حُقن دعوية (2)


بسم الله الرحمن الرحيم

 

خارطة طريق الدعوة

أخي الداعية...

يا من تحملت هذه الدعوة المباركة، و اخترت طريق الأنبياء،وسلكت درب المصلحين،وحُدت عن سبيل المفسدينº اصدق الله يصدقك!

 

فهذه الدعوة لا ينصرها إلا ذو الهمم العالية، والأفكار الباهرة، والقلوب العامرة بحبها، بل وعشقها..

ولله ما أجمله من عشق! لأن العاشق هنا يبذل الغالي والنفيس، والصعب والسهل، والممكن وغير الممكن، وقد يكلّفه الكثير من حياته.. بل في بعض الأحيان حياته كلها!

 

فمن الطبيعي أن تُفنى الأموال وتُقضى الأعمار، بل وتُزهقُ الأنفسُ في سبيله.. كيف لا وقدوة هذا العاشق في دعوته نبيه - صلى الله عليه وسلم - الذي ما ادَّخر وسعاًً ولا جهداًً في سبيل رسالته المباركة!

وعندما يخالجُ هذا العشق فؤادك..وجب عليك الانخلاع من كل ما يُسيءُ لدعوتك المباركة.. كان ذلك قولاًً، أو عملاً، فلا تستهين بصغائر الأمور، فهي في سمعة الدعاة من عظائم الأمور، وفي مقابل ذلك كله، المسارعة بالامتثال لكل ما يفيدك وينمي مهاراتك وما يتفق وأسلوبك الدعوي، كان ذلك فكرةًً أو قولاً أو عملاً..عاملاً على زيادة رصيدك الثقافي والحركي والتربوي..

 

وحتى تصل إلى معشوقك وجب عليك الرحيل في رحلةٍ, شاقةٍ, طويلة، عمرها هو عمرك، ولا عودة بعدها إلا لمتخاذلٍ, متكاسل..

 

فإذا رحلت فاعلم أن الطريق وعرة..وعلى جانبيها جبالٌ من الفتن والمصاعب، وعلى تلك الجبال سترى جموعأً من المثبطين ومن خلفهم إخوانهم من الكُسالى والبطالين.. فلا يخلدوك إلى الأرض بعذر طول طريقك وصعوبة سلوكها..وستجد من هؤلاء من أعيتهم صحبتك..وأضنتهم عشرتك..بل من صُحبتِكَ المُلازِمَة..ومن رِفقَتِكَ المُداوِمَة..فإن هبت رياح التثبيط منهم، فاتقيها بريح {وَمَن أَحسَنُ قَولاً مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ المُسلِمِينَ}.

وإن جاءتك عاصفة التهوين والتنصل من المسؤولية فاتقيها بـ{معذرةً إلى ربكم ولعلهم يتقون}..

كما ستلحظ في طريقك نهراً من الاستهزاء والسُخرية والتحقير بصورة مياهٍ, عذبة، فلا تشرب منها، ولا تعبئ بها..فإنما هي مياهُ نهر تجري، فلا يضرك جريانها..فكل أسلافك الكرام مرٌّوا بها غير عابئين بها..

 

وعلى ضفاف ذلك النهر سَتُسَّرُ بأشجارً قد طابت ثمارها، وظهرت للسماء فروعها..واستقرت إلى الأرض جذورها، فلا يغررك طيب الثمار، فإنما هي السٌّم لدعوتك والسر لمقتلك، وهذه الثمار إنما هي حثالةٌ من الإغراءات بكل صورها كانت مناصباً أو أموالاً أو زخارف من دنيا الهوان، وهذه الإغراءات ستراها تنسدل من فروع المفسدين الذين هم على صورة مصلحين، ويدعم هذه الفروع الفاسدة ثلةٌ من جذور المنافقين..

 

وقد تتعرض لضرباتٍ, متتالية من شمس نفسك الحارقة، تجدها في تثبيطها لك مرات، وتهوينك وتخذيلك مراتٍ, أخرى.. وحتى تتقي حرََّ شمسك، عليك اللجوء كلما هُممت بضربةº إلى ظِلال أسلافك من الدعاة، كيف صبروا وجاهدوا وبذلوا، فإذا اكتفيت من ظِلالهم... قم وأكمل السير..

 

حتى إذا أضناك العطش وألَّّّم بك الجوع..فعليك من الزاد الذي لا يفنى معينه ولا يصدأُ معدنه، كتاب ربك وسنة نبيك - صلى الله عليه وسلم - ومن تبعه إلى يومك.. فهما الزاد الذي لا نهاية له في رحلتك الشاقة..

 

وقد تسألني عن قطَّاع الطريق الذين تَعُجٌّ بهم، وأنهم قد يأسرونك، ويُسلبونك حريتك، ويُذيقوك ألواناً من التنكيل والعذاب!

 

فأقول لك: نعم قد يتعرضون لك بذلك بل وأشد منه، عندما يرون شدة سعيك في الطريق وسعة صبرك على رحلتك، وسقوط كل الفتن والإغراءات التي ما فتئت تُعرضُ عليك تحت قدميك، عند ذلك لن يبقى لإبليس أن يشيرهم به، إلا السجن، سُنَّةُ من قبلك ومن بعدك،فإذا وقع ذلك عافاك الله من كل سوء.. تذكر {قَالَ رَبِّ السِّجنُ أَحَبٌّ إِلَيَّ مِمَّا يَدعُونَنِي إِلَيهِ} من بريق إغراءاتهم وزُخرفِ شهواتهم..وإن ضاقت نفسك فتذكر\"سجني خلوة وإخراجي من بلدي سياحة\"، وتغنَّ:

 

أنا مؤمنٌ بالنصر القريب لدعوتي**** وبحب أفئدة وعت معنى الفدا والعزة

أنا مؤمنٌ بالنصر القريب لدعوتي **** وبحب أفئدةٍ, رأت في السجن أصدقُ خلوتي

 

وقد يطول بك المُقام في سجن حريتك من عبودية العبيد، فأنت حرٌ في سجنك على غير ما يظن عبيد العبيد، لأنك لم تصفق ولم تطبل للحشرات من الطغاة..وتذكر ترانيم الشهيد:

 

أخي أنت حرٌ وراء السدود **** أخي أنت حرٌ بتلك القيود

إذا كنت بالله مستعصما **** فماذا يضيرك كيدُ العبيد

 

وفي سجن حريتك، لا تستوحش وحدتك ومعك الحي القيوم، ولا تستثقل غربتك ومعك الرحمنُ الرحيم، ولا تستعجل نُصرتك ومعك القوي العزيز..وليكن لسان حالك لمن بعدك ومن سار على دربك:

 

أخي إن ذرفت علي الدموع **** وبللت قبري بها في خشوع

فأوقد لهم من رفاتي الشموع **** وسيروا بها نحو مجدٍ, تليد

 

فإن قضيت نحبك،في سبيل معشوقك الذي رحلت لأجله،فأبشر بفرجك من كُربتك، لفوزك بوسام الشهادة، وثوب العزِّ والكرامة..

 

أخي إن نمت نلقى أحبابنا **** فروضات ربي أعدت لنا

وأطيارها رفرفت حولنا **** فطوبى لنا في ديار الخلود

فإن أنا متُّ فإني شهيد **** وأنت ستمضي بنصر مجيد

 

وبعدُ أخي فهذه خارطة طريق الرحلة، بما ستجده، وما ستلقاها فيها.. فهل سترحل معي!

 

 

 

أضف تعليق

هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع وهي وجهات نظر أصحابها

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply