والآراء؟! وهل بلادنا لا تحب الزي المحتشم، أم أن الغرب لا يرضى عنا إلا إذا فعلنا ذلك؟ و إلا فإن إعلامنا تافه، يناقض هويتنا، ويعمل على هدمها وتدميرها؟!.

إن مجمل هذا التوجه حرمنا من أن يكون لدينا إعلام هادف محترم متميز يحترم الثوابت الإسلامية ويقويها.

والقوم الذين يتحكمون في إعلامنا، وينحازون للعلمانية، ويشوهون الإسلام، حينما يقدمون البرامج والمسلسلات والأفلام الإسلامية خلال شهر رمضانº تكون أعمالهم سطحية وتافهة وغير مؤثرة، والعجيب أنهم لا يُطورون أنفسهم وإنما يكررون ما يقدمون.

 

 

أضف تعليق

هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع وهي وجهات نظر أصحابها

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply