مفاهيم تهم الداعية المغترب ( 3 )


 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمد لله وحده..والصلاة والسلام على رسول الله.

أما بعد: فـقد تحدثنا في الحلقتين الماضيتين عن وحدة الكلمة، وعن مفهوم التعاون فيما اختلفنا فيه، واليوم نواصل الحديث عن فقه المرحلة.

فقه المرحلة

معنى المصطلح:

إن مصطلح فقه المرحلة ليس بدعاً من القول فالمراد بالفقه الفهم والفطنة لغة، والفهم لأحكام الشرع العلمية والعملية وهو المراد بالفقه في النصوص الشرعية.

وأما المرحلة فأصلها المسافة التي يقطعها الراحل المسافر بالإبل المحملة في يوم وليلة، ومعلوم أن ذلك يختلف باختلاف طبيعة المكان الذي يسير فيه فالمسافة التي يقطعها في السهل غير التي يقطعها في الجبال والهضاب- بنفس الزمن- كما أن لكل مرحلة ركوبها وفي صحيح مسلم أن رسول الله صلىالله عليه وسلم حين دفع من عرفات كان يسير العنق والعنق المشي برفق-فإذا وجد فجوة نص- أي سار سيراً شديداً-(1)والمراد بالمرحلة في المصطلح طبيعة الوضع الذي يعيشه الداعية في زمان أو مكان ما.

 

شرعية المصطلح: -

من المعلوم أن الدعاة إلى الله يقطعون المراحل المختلفة وكل مرحلة تحتاج إلى فقه خاص في حاجياتها وترتيب أولوياتها وطريقة السير ووسائله فلابد من إدراك أن ما لا يجوز في مرحلة قد يجوز في أخرى والعكس.

وقد دلت النصوص الشرعية على فقه المرحلة أي أنّ لكل مرحلة وضعاً خاصاً منح الشارع المكلف فيه مرونة في التعامل معه- فمن ذلك ما رواه أحمد والترمذي وأبو داود أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: نهى أن تقطع الأيدي في الغزاة (2). وقد كتب عمر -رضي الله عنه- إلى الناس أن لا يجلدن أمير جيش ولاسرية رجلاً من المسلمين حداً وهو غازٍ,، حتى يقطع الدرب قافلاً، لئلا تلحقه حمية الشيطان فيلحق بالكفار(3). ومع أن القطع من الحدود التي لا يتساهل الشارع في إقامتها لكن الظرف الذي تعيشه الجماعة المسلمة في الحرب فيه من الإشكالية ما جعل تأخير إقامة الحد خشية الفتنة واللحاق بالعدو أمراً مشروعاً، فأعطى الشارع المحارب حصانة فترة الحرب حتى تنتهي ويرجع إلى دار الاسلام.

ومما يدل على شرعية المصطلح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما رأى أبا دجانة يختال في مشيته بين الصفين يوم أحد قال إنها مشية يبغضها الله إلا في مثل هذا الموضع(4)، وهذا يدل على تقدير النبي - صلى الله عليه وسلم - لحساسية الموقف وأن للظروف الخاصة فقهها الخاص، وفي قصة قتل كعب بن الأشرف دلالة أخرى على شرعية المصطلح فقد روى البخاري ومسلم إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: من لكعب بن الأشرف فإنه آذى الله ورسوله، فقام محمد بن مسلمة فقال: يا رسول الله أتحب أن أقتله؟ قال: نعم قال: فأذن لي أن أقول شيئاً، قال: قـل

(5). قال الحافظ ابن حجر: وقد ظهر من سياق ابن سعد للقصة أنهم استأذنوا أن يشكوا منه أي من النبي - ويعيبوا رأيه ولهذا جاء في روايته أن محمد بن مسلمة قال لكعب: \" كان قدوم هذا الرجل علينا من البلاء، حاربتنا العرب ورمتنا عن قوس واحدة \"(6)ففي هذا الحديث دلالة واضحة على المرونة التي منحها الشارع الحكيم للمكلف عند التحرك الميداني، وقد سئل الشيخ ابن عثيمين- رحمه الله - أهي رخصة لمحمد بن مسلمة أم للمسلمين عامة؟ فأجاب بل هي رخصة لكل من يستطيع أن يحقق للإسلام مصلحة عظيمة(7). ومن الأدلة إقرار النبي - صلى الله عليه وسلم - لسلوك علي والزبير والمقداد - رضي الله عنهم - مع المرأة التي حملت كتاب حاطب بن أبي بلتعة - رضي الله عنه - إلى المشركين، حيث هددوها تهديداً جازماً بتجريدها من ملابسها إذا لم تخرج الكتاب(8)، مع أن ذلك كان بعد فرض الحجاب، والأصل أن أعراض

المسلمين مصونة بأصل الشرع ولكن الموقف يتيح التحرك بمساحة أوسع

والأدلة على شرعية فقه المرحلة كثيرة والمقال إشارات للداعية المغترب.

 

العمل بفقه المرحلة:

إذا تقررت شرعية المصطلح أدرك الداعية في أرض الغربة وغيرها أن الشارع الحكيم يمنحه من المرونة في العمل الميداني ما يجعله يقطع المراحل على بصيرة دون مصادمة للسنن الكونية أو الشرعية مدركاً الحرب الشرسة الدائرة على الإسلام بكل مذاهبه وتياراته(9).

فمثلاً من فقه المرحلة للداعية المغترب- ألاّ يستعدي الفرق والمذاهب المخالفة لأهل السنة في جزئيات أو كليات بل ولا يستعدي بعض الملل الكفرية التي تجمعه بها مصالح مشتركة في مواجهة من هو أكفر منها وهذا لا يعني إقرارها، بل تُربى الأجيال على الطريق القويم والصراط المستقيم وعدم الخلط بين تحقيق مبدأ الولاء والبراء ومراعاة الحال زماناً ومكاناً ودرء المفاسد الكبرى، وبينهما خيطٌ رفيع يوفق إليه من سلمت فطرته وفقه دينه، وإنما أعني عدم الاستفزاز والمواجهة- فهذا شيخ الإسلام سكت عن أهل البدع زمن حرب التتار وهو من هو غيرة على الإسلام والمسلمين، بل هذا القرآن الكريم يقر فرح المؤمنين بانتصار الروم على الفرس ويسميه نصر الله كما في سورة الروم(10)

ومن فقه المرحلة للداعية المغترب- الاستفادة من القوانين الجاهلية لحماية الدعوة فقد استفاد من حماية عمه أبي طالب له، ودخل في جوار المطعم بن عدي وهو كافر،

ومن فقه المرحلة أيضاً- في بعض الظروف- قبول قيادة الناصحين للإسلام وإن كانوا على بدعه- ما لم تكن مكفرة- وقد قاتل كثير من السلف تحت قيادة من كان معروفاً ببدعة، وهذا يختلف باختلاف المرحلة التي يعيشها الداعية، فما يسعه في مرحلة قد لا يسع غيره.

وإدراك فقه المرحلة يذهب العتب بين الدعاة أفراداً وجماعات، ويُوجد التعاذر والتغافر.

ولا يُشكل على ما تقرر أن الدين قد اكتمل، فإن فقه المرحلة من كمال الدين وتمام النعمة.

 

الكلمة لمن:

إن المرونة التي منحها الشارع الحكيم للداعية عند التحرك الميداني ليست مرسلة لكل من آنس من نفسه اشتغالاً بالدعوة إلى الله فالأمر بالغ الخطورة، حيث إن فيه موازنة وفقه، وفيه حلال وحرام وليس حكماً واحداً على حال ثابتة، فالكلمة فيه لأهل العلم المدركين طبيعة التحرك الميداني.

وأخيراً:

وأنت في أرض الغربة اعلم أنه قد سبقك إلى الميدان كثير من الدعاة والمصلحين أسسوا المراكز الإسلامية وقعّدوا للعمل الدعوي، منهم من هو من أهل فقه المرحلة فاجتهد أن تبني فوق بناء من سبق.

أسأل الله أن يلهمنا جميعاً الرشد والسداد

والله يرعانا ويرعاك

 

----------------------------------------

(1) - صحيح مسلم كتاب الحج باب 47/حديث رقم 283

(2) - أحمد حديث 1969وأبو داود كتاب الحدود 2/441 والترمذي حديث رقم 1450والحديث وإن كان فيه مقال فإن إجماع الصحابة على ذلك يقويه وقد نقل إجماعهم ابن قدامة في المغني 13/173

(3) - عبد الرزاق في المصنف 5/197

(4) - الطبراني6/109

(5) - البخاري كتاب المغازي /باب قتل محمد بن مسلمة، ومسلم كتاب الجهاد والسير باب قتل كعب بن الاشرف حديث رقم1801

(6) - انظر فتح الباري 7/338

(7) - راجع شرح الشيخ أبن عثيمين- رحمه الله -لصحيح مسلم في كتاب الجهاد والسير/باب قتل كعب بن الأشرف

(8) - البخاري/كتاب المغازي- باب غزوة الفتح وما بعث به حاطب بن أبي بلتعة حيث رقم42743

(9) - عدا تلك المذاهب الباطنية التي تعد طابوراً خامساً لأعداء الله، كالقاديانية والبهائية ونحوها.

(10) - الآيات 1-5 من سورة الروم.

 

 

أضف تعليق

هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع وهي وجهات نظر أصحابها

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply