مفاهيم تهم الداعية المغترب ( 2 )


 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

مما لا يخفى أن التشرذم الذي أصبح ظاهرة بين أهل الدعوة إلى الله وأبناء الصحوة الإسلامية، أفراد وتنظيمات ومراكز جعل قاعدة (نتعاون فيما اتفقنا عليه ويعذر بعضنا بعضاً فيما اختلفنا فيه) ـ مما يسوغ فيه الاختلاف ـ حلماً لرجال الإصلاح وحاملي راية لم الشمل وجمع الكلمة.

ولكن عند التأمل في النصوص والقواعد الشرعية وسيرة السلف الصالح نجد أنه يسعنا أكثر من هذه القاعدة فالخلافات التي تعصف بالصف الإسلامي على قسمين:

1-ما يسع الجميع أن يعمل كل بما يراه راجحاً ولا يكون العمل به مؤثراً على وحدة الصف فقد اختلف أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومن بعدهم في كثير من المسائل وعمل كل بما يراه راجحاً من غير إنكار بعد المناصحة وبيان كل وجهة نظره ـ مع الإبقاء على وحدة الصف والائتلاف وهذا أمر متقرر، سبق ذكره في الحلقة الأولى.

2-ما لا يسع الجميع العمل كل بما يراه راجحاً حيث لو عمل كل بما يراه لتشتت الصف وتفرقت الكلمة وضعفت القوة وهذا القسم هو الذي تدل النصوص الشرعية وعمل السلف الصالح على وجوب النزول على رأي واحد من الناحية العملية مع احتفاظ كل بما يراه من الناحية العلمية حيث لا يجوز للإنسان أن يعتقد خلاف ما يراه صواباً شرعاً ولكن يسعه العمل بخلاف ما يراه، بل قد يجب عليه تحقيقاً لمصلحة أعظم كاجتماع الكلمة ووحدة الصف(1)

وقد دلت النصوص الشرعية وفعل السلف على ذلك قال الله - تعالى -: (ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن)الله مع الصابرين (2)

ففي الآية إشارة إلى أن عدم التنازع يلزم لتحقيقه الصبر على قبول ما لا يراه المرء راجحاً أو صواباً وهذا من أسرار ختم الآية بالوصية بالصبر وقد أشار إلى هذا المعنى القاسمي والطاهر بن عاشور عند تفسير هذه الآية (3)

وهذا هو أيضا مدلول التطاوع في وصية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لمعاذ بن جبل وأبي موسى حين بعثهما إلى اليمن فقال: \" بشروا ولا تنفروا ويسروا ولا تعسروا، وتطاوعا ولا تختلفا \" (4)

ووجه الاستشهاد هنا قوله - صلى الله عليه وسلم -: \" تطاوعا ولا تختلفا \"، فالأمر فيها واضح، والنصيحة محددة، وهي تعني أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - يقدر ـ مسبقاً ـ أن مبررات الخلاف بين الاثنين موجودة، وأن تباين وجهات الرأي والتفكير والنظر واقعة لا محالة، وإلا لما كان هناك معنى للنصيحة أصلاً.

ومن ثم، فقد وجه النبي - صلى الله عليه وسلم - نصيحته إلى صاحبيه بالتطاوع، ونهاهما عن الاختلاف، والنهي ـ بطبيعة الحال ـ ليس متوجهاً إلى حقيقة الشيء، وإنما هو متوجه إلى ناتجه ومآله، بمعنى أنه لا يعني نهيهما عن أن يكون لكل منهما رأيه، ووجهة نظره في القضية المطروحة، لأن ذلك معناه إيقاف التفكير أصلاً، وهو باطل واضح، فيبقى أن أمره - صلى الله عليه وسلم - يعني ألا يؤدي ذلك التباين \" الفكري\" إلى افتراق (الموقف العملي)، بمعنى آخر، إذا كان من حق كل منهما أن يكون له رأيه وترجيحاته وموقفه نظرياً، فإن من حق \" واقع المسلمين \" أن يتعامل مع رأي واحد، وموقف واحد عملياً.

ومن هنا كان مفتاح الحل لهذه الأمور المحتملة المحددة، في النصيحة النبوية \" تطاوعاً \" بمعنى ألا يصرّ كل منهما على رأيه، ويتعنت فيه، ويصعد الخلاف حوله، وإنما يتساهل فيه، ليقدم وحدة \" العمل \" على \" اختلاف \" الرأي (5).

ومن الأدلة على تقرير هذا المعنى قوله - صلى الله عليه وسلم -: \" إقرأوا القرآن ما ائتلفت عليه قلوبكم فإذا اختلفتم فقوموا \"(6)

حيث أرشدهم إلى ترك القراءة مع ما فيها من الفضل وليس في الترك فضل إلا أن مصلحة الاجتماع وائتلاف القلوب ووحدة الصف جعلت الترك راجحاً.

وقد فطن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لهذا المعنى ـ العمل بالمرجوح مع وجود الراجح تحقيقاً لمبدأ الاجتماع ـ فقد روى أبو داود أن عثمان - رضي الله عنه - لما أتم الصلاة في منى أتم معه صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مع عدم اقتناعهم بما فعل ولما سُئل ابن مسعود كيف تتم أربعاً وأنت تنكر عليه قال: الخلاف شر (7)

ولا زال عمل السلف على هذا يقول شيخ الإسلام ابن تيميه: \" ويستحب للرجل أن يقصد إلى تأليف القلوب بترك المستحبات لأن مصلحة التأليف في الدين أعظم من مصلحة فعلها ـ المستحبات ـ كما ترك النبي - صلى الله عليه وسلم - تغيير بناء البيت لما في إبقائه من تأليف القلوب \"(8)

فإذا كان هذا لتأليف القلوب فهو من باب أولى وأوجب فيما إذا كان العمل بالراجح سيؤدي إلى تشتيت الصف وضعف القوة ولا زال الراسخون في العلم يقررون هذا المعنى يقول الشيخ ابن عثيمين - رحمه الله - في مسألة ثبوت شهر رمضان إن الناس فيه تبع للإمام وإن اختلفت مطالعهم جمعاً للكلمة وتوحيداً للصف، في حين يقرر في نفس الموضع أن الراجح علمياً أن ثبوت الشهر يختلف باختلاف المطالع (9)

كما أن القاعدة عند العلماء أنه إذا تزاحمت المصالح قدم الأعظم منهما (10) ولا شك أن مصلحة اجتماع الكلمة ووحدة الصف أعظم من العمل برأي مرجوح ـ فيما يسوغ فيه الاجتهاد ـ0

إن عدم فقه هذا المعنى هو الذي شرذم العمل الإسلامي حتى إنك لترى جماعات ومراكز تشتت جهودها وتفرقت راياتها وضعفت قوتها بسبب الموقف من قضية اجتهادية وكان يسعها أن تعمل معاً فتحقق النصر أو تعمل بأسبابه

فمتى يدرك الدعاة والتجمعات الإسلامية هذا المعنى ناهيك عما يقتضيه فقه المرحلة (11) مما هو أوسع من العمل بهذا وأشمل.

اللهم ألهمنا رشدنا واهدنا سبل السلام وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

 

-------------------------------------

(1) نظرات في منهج العمل الإسلامي (جعفر الشيخ إدريس ص: 74).

(2) - الأنفال 46.

(3) انظر محاسن التأويل 8/71 والتحرير والتنوير 10/32 .

(4)مسلم كتاب الجهاد و السير رقم [1733].

(5)انظر فقه الاختلاف (جما ل سلطا ن ص: 22).

(6) البخاري / كتاب اعتصام بالكتاب والسنة / باب كراهية الاختلاف حديث رقم 7364.

(7) أبو داود 1958 وصححه الألباني صحيح أبي داود 1726 وأصل الحديث في البخاري.

(8)الفتاوى 22/405.

(9) انظر الممتع شرح زاد المستقنع 6/320-322.

(10) الموافقات 4/105-106.

(11) وسيكون موضوع الحلقة الثالثة من مفاهيم تهم المغترب إن شاء الله - تعالى -.

 

أضف تعليق

هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع وهي وجهات نظر أصحابها

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply