ركائز قانون الطلب


 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

لا ريب أن لكل علمٍ, أصولاً لابد أن تُلتزَم، وقواعدَ حقيقٌ بأن تُراعى، هي بالنسبة لذلك العلم: بمنـزلة الجَذر للثمرة، فكلما كانت الثمرة أشد صلة بالجَذر: كانت أرسخ وأينعº  خلافاً ما لو لم يكن لها جَذر فإنها سرعان ما تصوح وتَذبل وتميل وتسقط. فالفقه مثلاً ينبني على قواعد تضبطه من خلالها تُعرَف الأَحكام الشرعية، وتُجمَع الفروع الفقهية، لولا هذه القواعد لبقيت الأحكام الفقهية مُشتَّتة قد تتعارض ظواهرها دون أصول تمسك بها. قل ذلك في: (قانون طلب العلم) ذلك أنه لما كان طريقاً يُسار عليه، ومنهاجاً يُقصَد: احتاج ـ ولابد ـ إلى قواعد تَحكمه، وركائز توضِّحه تجعل المرءَ يسير في طريقٍ, لاَحِب، ونحو سبيلٍ, سَهل.

 

 ومن ثَمَّ فهذا تقييد لمجمل (ركائز القانون) منظومة في محل واحد، لتُردَف بتفسير وتفصيل، وبرهنة وتدليلº لحظاً لحكمة التعليم، حيث إن \"الحكيم إذا أراد التعليم لابد له أن يجمع بين بيانين: إجمالي تتشوَّف إليه النفس، وتفصيلي تَسكن إليه\"(1). وعليه فإن تلك الركائز يمكن حصرها في ثلاث جامعةº إعمالاً لقاعدة:السَّبر والتقسيم، وأخذاً بتقريرات الأئمة في ذلك.

 

ركائز القانون:

 - الركيزة الأولى: آلة التحصيل، وهي الآلة التي بها تُحصَّل العلوم وتُكتسَب المعارف، مَن فقدها فأولى بِه أن يَفقد ما يَصدر عنهاº  إذ كيف يُحصِّل العلمَ مَن لا يملك آلته؟ وآلة التحصيـل هنا هي: العقل، فالعقل هو الذي يَعقل الأفكار، وفيه تستقر المعاني، \"والحق أنه نور روحاني به تُدرِك النفسُ العلوم الضرورية والنظرية\"(2).

 

 والعقل فيه قوتان:

- قوة الإدراك وصحة الفهم، وإن شئتَ فَسمِّها الذكاء والفطنة.

- وقوة الحفظ والضبط للمعلومات الذي يُؤمَن معها التفلٌّت.

 وهما كفرسي رِهان لا غُنية للمتعلم عنهما البتة، فمن رزقه الله قوة إدراك، وصحة فهم، وسيلان ذهن، ورسوخاً في الحفظ: كان ذلك دليل سعادته، وسرعة بلوغه إلى بُغيته. ومـتى انعدمت الآلة عنده أو ضَعُفَت: لم يَفُز من العلم بشيء، ولا ظَفَر منه بطائلº  ولو كانت الرغبة أكيدة، والهمة شديدة، وهذا ما أكَّده أبو هلال العسكري - رحمه الله -بقوله: \"فكم من راغبٍ, مجتهدٍ, في طلبه، لا يَحظى منه بطائل على طول تعبه، ومواصلة دأبه ونَصَبه! وذلك إذا نقص ذكاؤه، وكلَّ ذهنه، ونَبَت قريحته\"(3).

 

- الركيزة الثانية: الطريق الموصل، وهو الذي لولاه لن يصل المرء إلى مقصدهº  إذ كيف يَصل وقد أخطأ طريقه، وضَلَّ سبيله! وما أُراه إلا كالسفينة التي أخطأت البحر وحاولت السير على اليابسة! ومن المعلوم (إنّ السفينةَ لا تجري على اليَبَسِ) (4). وثَمَّت طريقان توصلان لطلب العلم، وقد جرت العادة عليهما (5):

 أولهما: الأخذ عن أهل العلم مشافهةº  لكونهم ينابيع العلم ومنارات الهدى، وما بَرِح النـاسُ ـ بعد انطواء عهدِ النبوة ـ في حاجةٍ, إلى من يُعَلِّمهم إذا جَهِلوا، ويُبَصِّرهم إذا ضلٌّوا، وقد جعل الله في كل عصرٍ, بقايا من أهل العلم يَدعون من ضلَّ إلى الهدى، ويُبَصِّرون بنور الله أهل العَمَى. ولست أنسى الكلمة العجيبة التي قالها عبد الله بن وهب ـ وهو من أنجب تلاميذ الإمـام مالك رحمهما الله ـ حيث حدَّث عنه هارون بن سعيد الأيلي فقال: سمِعتُ ابنَ وهبٍ, وذكَرَ اختلافَ الأحاديث والروايات، فقال: (لولا أني لَقِيتُ مالكاً لضَلَلَتُ)(6).

 

العِلـمُ بيـتٌ والمعلِّـمُ سُـلَّمٌ..... من أين تَرقَى البيتَ لولا المِصعَدُ

فاعرِف له حقاً فأنت به عَرَفتَ..... الحقَّ إذ غَصنُ الشبـيبَةِ أَمـلَدُ

 

وليس بخافٍ, على ذي لُب أنَّ الكتب وحدها لا تفيد الطالب منها شيئاً دون فتح العلماءº  إذ العالم هو تُرجمان الكتاب وشارحه، وهو القناة المباشرة التي توصل العلم إلى الطلاب، وهذا هو معنى قول من قال:\"كان العلم في صدور الرجال، ثم انتقل إلى الكتب، ومفاتحه بأيدي الرجال\".

 

 والثاني: مطالعة الكتب، فمهما أخذ الدارس عن الأشياخ وتلقَّى عنهم فإنه لابد وأنَّ يَضم إلى ذلك: المطالعة والقراءةº  لكن شريطة أن يفهم المتلقي اصطلاحات أهل ذلك الفن الذي أُلِّف فيه الكتاب.

 قال ابن الجوزي ـ يرحمه الله -ـ: \"وإني أُخبر عن حالي: ما أشبع من مطالعة الكتب، وإذا رأيتُ كتاباً لم أره فكأني وقعت على كنـز … ولو قلتُ: إني طالعت عشرين ألف مجلد كان أكثر، وأنا بعدُ في الطلب\"(7).

 

الركيزة الثالثة: العلم المراد اكتسابه، فمن رام علماً لَزِم أن يَعرف حقيقته وحدَّه، ثم يتعرَّف على ما يجب عليه معرفته وما لا يَسعُه جَهلُه حتى لا يَنشغل بفروض الكفاية قبل فروض الأعيان، ولا بالنوافل قبل الفرائض، كما أنه جديرٌ به أن يَعرِف أنواع العلم وأقسامهº  إذ العلوم منها ما هو علـوم غاية ومقصد، ومنها ما هو علوم آلة ووسيلةٍ, لولاها لم تُفهَم تلك العلوم.

هذا وبالله التوفيق

 

----------

(1) تضمين من\"المنثور في القواعد\"للزركشي (1/66).

(2) \"القاموس المحيط\"(باب اللام، فصل العين).

(3) \"الحث على طلب العلم\"(ص47) .

(4) من شعر أبي العتاهية.

(5) انظر:\"الموافقات\"للشاطبي (1/68).

(6) من:\"الانتقاء في فضائل الأئمة الثلاثة الفقهاء\"لابن عبد البر (ص 61).

(7) \"صيد الخاطر\"(ص557).

 

 

أضف تعليق

هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع وهي وجهات نظر أصحابها

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply