المدعون


 

بسم الله الرحمن الرحيم

أيـهـا الـمدّعون طالت ليالينا ***  ومـا كـحـل الـجفونَ ضياءُ

 

واسـتـبدّ الظلامُ لا قمرٌ يحـ ***  ـبـو ولا سـامـر ولا أحياءُ

 

تـلـك آمـالُـنـا بـقايا رمادٍ, ***  شـد يـومـا وثـاقَها الإعياءُ

 

لـم تعش في حياتها لذةَ الدفء ***   صـقـيـعٌ أيـامـها وامنطفاءُ

 

سـكـنَ الحزنُ مقلتيها وأظمى ***  شـفـتـيها السرابُ والإفتراءُ

 

طـائرُ الحلم لم يزل ينقر الأر ***  ضَ فـأحـلامـنا جياعُ ظماءُ

 

عـصـب الـليلُ مقلتيه وألقاه ***  كـسـيـراً تـنـزٌّ منه الدماءُ

 

لـم يـغـرد فـمهده من نجيع ***  وصـبـاحـاته الحسان انكفاء

 

أيـهـا الـمدّعون صار هشيماً ***  مـا رواه الـرواةُ والأدعـياءُ

 

نـسـي اللوزُ زهرَه يوم دوّت ***  قـهـقـهـاتُ السٌّراق والأنواءُ

 

وتهاوى الصفصاف ليس غريباً ***  أن يـمـوت الجمال والكبرياء

 

أين حبُ الحصيد أين البساتيـ ***  نُ وأيـن الـزهـور والأنـداءُ

 

وي كـأن البلاد لم تغن بالأمـ ***  ـس فــلا زارع ولا بَـنَّـاءُ

 

إنـه الـقيظُ والتصحّرُ والهجـ ***  ـرُ ومـا ثـمَّ جـدولٌ سـقّاء

 

ألـفُ صـنفٍ, من الدواء وماذا ***  يـفـعـل الطب والدواءُ الداءُ

 

أصـبـحـت أرضُنا قبورَ نفايا ***  ت فـهـل يُـرتجى الغداة نَماءُ

 

اسـتـوى الـفلك مثقلاً بحطام ***  حـيـن بيع الشذا وغيض الماءُ

 

إن جـمر الإسمنت حرّق وجهاً ***  مـا تـغـنّـى بـمثلِه الشعراء

 

أيـهـا المدّعون هذي الملاييـ ***  ن ظـلال مـحـزونـةٌ وغُثاءُ

 

راقـصت ليلَها الهواجسُ والخو ***  ف وهـمـس الأشباح والظلماءُ

 

وعـلـى ضـفة الضياء نؤومٌ ***  لـم تـفـق بـعدُ حُرّةٌ شقراءُ

 

ضـل خُـطّابها وتلك الدياجي ***  دونـهـا والـحتوفُ والدٌّخَلاء

 

مـن ترى أطفأ الشموعَ وأردى ***  خـفـقـاتِ القلوب فهي خُواءُ

 

ذُبـحَ الـحبُ مثلما يُذبحُ الطيرُ ***  ودقّـت طـبـولَـها البغضاءُ

 

تـلـك عبسٌ على مشارف ذبيا ***  ن وهـذي الـدمـاء والأشلاء

 

ذاك جـسّـاسُ والصواهل والنا ***  ر جـمـوعٌ يـقـتادهن الفناءُ

 

مـلأت أرضَنا شظايا المغيريـ ***  ن فـأيـن الـقعقاعُ والخنساء

 

ابـن مـاء السماء يزجي المنايا ***  فـاغـراتٍ, والـغولُ والعنقاءُ

 

ويـهزّ الحجاج ظلم السلاطيـ ***  ن سـيـوفـاً لـكـنها عمياءُ

 

نـسـي الناس ذا الفقار وبيعت ***  وهـي تعدو في شوطِها البلقاءُ

 

نـسـي الـناس خالداً والمثنى ***  فـي بـلادي تُـبَـدّلُ الأسماءُ

 

سُـرقـت سيرةُ الشموس بليلٍ, ***  فـالـتـواريـخُ بعدَها عرجاءُ

 

سُـرق الـلونُ والشذا من زمانٍ, ***  نـحـن فـيـه الأعزةُ الحكماء

 

أيـهـا الـمـدّعون لم أَبنِ بيتاً ***  أنـا مـازلـتُ يحتويني العراءُ

 

أنـا مـازلـتُ طامحاً لرغيفٍ, ***  أنـضـجـتـه قلوبُنا البيضاءُ

 

الـطوابيرُ جرّحت زهرَ عمري ***  والـحـصـادُ الهشيمُ والبأساءُ

 

إنـهـا ليستِ العروسَ فعودوا ***  أيـهـا الـنـاس إنها \"السوداء\"

 

هـذه لـيست النياقَ العصافيـ ***  ر وإن هـام في حسنها البلغاءُ

 

أفـسـدت شربَها الرعاةُ وأدمت ***  ضـرعـهـا فهي سِلعةٌ عَجفاءُ

 

كـل نـعـمى للمترفين وماصا ***  ءَ ومـا صـاتَ مـنحةٌ وجباءُ

 

شـربَ الـمترفون كأسَ الحميّا ***  وتـعـرَّوا فـلـيـس ثَمَّ حَياءُ

 

نـفـشـوا ريـشهم فتلك تغني ***  وعـلـى \"الـبار\" مقلةٌ وطفاءُ

 

هـذه! هـذه! وحـشـدُ بـغايا ***  والـلـيـالي حرائقٌ واصطلاءُ

 

هـكـذا الـعـمرُ: أكلةٌ ونبيذٌ ***  وبـغـيٌ ورقـصـةٌ وغِـناءُ

 

أيـهـا الـمدّعون خلف العمارا ***  ت بـيـوتٌ يـموءُ فيها الشقاء

 

كـلـمـا أبـحرت سفائن خزٍّ, ***  مـثـقـلاتٍ, تـضـوّرُ الفقراءُ

 

نـحـن أغنى من الغنى فلماذا ***  لـم يـزرنـا منذ احتلمنا الهَناءُ

 

كلُ شبرٍ, في أرضنا ذهبٌ يُجـ ***  نـى وكـرمٌ تـعـهدته السماءُ

 

هـذه الأرض جـنـةٌ فـلماذا ***  جـاعَ فـيـها الكرّام والأُجراءُ

 

أكـل المعتدون أطرافَ أرضي ***  إنَّ أرضـي شـهـيّـة غَـنّاءُ

 

حـذف الـمـعتدون أذكار أمي ***  هـي والسيف والصهيلُ سواءُ

 

سـرق الـمعتدون صورة جدي ***  إنَّ عـيـنـيـه نـخوةٌ وإباء

 

حـرّقوا الزرع والنخيل وشُدّت ***  نـحـو وجـهي جهنَّمُ الحمراءُ

 

أنـا يـا قـومُ بـيـنكم أتلظى ***  هـكـذا هـكذا يكون الإخاءُ؟!

 

أنـا قـبلاً أُكلتُ يومَ استباحت ***  أرضَ أهـلـي الفجّارُ والأعداءُ

 

أيـهـا المدّعون خلفَ اغترابي ***  سـبـأٌ والـخـرابُ والأرزاءُ

 

جـنـدُ بـلقيسَ شامتون بموتي ***  إن مـوتـي بـدايُـة بـلـهاءُ

 

أولُ الـغـيـث قطرةٌ ثم يأتي ***  بـعـد هـذا الطوفانُ والإفناءُ

 

أيـهـا المدّعون أرضي حَرامٌ ***  سـكـنـتها الشموسُ والأنبياءُ

 

حـبةُ الرمل من قلوب المياميـ ***  ن عـسـيـرٌ طلابها والرجاءُ

 

كـم تأبّت على المغير روابيـ ***  نـا ومـادت بغيظها الصحراءُ

 

كـلـمـا أغفتِ العروسُ تغنّى ***  بـهـواهـا الـرَوّاحُ والـغدّاء

 

كـلـمـا قـمتُ للحصاد تنزّى ***  حول حقلي اللصوصُ والغرباءُ

 

أَبـعِـدوا كـذبةَ الحضارةِ عني ***  ودعـونـي أعـيش كيفَ أشاءُ

 

إن حـقـي تـكـفلته السماوا ***  ت وصـانـتـه شمسنا الغرّاء

 

أحـقوق الإنسان أن يُذبح النا ***  سُ ويـعرى السجّانُ والسجناءُ؟

 

أحقوق الإنسان أن يسفح الطفـ ***  ل دمـوعـاً وتُـستباحَ النِّساءُ؟

 

أيٌّ حـريـةٍ, وأيٌّ سـلامٍ, ***  صـدّرتـه الـعِـصابةُ النكراءُ

 

أَبـعـدوا كـذبـةَ الـتمدّنِ قدا ***  مـي ذئـابٌ ومن ورائي عُواءُ

 

هـكذا تنهضُ الشعوبُ: سجونٌ ***  وعــراةٌ وحـيّـةٌ رقـطـاءُ

 

أيـهـا الـغافلون ضيّع صوتي ***  ذاريـاتٌ عـنـيـفـة هوجاءُ

 

ضـقـتُ من أحمر الشفاه وما ***  رسـمـتـه القصائدُ العصماء

 

كـلما استيقظت أَزاهيرُ شعري  ***  حـرّقَ الـدمعُ وجهَها والرثاء

أضف تعليق

هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع وهي وجهات نظر أصحابها

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply