الإطاحة بعلم الكلام


بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد: 

 

 يبحث علم الكلام في الأدلة اليقينية المتعلقة بالعقائد الإسلامية، وهذه الأدلة مبناها العقل المستند إلى المنطق أساساً، وقد يأخذون بما تدل عليه النصوص القطعية فقط وفقاً لمعاييرهم. ويُعرف هذا العلم أيضاً بعلم التوحيد وعلم العقائد وعلم أصول الدين، لأنه يركز على الدلائل القطعية ولا يأخذ بغيرها، فهو يرد أحاديث الآحاد مثلاً لأنها ظنية الثبوت وفقاً لهذا العلم. وقد سُمي بعلم الكلام لأن المشتغلين به صنعتهم الكلام والجدل، أو لأن أعظم مسائله التي جرى عليها الخلاف كانت صفة الكلام لله -تعالى-.

أدى علم الكلام إلى انقسام المسلمين عقائدياً إلى فرق شتى، منها الجهمية والمعتزلة والماتريدية والأشاعرة والاباضية والامامية والزيدية وغيرهم كثير. ووقف أئمة السلف وعلماؤهم في وجه هذه الفرق وشنّعوا عليهم وفنّدوا أقوالهم بالعقل والنقل، وطالبوهم بالكف عن ذلك والرجوع إلى النبع الصافي نصوص القرآن والسنة. والمتتبع لهذه الفرق يرى أن الاختلاف بينها هو في فروع العقائد وليس في أساسها المتفق عليه بين الجميع. فتراهم اختلفوا في صفات الله وأين يوجد، وفي القضاء والقدر ومعنى ذلك، وهل الإنسان مسير أم مخير، وفي معنى الإيمان وهل الأعمال منه، واختلفوا في طريق الإيمان هل هو واجب بالعقل أم لا، إلى غير ذلك من الاختلافات الفرعية. وقد اندثرت كثير من هذه الفرق وبقي بعضها إلى عصرنا الحاضر.

 

طريقة علم الكلام:

يستند علم الكلام في أدلته وبراهينه على علم المنطق بشكل أساسي، فهو يقرر مسلمات معينة ثم ينطلق منها في إقامة البراهين من خلال مقدمات معينة. ولهذا العلم مصطلحاته الخاصة التي تحجَّر عليها أتباعه إما بسبب عدم وضوحها، أو لرغبتهم في عدم مخالفة أسلافهم والاحتفاظ باستقلالية هذا العلم. فالجوهر الفرد مثلاً هو الجزء الذي لا يتجزأ وتتكون منه الجواهر أي الأجسام أو المواد بلغة عصرنا. ولا يستطيع المعاصرون أن يقرروا هل هو الذرة مثلاً أو الجزيء أو الإلكترون أو غير ذلك. فهم يقولون بأنه اصغر جزء يمكن تخيله وهو متحيز لكن ليس له مكان. وربما كان هذا ينطبق على الإلكترون الذي يتحرك بشكل موجي وليس له مكان محدد بالضبط، لا ندري!.

 

الضربات التي تلقاها علم الكلام:

لاقى علم الكلام مواجهة عنيفة من أئمة السلف وعلمائهم، أدت أحياناً إلى تقوية العلم وزيادة تمسك اتباعه به. لكنه تلقى ضربتين موجعتين جداً كان لهما الأثر البالغ في صرف الناس عنه أو ضعف مواقفه. وتأتي أهمية هاتين الضربتين من كونها أثَّرتا في اصل هذا العلم والأساس الذي يقوم عليه وهو المنطق والعقل بمفهوم هذا العلم.

الضربة الأولى كانت على يد شيخ الإسلام ابن تيمية الذي عمد إلى نقض المنطق ونسفه من أساسه، وبيان انه لا فائدة ترجى منه، وانه لم يأخذ به علماء الأمة المعتبرين في أصول الفقه. كما انه رد عليهم على نفس الصعيد في كتابه العظيم درء تعارض العقل والنقل والذي جمع فيه آراء الأولين والآخرين، ولم يصدر عليه رد معتبر إلى الآن. إلا أن ابن تيمية -رحمه الله- قد بدا وكأنه يسلم لهم اعتبار أفكارهم صادرة من العقل وذلك لأنه ناقشهم بنفس الأسلوب، هذا على الرغم من أنه يرى أن العقل هو الغريزة أو العلوم المستفادة للتمييز بين الخير والشر. وعلى الرغم من ذلك فقد شنع عليهم اعتبار القواطع العقلية في زعمهم هي الأساس، فقد نقض ذلك ونقده نقداً شديداً معتبراً أن القول بان السمع ليس قطعياً دونه خرط القتاد.

أما الضربة الثانية فكانت على يد الشيخ تقي الدين النبهاني من المعاصرين، والذي اعتبر أفكار علم الكلام بأنها غير عقلية مطلقاً لان العقل لا يمكن أن يعمل في المغيبات، هذا بالإضافة إلى موافقته ابن تيمية اعتبار المنطق أسلوباً عقيماً غير منتج أبداً ويجب تركه. وهذا الضربة كسابقتها هي في صميم علم الكلام لأنها نسفت الأصل العقلي الذي يقيمون عليه أفكارهم، وكادت أن تقضي عليه لولا أن فكر النبهاني -رحمه الله- لم ينتشر بشكل واسع بسبب اشتغاله بالسياسة، وعدم قيام أتباعه بنشر فكره وشرحه، هذا بالإضافة إلى التزامه بأصول كلامية لقيت معارضة شديدة. منها وجوب الإيمان عن طريق العقل فقط، واقتصار الإيمان على التصديق الجازم الذي يقتضي العمل، وتحريم الأخذ بأخبار الآحاد في العقائد، ورأيه الغريب في القضاء والقدر الذي اعتبره ركناً من أركان الإيمان على الرغم من عدم ورود دليل عليه من الكتاب والسنة سوى أن معناه ثابت. فقد اعتبر أن القضاء والقدر هو أفعال الإنسان التي تَحدُث جبراً عنه، والخاصيات التي يُحدثها هو في الأشياء، وهذه كلها ليست من الإنسان، وانه مخير في أفعاله الاختيارية الأخرى. هذا بالإضافة إلى عدم رواج تعريف العقل الذي قال به ولم يجد قبولاً واسعاً عند الناس، ربما لعدم وضوحه أو انطباقه.

 

هل نحن في حاجة إلى علم الكلام؟

تكشفت في عصرنا الحاضر الكثير من الحقائق العلمية، وظهرت معارف جديدة متنوعة، مما جعل الحاجة ماسة إلى مواجهة هذا الكم الهائل من المعلومات والنظريات بطريقة تخدم الدين بشكل فعال ومنتج. ولا بد من الاعتراف بان هذا لا سبيل إليه إلا بالتفكير الصحيح المنتج، ولا يكون أبداً عن طريق المنطق ولا أساليب علم الكلام، لأنه لا قِبَل لها بهذا الكم المتزايد من المعلومات. ومن اجل خدمة الدين والمساعدة على نشره بشكل واعي فلا بد لنا إما أن نلغي علم الكلام، أو أن نجري عليه تعديلات جوهرية في الشكل والمضمون. إذ صار من المناسب أن يُطلق عليه علم العقائد لأنه في حاجة إلى مواجهة نظريات فلسفية وعملية جديدة، وصار في حاجة إلى استخدام طرق وأساليب جديدة تناسب العصر وتخاطبه بلغته التي يفهمها. ولهذا فإني أرى ما يلي:

-       إلغاء المنطق أو جعله جزءاً من علم العقائد لمن تهواه نفسه ويميل إليه تفكيره. فالمنطق نظام مغلق غير منتج، والإبقاء عليه يعني الإبقاء على علم العقائد نظاماً مغلقاً إلى ابد الآبدين. كما أن المنطق عالة على الفكر الصحيح، وقد رفضه أحفاد اليونان الغربيين أنفسهم فمنهم من اعتبره وُلد ميتاً، ومنهم من اعتبره ولد كاملاً ولم يتقدم خطوة إلى الإمام، ومنهم من اعتبره من موضوعات البلاغة، بل قد عده بعضهم صنماً يحرف عن التفكير الصحيح.

-       إعادة النظر في مفهوم العقل، لا سيما على ضوء ما استجد من حقائق علمية عن التفكير وتركيبة الدماغ. وقد بيَّنتُ في أكثر من مقالة أن الفكر الإسلامي مصدر رحب لذلك، وان رؤيته لمعنى العقل رؤية ليس لها مثيل، وهذا ما جعلني أقرر مثلاً بان المقصود بنقصان عقل المرأة ليس هو ما درج عليه الناس على مر العصور من انه نقص في قدراتها العقلية، بل الموضوع أوسع من ذلك وأعمق. وقد يكون الانطلاق من تعريف النبهاني مفيداً جداً لان العقل لا يمكنه التفكير في المغيبات، وإذا فعل فلا سبيل إليه إلا من خلال المحسوس. وأفكار علم الكلام تخالف ذلك بشكل صريح، من هنا لا نستبعد أن تكون أفكاره بعيدة عن الواقع.

-       وهذا يقودنا إلى ضرورة التركيز على القرآن الكريم والسنة المطهرة بما فيهما من مظاهر الإعجاز الفكري والعلمي. غير أن الإعجاز الفكري هو اقرب إلى حضارة الأمة وفكرها من الإعجاز العلمي الذي يُعتبر عالة على ما ينتجه الغرب فقط، وحتى لو أجرى علماء المسلمين أبحاثاً فلن تمر دون موافقة الغرب لها. أما الإعجاز الفكري فينطلق من فهمنا للقرآن والسنة والفكر الإسلامي وبما استجد من حقائق بشكل جزئي نستأنس به على ما عندنا.

-       ضرورة جعل نصوص القرآن والسنة هي المعتمد والمرجع لا ما نتوصل إليه بالعقل المستند إلى المنطق، لان هذا الأخير يحتاج إلى مرجعية تصححه، ومَن غير القرآن والسنة يكون مرجعاً يُفتخر به!.

-       عدم تقييد الناس بالإيمان عن طريق العقل، فواقع العقائد الإسلامية انه يمكن تقبلها وعشقها بمجرد معرفتها والتعايش معها. فليعتنقها من شاء بالطريقة التي يشاء، سواء كانت بالعقل أو بغيره.

-       أن يجتمع أصحاب المذاهب العقائدية الإسلامية على كلمة سواء بينهم فهم أولى بها، وان يتجادلوا بالتي هي أحسن، وان يحتكموا إلى الكتاب والسنة من اجل كشف الحقائق بموضوعية. وليس لهم إلا التفكير المتوازي المتعاون فهو السبيل إلى كشف الحقائق التي تخدم الدين والمسلمين وتجمع الكلمة.

-       الاعتماد على الواقع في التفكير بدلاً من الخوض في فرضيات وتخيلات لا أساس لها. فالذين يقولون مثلاً أن الله لا داخل العالم ولا خارجه، يمكن أن يقال لهم وهو في العالم وخارجه معاً، أو مرة هنا ومرة هناك، أو في أي منها بشكل لا نتصوره. على أن هذا القول النظري ترد عليه إشكاليات منها أين الله قبل خلق العالم، هل كان أيضا لا داخل العالم ولا خارجه؟ وهذا القول هو باعتبار العالم فقط. كذلك من يقول أن الله لا تحده حدود، فبعد خلقه العالم ماذا حصل لهذا الواقع؟. كذلك القول بأنه قديم هو باعتبار العالم، فهل الحكم مستمر قبل ذلك، والنسبة لا تكون إلا إليه؟ والمقصود أن التفكير في المغيبات ترد عليه إشكاليات كثيرة تبدو متناقضة يهدم بعضها بعضاً لأنها تفتقر إلى المرجعية. لهذا ليس من طريق سليم إلا الالتزام بنصوص الكتاب والسنة والعض عليها بالنواجذ.

-       التوقف عن السب والشتم والتجهيل فهذا من أمارات نقصان العقل!.

 

وصلى الله وسلم على نبينا محمد والحمد لله رب العالمين

أضف تعليق

هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع وهي وجهات نظر أصحابها

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply