ما النصيحة وكيف تكون؟


 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

 

معاشر المسلمين والمسلمات: قال – تعالى-: (ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون).

 

فالنصح من أعظم الخير وأجمل المعروف، ولذلك فإنه مأمور به وواجب على لسان الشارع الحكيم، واجب على الأمة كل بحسب طاقته، وواجب بالخصوص على العلماء المشهود لهم بالخير والعلم بالكتاب والسنة وهدي السلف الصالح من الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان من أئمتنا أئمة الفقه والحديث قال – تعالى-: (وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان) فمن لم ينصح لهذه الأمة، أمة محمد  فالله – تعالى- وعده عذابا شديداً، وقال ابن كثير في الآية يأمر الله – تعالى- عباده المؤمنين بالمعاونة على فعل الخيرات، وهو التقوى وينهاهم عن التناصر على الباطل والتعاون على المآثم والمحارم\" أهـ.

 

أيها المسلمون: إن أعظم حديث يبين معنى النصيحة وحد حدودها الشرعية هو حديث رسول الله  الآتي بيانه: الذي يعتبر أعظم قاعدة من قواعد السياسة الشرعية والأخلاق الاجتماعية الرفيعة، فعن تميم بن أوس الداري  أن النبي قال: ((الدين النصيحة ثلاثاً قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم)) [رواه مسلم].

 

أيها الإخوة: النصيحة خلق من أخلاق القرآن وهدي رشيد من هدي خير الأنام محمد - عليه أفضل الصلاة والسلام- وفضيلة من فضائل الإسلام العظيمة، فالمسلم دائماً وأبدا يحب النصح والخير لنفسه ولأمته، لأن المسلمين نفس واحدة كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضاً، قال – تعالى-: (إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون).

 

ما هي النصيحة؟

قال الإمام الخطابي: هي كلمة جامعة معناها حيازة الخير للمنصوح له، وأصل النصح في لغة العرب تقول: نصحت العسل إذا خلّصته من الشمع، وتقول نصحت له المحبة إذا أخلصت له المحبة، فالنصيحة هي إرادة الخير بإخلاص للمنصوح له.

 

والنصيحة هي أعظم صفات الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام- فقد كانوا أخلص الناس نصحاً لأقوامهم، يخوّفونهم من عذاب الله إن هم عصوه، ويبشرونهم بالجنات والرضوان إن هم أطاعوه، فهذا نوح - عليه السلام- يقول لقومه: (قال الملأ من قومه إنا لنراك في ضلال مبين * قال يا قوم ليس بي ضلالة ولكني رسول من رب العالمين  أبلغكم رسالات ربي وأنصح لكم وأعلم من الله ما لا تعلمون) وهذا هود - عليه السلام- يقول لقومه: (قال يا قوم ليس بي سفاهة ولكني رسول من رب العالمين  أبلغكم رسالات ربي وأنا لكم ناصح أمين) وهذا النبي صالح - عليه السلام- يقول: (فتولى عنهم وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم ولكن لا تحبون الناصحين).

 

وهذا شعيب - عليه السلام- يقول: (فتولى عنهم وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالات ربي ونصحت لكم فكيف آسى على قوم كافرين). ولكن هل قبل هؤلاء الكفار نصيحة أنبيائهم لا والله، لقد استكبروا استكباراً وآذوا أنبياءهم، بل أكثر من ذلك استعجلوا عذاب الله من السماء سخرية  بالأنبياء كما قال – تعالى-: (ويستعجلونك بالعذاب ولولا أجل مسمى لجاءهم العذاب وليأتينّهم بغتة وهم لا يشعرون).

 

معاشر المسلمين: وقد تكون النصيحة خدّاعة وكذّابة فلا يغرنك صاحبها، واعرف عدّوك تنجو منه، وقد ذكر القرآن الكريم أمثلة عن النصيحة الكاذبة، فإخوة يوسف ادعوا النصيحة ليوسف وهم يريدون قتله، كما قال – تعالى-: (قالوا يا أبانا مالك لا تأمنا على يوسف وإنا له لناصحون).

 

وأعظم مثال على النصيحة الخدّاعة ما حكاه الله – تعالى- عن عدوه إبليس اللعين الذي أقسم بعزة الله أن يغوي البشرية إلا المخلصين قال – تعالى-: (فبعزتك لأغوينهم أجمعين  إلا عبادك منهم المخلصين).

 

فهاهو إبليس يقسم كاذباً مدعيا النصح لأبوينا آدم وحواء ليأكلا من الشجرة حتى يقعا في الإثم قال – تعالى-: (وقاسمهما أني لكما لمن الناصحين  فدلاهما بغرور فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوءاتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة  وناداهما ربهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة وأقل لكما إن الشيطان لكما عدو مبين).

 

نعم، إنه إبليس عدو الإنسان يشوّه الحق في صفة الباطل، ويزين الباطل في صفة الحق، فيوقع أكثر البشر في المعاصي: فتراه يزين الخمر ويسميها بالمشروبات الروحية، والربا بالفوائد، والتبرج بالتحررية، والقمار بالألعاب الرياضية، والغناء الفاحش بالثقافة العالمية إلى آخره، وصدق الله إذ قال: (إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدواً).

 

فالحذر الحذر يا عباد الله من نصائح شياطين الإنس والجن قال: ((الدين النصيحة ثلاثاً)). فسمى الدين بالنصيحة، والدين هو الإسلام قال – تعالى-: (إن الدين عند الله الإسلام….) الآية، فالإسلام هو النصيحة وكل مسلم لا ينصح لأمته فهو ناقص في إسلامه ودينه، قال: ((لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه من الخير)) قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال: ((لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين عامتهم)).

 

1- فالنصيحة لله – تعالى-: تكون بالإيمان به وإخلاص العبادة له وعدم الشرك به، ووصفه بصفات الكمال ونعوت الجلال والجمال، وأنه لا إله إلا هو في ذاته وصفاته وأفعاله وعبادته، وتجنب معصيته والإقبال على طاعته وحبه والحب فيه والبغض فيه، والجهاد في سبيله والتحاكم لشريعته، قال – تعالى-: (قل هو الله أحد  الله الصمد  لم يلد ولم يولد  ولم يكن له كفواً أحد).

 

2- والنصيحة لكتابه: تكون بالإيمان به وتعظيمه وتنزيهه تلاوته حق التلاوة والوقوف مع أوامره وعند نواهيه، وتدبر آياته والدعوة إليه، وعدم هجرانه والحكم به في كل أمر، والاعتقاد الجازم أنه كلام الله غير مخلوق.

 

قال الإمام الطحاوي: \"وإن القرآن كلام الله منه بدأ بلا كيفية قولاً، وأنزله وحياً وصدّقه المؤمنون على ذلك حقاً، وأيقنوا أنه كلام الله – تعالى- بالحقيقة، وليس لمخلوق ككلام البرية، فمن سمعه فزعم أنه كلام البشر فقد كفر\" أهـ.

 

فهل عظمنا كتاب الله أم هجرناه، فلا نقرؤه إلا على الأموات أو في الحفلات ولا حول ولا قوة إلا بالله؟!

 

3- والنصيحة لرسوله: قال الإمام القرطبي:\"هي التصديق بنبوته والتزام طاعته في أمره ونهيه، وموالاة من والاه ومعاداة من عاداه، وتوقيره ومحبته ومحبة آل بيته وإحياء سنته بعد موته ونشرها والدعاء إليها وإماتة كل بدعة تخالفها، فمن أحيا سنة فقد أمات بدعة ومن أحيا بدعة فقد أمات سنة، قال – تعالى-: (وإن تطيعوه تهتدوا وقال أيضا: فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم) أهـ.

 

معاشر المسلمين والمسلمات:

وتكون النصيحة لأئمة المسلمين: وهم الحكّام والقادة، فالواجب طاعتهم في طاعة الله لا في معصية الله، فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وتذكيرهم بالحق والدعاء لهم بالخير، والصلاة خلفهم والجهاد تحت رايتهم، وإعانتهم على الحق، وعدم الخروج عليهم بالسيف وإن ظلموا، فإن الخروج فيه الفتنة الكبرى على الأمة. قال الإمام الطحاوي:\"ولا نرى الخروج على أئمتنا وولاة أمورنا وإن جاروا، ولا ندعوا عليهم ولا ننزع يداً من طاعتهم، ونرى طاعتهم من طاعة الله - عز وجل- فريضة، ما لم يأمروا بمعصية، وندعو لهم بالصلاح والمعافاة ولا نطيعهم في معصية، ولا نخرج عليهم بالسيف\" أهـ.

 

وروى مسلم في صحيحه عن حذيفة بن اليمان، قال: قلت: ((يا رسول الله إنا كنا بِشرّ فجاء الله بخير فنحن فيه، فهل من وراء هذا الخير شر؟ قال: نعم، قلت: هل وراء ذلك الشر خير؟ قال: نعم، قلت: فهل وراء ذلك الخير شر؟ قال: نعم، قلت: كيف؟ قال: يكون بعدي أئمة لا يهتدون بهداي ولا يستنون بسنتي وسيقوم فيهم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنس، قلت: كيف أصنع يا رسول الله إن أدركت ذلك؟ قال: تسمع وتطيع للأمير وإن ضُرب ظهرك، وأُخِذ مَالُك فاسمع وأطع)). ولا بد هنا أن نذكر كيف كان السلف الصالح ينصحون الحكّام وكيف كان الحكام يقبلون نصيحة العلماء.

 

دخل سليمان بن عبد الملك المدينة، فأقام بها ثلاثاً فقال: ما هاهنا رجل ممن أدرك أصحاب رسول الله  يحدثنا؟ فقيل له: هاهنا رجل يقال له أبو حازم، فبعث إليه، فجاء، فقال سليمان: يا أبا حازم ما هذا الجفاء؟ فقال له أبو حازم: وأي جفاء رأيت مني؟ فقال له: أتاني وجوه المدينة كلهم ولم تأتني؟ فقال: ما جرى بيني وبينك معرفة آتك عليها. قال: صدق الشيخ، يا أبا حازم: ما لنا نكره الموت؟ قال: لأنكم عمّرتم دنياكم وخربتم آخرتكم، فأنتم تكرهون أن تنتقلوا من العمران إلى الخراب، فقال: صدقت، يا أبا حازم فكيف القدوم على الله – تعالى-؟ قال: أما المحسن، فكالغائب يقدم على أهله فرحاً مسروراً، وأما المسيء فكالآبق يقدم على مولاه خائفاً محزوناً، فبكى سليمان وقال: ليت شعري ما لنا عند الله يا أبا حازم؟ فقال أبو حازم: اعرض نفسك على كتاب الله فإنك تعلم مالك عند الله، قال: يا أبا حازم: وكيف أصيب تلك المعرفة من كتاب الله؟ قال: عند قوله: إن الأبرار لفي نعيم  وإن الفجار لفي جحيم، قال: يا أبا حازم فأين رحمة الله؟ قال: قريب من المحسنين، قال: يا أبا حازم: من أعقل الناس؟ قال: من تعلم الحكمة وعلّمها الناس، قال: فمن أحمق الناس؟ قال من حطّ نفسه في هوى رجل ظالم فباع آخرته بدنيا غيره، قال: يا أبا حازم فما أنصح الدعاء؟ قال: دعاء المخبتين قال: فما أزكى الصدقة؟ قال: جهد المقلّ، قال: يا أبا حازم ما تقول فيما نحن فيه؟ قال: أعفني من هذا، قال سليمان: نصيحة تلقيها، قال أبو حازم: إن ناساً أخذوا هذا الأمر عنوة من غير مشاورة المسلمين ولا إجماع من رأيهم فسفكوا فيه الدماء على طلب الدنيا ثم ارتحلوا عنها فليت شعري ما قالوا؟ وما قيل لهم؟ فقال بعض جلسائهم: بئس ما قلت يا شيخ، فقال أبو حازم: كذبت إن الله أخذ ميثاق العلماء ليبينُنّه للناس ولا يكتمونه، قال: يا أبا حازم أدع لنا بخير فقال: اللهم إن كان سليمان وليّك فيسره للخير، وإن كان غير ذلك فخذ إلى الخير بناصيته. (أي اهده).

 

والنصيحة لعامة المسلمين (الأمة): قال الإمام النووي: \"إرشادهم لمصالحهم في آخرتهم ودنياهم، وكفّ الأذى عنهم، وتعليمهم ما يجهلونه من دينهم، وستر عوراتهم وسد خلاتهم ودفع المضار عنهم وجلبا لمنافع لهم وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر برفق وإخلاص، والشفقة عليهم وتوقير كبيرهم، ورحمة صغيرهم، وترك غشهم وحسدهم، وأن تحب لهم ما تحب لنفسك، وتكره لهم ما تكره لنفسك والذب عن أموالهم وأعراضهم بالقول والفعل، بل يصل إلى الأضرار بالنفس من أجل مصالحهم\".

والله تعالى أعلم،،،

 

 

أضف تعليق

هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع وهي وجهات نظر أصحابها

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply