التميز والمفاصلة بين المجتمع المسلم والمجتمع الجاهلي ( 1 )


 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

أ - معنى \"التميز\" و \"المفاصلة\":

لما أهبط الله - تبارك وتعالى - آدم - عليه السلام - من الجنة كان آدم حنيفاً مائلاً عن الشرك إلى التوحيد على ملة صحيحة.

 

وعلم آدم أبناءه هذا من بعده فكانوا أمة واحدة على التوحيد كما قال - تعالى -: [كان الناس أمة واحدة][البقرة: 213]. أي: على شريعة من الحق - كما رواه ابن جرير بإسناده عن ابن عباس - رضي الله عنهما - وعن قتادة قال: كانوا على الهدى جميعاً.

 

وهذا هو الحق الذي لاشك فيه، وقد ساق ابن كثير - رحمه الله - القول الآخر عن ابن عباس أنـهم كانوا أمة واحدة على الكفر ثم قال: \"والقول الأول عن ابن عباس أصح سنداً ومعنى لأن الناس كانوا على ملة آدم - عليه السلام - حتى عبدوا الأصنام\"[1].

 

واستمر الناس على التوحيد ما شاء الله ثم طرأ عليهم الاختلاف والانحراف، قال - تعالى -: [وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا][يونس: 19]. وعند ذلك أرسل الله - تعالى - الرسل مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل، وبمجيء الرسل تميز الناس - على علم - إلى فريقين: مؤمن وكافر. قال - تعالى -: [ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جاءتـهم البينات ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر][البقرة: 253]، وقال - تعالى -: [ولقد أرسلنا إلى ثمود صالحاً أن اعبدوا الله فإذا هم فريقان يختصمون][النمل: 45].

 

وبذلك انقسم القوم إلى فريقين: فريق مسلم، وفريق كافر.

 

وبين هذين الفريقين - أو هاتين الجماعتين - من الاختلاف في العقيدة والسلوك والمنهج والهدف مثل ما بين النور والظلمة، والبصر والعمى، والحياة والموت.

 

فلا لقاء بينهما في منهج ولا طريق مادام كل منهما متمسكاً بما لديه.

 

كم أب حارب في الله ابنه   وأخ حارب في الله أخاه

 

لقد كانت العقيدة في الله مفترق طريق يتفاصل عنده أقرب الناس.. ولقد حفل تاريخ الدعوة الإسلامية - منذ أقدم العصور - بنماذج كثيرة من مفارقة الأهل والأقارب ومباغضة الخلان في ذات الله - عز وجل -.

 

ولقد كانت حرارة الإيمان في النفوس تدفع المؤمنين دفعاً إلى التميز بعقيدتـهم، ومعاملة الناس بحسب قربـهم من هذه العقيدة أو بعدهم عنها.

 

وما قصة نوح ولوط مع زوجتيهما، وقصة إبراهيم مع أبيه، وقصة نوح مع ابنه، وقصة امرأة فرعون مع زوجها، وقصة محمد - صلى الله عليه وسلم - مع أعمامه الكافرين.. إلا معالم على هذا الطريق اللاحب الطويل.

 

والذي لا يشك فيه أن مفارقة الأهل والخلان، والأقارب والأوطان.. أمر شاق على النفوس، وحسبك دلالة على هذا قوله - تعالى -: [ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم ][النساء: 66]. ولذلك تميل النفوس عند ضعف الإيمان وغلبة الهوى وحب العاجل إلى المهادنة والموادعة والمخالطة، ويضعف فيها إحساس التميز والاستعلاء بـهذه العقيدة، فتكون الفتنة والفساد الكبير.

 

ولذلك أكد الرسول الخاتم - صلى الله عليه وسلم - معنى انفصال المؤمنين عن الكافرين انفصالاً تاماً لا تشابه فيه بين طريق وطريق، ولا بين منهج ومنهج. ويتمثل هذا التأكيد في عقد الولاية بين المؤمنين والمؤمنين وبين الكافرين والكافرين، ومنع أولئك من موالاة هؤلاء، وتحريم كل عمل يدخل في معنى الموالاة.

 

كما يتمثل في فضح سرائر الكافرين وما تخفي صدورهم على المؤمنين من العداوة والبغضاء والحقد وتمني زوال النعمة عنهم، وهذا المعنى الذي تكرر وورد في القرآن الكريم كثيراً هو ما نعنيه بكلمة \"المفاصلة\" و \"التميز\".

 

ولاشك أن هذين الاصطلاحين لم يردا بـهذا اللفظ لهذا المعنى في القرآن الكريم ولا في السنة النبوية، ولكن معناهما المقصود ثابت كما بينا. ولسنا نرى حرجاً في استعمال هذين الاصطلاحين أو غيرهما مما يرادفهما في المعنى سواء ورد أو لم يرد فقد استعمل السلف رضوان الله عليهم كثيراً من الاصطلاحات التي لم ترد في القرآن ولا في السنة طلباً للاختصار وجمع المعاني المتعددة في اللفظ الواحد.

 

ومن ذلك لفظ \"العقيدة\" مع أنه يعبر عن أخطر موضوع في الإسلام. كما أن هذه الاصطلاحات التي نستعملها ليست منقولة عن مذاهب أو نظريات أخرى حتى نقول إننا إذا نقلناها لا نأمن أن ينتقل معها أثر أو ظل من استعمالها الأصلي. لهذا وذاك نقول: إنه ليس ثمة مانع من استعمال هذه الاصطلاحات.

 

ب الأصل اللغوي:

المفاصلة والتميز والتزيل والاعتزال والمباينة كلها ألفاظ متقاربة. وقد ورد استعمال بعضها في القرآن الكريم وفي السنة لنفس المعنى الذي نريده[2]. كلفظ التـزيل والاعتزال والافتراق. فالفصل هو تمييز الشيء عن الشيء، وإبانته عنه حتى يكون بينهما فرجة[3] وهو كذلك الحاجز بين الشيئين. و (فاصل فلان شريكه) أي: باينه[4] وفصل القوم عن مكان كذا: أي: فارقوه[5]، قال - تعالى -: [ولما فصلت العير قال أبوهم إني لأجد ريح يوسف لولا أن تفندون][يوسف: 94].

 

والتمييز والتميز والميز هو الفصل بين المتشابـهات ومثله: انماز وامتاز كما قال - تعالى -: [وامتازوا اليوم أيها المجرمون][يس: 59] [6].

 

وامتاز القوم أي: تميز بعضهم من بعض [7]. وتميز كذا. أي: انفصل وانقطع[8]. ومازه: عزله وفرزه.. والشيء: فصل بعضه عن بعض، واستماز فلان: انتقل من مكان إلى مكان[9]. وتمايز القوم: تفرقوا[10].

 

والتزيل من زال الشيء يزول زوالاً: فارق طريقته.. والزوال يقال في شيء كان ثابتاً من قبل. ومعنى: زوال الشمس لاعتقادهم أن لها ثباتاً في كبد السماء عند الظهيرة[11].

 

ومنه: تزيل القوم: أي زال بعضهم من بعض وتفرقوا. قال - تعالى -: [فزيلنا بينهم][يونس: 28][12]، وقال: [لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذاباً أليماً ] [الفتح: 25][13]. ومنه الزيال كما في حديث لقيط بن عامر بن المنتفق - الطويل - أنه قال: علام أبايعك؟ قال: فبسط النبي - صلى الله عليه وسلم - يده وقال: على إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وزيال المشرك، وألا تشرك بالله إلهاً غيره.. \"[14].

 

والاعتزال: من عزل الشيء يعزله إذا نحاه جانباً، و: تعازل القوم أي: انعزل بعضهم عن بعض. والعزلة - بضم العين - هي الاعتزال[15].

 

ومنه يقال: مالي أراك في معزل من أصحابك؟ وأنا بمعزل من هذا الأمر، واعتزلت الباطل وتعزلته، وأراك أعزل عن الخير[16].

 

فالاعتزال إذن - كما قال الراغب -: \" تجنب الشيء عمالة كانت أو براءة أو غيرهما بالبدن كان ذلك أو بالقلب\"[17].

 

قال - تعالى -: [وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون إلا الله فأووا إلى الكهف ينشر لكم ربكم من رحمته ويهيء لكم من أمركم مرفقا][الكهف: 16][18].

 

وقال: [فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم وألقوا إليكم السلم فما جعل الله لكم عليهم سبيلاً][النساء: 90]. وقال: [وأعتزلكم وما تدعون من دون الله][مريم: 48]، ويلاحظ أن لفظ \"الاعتزال\" ورد في القرآن الكريم بالمعنى نفسه كما في قصة إبراهيم وأصحاب الكهف.

 

والمباينة: هي المفارقة. يقال: بانوا بيناً وبينونة: أي فارقوا. وبان الشيء إذا انقطع. وبانت المرأة عن الرجل فهي بائن، أي: انفصلت عنه بالطلاق، وتباين الرجلان: تـهاجرا[19].

 

والمفارقة: هي المفاصلة: يقال: فرقت بين الشيئين: فصلت بينهما سواء بفصل يدركه البصر أو تدركه البصيرة[20].

 

قال - تعالى -: [فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين][المائدة: 25] أي: افصل. والفراق والمفارقة تكون بالأبدان أكثر[21]، قال - تعالى -: [قال هذا فراق بيني وبينك][الكهف: 78]. والفريق: هم الجماعة المتفرقة عن آخرين.

 

والمقاطعة: من انقطع وهو فصل الشيء سواء كان قطعاً حسياً أو قطعاً معقولاً معنوياً. فمن الأول قطع الأعضاء. ومن الثاني قطع الرحم، والقطيع من ا لغنم مفرد: قطعان وهي الفرقة[22].

 

وبـهذا العرض اللغوي يتضح لنا أمران:

 

الأول: أن هذه الألفاظ مترادفة، ودلالتها على المعنى المراد واحدة.

 

الثاني: أنـها تشمل الأمور الحسية والمعنوية سواءً من حيث استعمالها اللغوي، أو من حيث المقصود الشرعي، وعلى هذا فلا مجال للقول بأنـها اصطلاحات مستحدثة لم ينص عليها قرآن ولا سنة.

 

الحقائق والدوافع الواقعية والشرعية التي يبنى عليها التميز:

 

المفاصلة مفاعلة من جانبين، هما التجمع الإسلامي والبيئة الجاهلية في أول الأمر، ثم المجتمع الإسلامي والمجتمع الجاهلي بعد ذلك. وهي تعني أن ينفصل كل من الطرفين عن الآخر انفصالاً تاماً لا لقاء معه في منهج ولا طريق. وهي تحصل عمداً من جانب المؤمنين، كما أنـها تحصل كذلك من جانب الضالين.

 

وإذا كان صدورها عن المؤمنين أمر تمليه عليه عقيدتـهم وإيمانـهم كما سيتضح بعد قليل إن شاء الله فما هي الدوافع التي يمكن أن تحدو بالكافرين أو الضالين إلى سلوك مثل هذه السبيل؟!.

 

ما هي الدوافع التي تدفع الحزب الفلاني أو الحكومة الفلانية أو المجتمع الفلاني إلى مقاطعة المؤمنين ومنابذتـهم والتضييق عليهم في أنفاسهم وأقواتـهم؟!

 

إن المفاصلة وما يترتب عليها من حرب لا هوادة فيها.. حرب في العقيدة، وحرب في الرزق والقوت، وحرب في الأهل والولد، وحرب في المستقبل.. إن هذه المفاصلة لا تصدر عن عقيدة حقة يتحمس لها الكفارº فهم في الحقيقة أبعد الناس عن صدق العقيدة ووضوحها وتأثيرها.

 

إن هذه المفاصلة لا تصدر إلا عن أحد أمرين: إما مصلحة دنيئة، أو عاطفة هوجاء لا أساس لها. وهنا يمكن التفريق بين طائفتين داخل المجتمع الجاهلي: طائفة الملأ المستكبرين المتسلطين المنتفعين المتألهين وطائفة المخدوعين المضللين التابعين. ومن يتمعن في القرآن الكريم وخاصة الآيات التي جاءت في سياق النهي عن شرك الطاعة والاتباع يلاحظ ذلك بوضوح. قال - تعالى -: [إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب وتقطعت بـهم الأسباب].. الآيات [البقرة: 166 - 167]. وقال: [.. حتى إذا اداركوا فيها جميعاً قالت أخراهم لأولاهم ربنا هؤلاء أضلونا فآتـهم عذاباً ضعفاً من النار. قال: لكل ضعف ولكن لا تعلمون].. الآيتين [الأعراف: 38 - 39]. وقال: [وإذ يتحاجون في النار فيقول الضعفاء للذين استكبروا إنا كنا لكم تبعاً فهل أنتم مغنون عنا نصيباً من النار؟ قال الذين استكبروا: إنا كل فيها إن الله قد حكم بين العباد][غافر: 47 - 48]. وقال: [ولو ترى إذ الظالمون موقوفون عند ربـهم يرجع بعضهم إلى بعض القولº يقول الذين استضعفوا للذين استكبروا: لولا أنتم لكنا مؤمنين. قال الذين استكبروا للذين استضعفوا: أنحن صددناكم عن الهدى بعد إذ جاءكم؟ بل كنتم مجرمين. وقال الذين استضعفوا للذين استكبروا: بل مكر الليل والنهار إذ تأمروننا أن نكفر بالله ونجعل له أنداداً، وأسروا الندامة لما رأوا العذاب وجعلنا الأغلال في أعناق الذين كفروا. هل يجزون إلا ما كانوا يعملون؟ ][سبأ: 31 - 33].

 

 إلى غير ذلك من الآيات التي تكشف عن اختلاف الدوافع بين هاتين الفئتين المتميزتين داخل المجتمع الجاهلي.

 

فالفئة الأولى فئة متسلطة متحكمة مستفيدة من الأوضاع المنحرفة القائمة، فهي ترى في الإسلام خطراً على مصالحها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، وتـهديداً لمراكزهم العائلية ورياستهم ومشيختهم، وهذه الفئة ترفض الإيمان لهذه الاعتبارات المادية فحسب.

 

ثم إنـها ترى في وجود المؤمنين خطراً آخر غير مجرد رفض هؤلاء المؤمنين لطغيانـها، فهي تخشى أن يكون وجود هؤلاء المؤمنين، مهما كانوا من الضعف المادي أو المعنوي - سبباً في تيقظ الفطر، وانقشاع الغشاوة عن عيون المستعبدين، تخشى أن ينتفض عليها الإنسان حين يشعر بمعنى إنسانيته، وقيمته في الحياة، وحين يشعر أنه ليس حيواناً يقاد من أنفه بخطام! وحسبه ملء بطنه من الماء والطعام! ولاشك أن وجود القلة المؤمنة يعتبر إيذاناً بانـهيار طغيان المتجبرين، ويعنى فتح بصائر الناس على الحق الذي لابد أن يكون له من بينهم أنصارٌ وأعوان.. فكيف ترضى الملأ أن تنقص أرضهم من أطرافها وهم يتفرجون؟!.

 

إنـهم حينئذ ينطلقون في جنون جامح يضربون ذات اليمين وذات الشمال.. فيصرخون قائلين: [إن هؤلاء لشرذمة قليلون، وإنـهم لنا لغائظون، وإنا لجميع حاذرون][الشعراء: 54 - 56][وانطلق الملأ منهم أن امشوا واصبروا على آلهتكم، إن هذا لشيء يراد][ص: 6]، ويبدأون في حرب الدعاة بكل ممكنº فيحاربوهم بالإشاعات الكاذبة والدعاوى الباطلة كدعوى أنـهم يهدفون من وراء دعوتـهم إلى مصالح دنيوية يضمرونـها في أنفسهم كما قال فرعون وملؤه لموسى وهارون: [قالوا: أجئتنا لتلفتنا عما وجدنا عليه آباءنا وتكون لكما الكبرياء في الأرض؟ وما نحن لكما بمؤمنين][يونس: 78]. وكما قالت قريش تلميحاً: [إن هذا لشيء يراد][ص: 6].

 

وكما تقول الجاهلية الحديثة عن حركات البعث الإسلامي في بلاد المسلمين.. حيث تزعم أنـها حركات سياسية اتخذت الدين ستاراً لها استغلالاً لعواطف الناس! ويتناسى هؤلاء أن طريق السياسة آمن مفروش بالورود والرياحين في حين أن طريق الدعوة هو طريق الدماء والسجون والمعتقلات!. ويحاربوهم بالتجويع، تلك السياسة التي سلكتها قريش مع المسلمين وسلكها المنافقون أو حاولوا مع المسلمين في المدينة، وسلكها الشيوعيون مع المسلمين، وسلكها الطغاة مع الدعاة في كل مكان.. [أتواصوا به؟ بل هم قوم طاغون][الذاريات: 53]، ويحاربونـهم بالقتل والتصفية الجسدية كما قال فرعون لمجلس شوراه: [ذروني أقتل موسى وليدع ربه! [ثم يعلل بقوله: ]إني أخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر في الأرض الفساد!! ][غافر: 26].

 

وكم هي عجيبة هذه الحيلة!! ولذلك قيل: \"أصبح فرعون واعظاً\". ويحاربونـهم بالطرد وبالنفي وبالسجن وبحرمانـهم من ممارسة الأعمال وملاحقتهم بالأقاويل، وتتبع حركاتـهم إلى غير ذلك من أساليب الحرب التي يتقنها ويعرفها الطغاة الضليعون في الإجرام.

 

والذي يلاحظ من خلال ذلك أن فئة (الملأ) لا تمارس هذه الأعمال بمفردها أو بواسطة جلاوزتـها المقربين فحسبº بل هي تستعين بعبيدها المسخرين من العامة، حيث تصور الدعوة الإسلامية خطراً يهددهم في دنياهم وأخراهم، وتشعرهم بأن ميراث الآباء والأجداد يوشك أن يضيع على يد هذه الفئة \"الضالة!! \".

 

وما أسرع ما تثور عواطف الناس حين يشعرون بتعدٍ, على ما وجدوا عليه آباءهم وأجدادهم، ولقد كان الطغاة حاذقين حين لمسوا هذا الوتر الحساس في نفوس الناس. وهكذا يتحرك المجتمع الجاهلي بفئاته لمقاطعة من يسميهم \"المنحرفين\"، ومن ثم إعلان الحرب عليهم إن لم يتوبوا!º يتحرك من دوافع مادية عاجلة، أو من عواطف وهمية ضالة.

 

أما المؤمنون فهم يظلون صامدين في طريقهم غير مترددين ولا متلجلجين ولا مخلطين على رغم قلة الناصر والمعين، فالله حسبهم وهو خير الناصرين. وهم يرون أن طريقهم الذي اختاروه هو طريق واضح متميز: طريق الجهاد.. طريق الجنة، وأن غيره من الطرق إنما هي سبل الشيطان الموصلة إلى النار: [وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه، ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله، ذلك وصاكم به لعلكم تتقون][الأنعام: 153].

 

إن المؤمنين يحملون عقيدة راسخة كاملة، لا تقوم على التصورات العقلية فحسب، ولا على التأثيرات الوجدانية فحسبº بل تنطلق من وراء ذلك كله إلى التأثير العميق في شخصية الفرد وسلوكه وتصرفاته ونظراته ومواقفه، وترسم منهجاً كاملاً يشمل الحياة كلها وما بعد الحياة.

 

هذه العقيدة التي يحملها المؤمنون.. هي التي أرادها الله للإنسان، تملأ فراغ نفسه وتنسجم كل الانسجام مع فطرتهº ذلك أن خالق الإنسان ومودع الفطرة فيه هو منـزل هذه العقيدة وموجبها..

 

ولذلك تجد تعاليم هذه العقيدة وتكاليفها مبنية على حقائق من واقع الحياة يلمسها كل إنسان، فالعقيدة أي عقيدة - لم تأت لتكون شعوراً قابعاً في الضمير، أو فكرة قائمة في العقل، بل جاءت لتكون واقعاً يتعامل مع الحقائق القائمة الملموسة.

 

وحين يقف المؤمنون صفاً واحداً ويتميزون عن الجاهلية من حولهم.. حين يفعلون ذلك إنما يفعلونه استجابة لأمر الله ورسوله، وهم من خلال ذلك يتفاعلون مع السنة الاجتماعية والحيوية، ويبنون تميزهم ومفاصلتهم على إدراك جملة من الحقائق الشرعية والواقعية يترتب بعضها على بعض.. ويمكن أن نستعرضها بصورة مجملة كما يلي:

 

الحقيقة الأولى: أن الله - تعالى - لم يخلق الخلق إلا لحكمة هي عبادته وطاعته كما قال - تعالى -: [وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون][الذاريات: 56]، وعبادته - سبحانه - تعني: تصديق خبره، وامتثال أمره، واجتناب نـهيه، وهنا تتبين ضرورة بعثة الأنبياء، فإن الناس لو تركوا وشأنـهم لضلوا ولما قامت عليهم الحجةº إذ هم لا يعرفون خبر الله ولا أمره ولا نـهيه، ولهذا بعث الله الرسل: [رسلاً مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل][النساء: 165]. وكان هؤلاء الرسل - عليهم صلوات الله وسلامه - يصلون ليلهم بنهارهم في الدعوة إلى الله - تعالى - وتعليم الجاهل وإرشاد الضال وحرب المعاند.

 

الحقيقة الثانية: أن الناس يختلفون على دعوة الرسل عليهم الصلاة والسلام إلى طائفتين: [فمنهم من آمن ومنهم من كفر][البقرة: 253]، وهذا الاختلاف مبني على حقيقة مشهودة هي أن الله جعل في الإنسان قابلية للخير والشر والهدى والضلال، فهو ليس ملكاً لا يعصي أبداً، وليس شيطاناً لا يطيع أبداًº بل يوجد في أفراده من دأبه الطاعة ويوجد فيهم من دأبه المعصية، ويجد فيهم من يتراوح بين هذه وتلك.

 

وهذه الحقيقة هي مناط التكليفº إذ لو كان الإنسان مجبوراً بفطرته على أحد المنهجين لم يكن مؤاخذاً بذلك والله أعلم.

 

قال - تعالى -: [هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن][التغابن: 2]، وقال - تعالى -: [إنا هديناه السبيلº إما شاكراً وإما كفورا][الإنسان: 3]، وقال: [ونفس وما سواها. فألهمها فجورها وتقواها. قد أفلح من زكاها، وقد خاب من دساها][الشمس: 7 - 10]، وقال: [وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر][الكهف: 29].

 

فمن رحمة الله - تعالى - بخلقه أن خلقهم على الفطرة حنفاء مائلين عن الشرك إلى التوحيد، ثم جعل فيهم - سبحانه - إمكانية قبول الحق أو رده حتى يتم الابتلاء والاختبار ويظهر من يطيعه ممن يعصيه، ثم بين للإنسان طريقي الخير والشر كما قال - تعالى - في معرض الامتنان على الإنسان: [ألم نجعل له عنين؟ ولساناً وشفتين؟ وهديناه النجدين][البلد: 8 - 10]. ومن هنا تفرق الناس، فلا يزالون مختلفين فيما بينهم إلى مهتدٍ, وضال، ومن شاء الله له النجاة سلك به طريق الحق الذي اختلف فيه: [ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك، ولذلك خلقهم][هود: 118 119].

 

يقول ابن كثير في تفسيره حول هذه الآية: \"يخبر - تعالى - أنه قادر على جعل الناس كلهم أمة واحدة، من إيمان وكفران كما قال - تعالى -: [ولو شاء ربك لآمن من في الأرض جميعاً][يونس: 99]، وقوله: [ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك]، أي: ولا يزال الخلف بين الناس في أديانـهم واعتقادات مللهم ونحلهم ومذاهبهم وآرائهم. وقال عكرمة: مختلفين في الهدى. وقال الحسن البصري: مختلفين في الرزق سخر بعضهم بعضاً، والمشهور الصحيح الأول.

 

وقوله: [إلا من رحم ربك]أي: إلا المرحومين من أتباع الرسل الذين تمسكوا بما أمروا به من الدين أخبرتـهم به رسل الله إليهم، ولم يزل ذلك دأبـهم حتى كان النبي وخاتم الرسل والأنبياء فاتبعوه وصدقوه ووازروه ففازوا بسعادة الدنيا والآخرة لأنـهم الفرقة الناجية.. \"[23] انتهى كلام ابن كثير.

 

ولذلك كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - يقول في دعائه:

 

\"اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون. اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنكº إنك تـهدي من تشاء إلى صراط مستقيم\"[24].

 

وهذا الاختلاف ليس ناشئاً في الحقيقة عن بعثة الرسل، ذلك أن البشرية في الأصل كانت مهتدية إلى صراط الله أمة واحدة كما قال - تعالى -: [كان الناس أمة واحدة][البقرة: 213]، وقال - تعالى -: [وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا][يونس: 19]، فجاءتـهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم وحرمت عليهم ما أحله الله كما ورد في حديث عياض بن حمار - رضي الله عنه -، فبعث الله الرسل لينقذ بـهم من شاء ويردهم إلى أصل الهداية، ومن هنا نشأ الاختلاف على دعوة الرسل فقبلها من قبلها وردها من ردها.

 

ولا يزال هذا الاختلاف بمجمله قائماً على وجه الأرض، ولذلك قال الله - تعالى -: [هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله][التوبة: 33، و الفتح: 28، والصف: 9]، فالإسلام لا يمحو الأديان كلها من الوجود ولا يقضي عليها القضاء الأخير، ولكنه يظهر عليها ظهوراً حسياً ومعنوياً، وهذا يعني بقاء الأديان الأخرى ووجود من يدين بـها ويتولاها...

 

----------------------------------------

[1] - تفسير ابن كثير 1/250، ط: الحلبي.

[2] - أي عموم معنى الافتراق. لا خصوص معنى تميز المؤمنين عن الكافرين، وإن كان هذا المعنى الأخير وارداً أيضاً كما في قوله - تعالى - على لسان إبراهيم[واعتزلكم وما تدعون من دون الله][مريم: 48]، وقوله: [فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون الله وهبنا له إسحاق ويعقوب][مريم: 49]

[3] - معجم مقاييس اللغة لابن فارس 4/505 - 506 و: المفردات في غريب القرآن للراغب: 381.

[4] - القاموس للفيروزابادي: 4/30 - 31، ومختار الصحاح: 530.

[5] - المفردات في غريب القرآن للراغب الأصفهاني، ص 381.

[6] - المفردات، ص: 478.

[7] - مختار الصحاح، ص: 666.

[8] - المفردات، ص: 478.

[9] - القاموس المحيط: 2/199 200.

[10] - أساس البلاغة للزمخشري، ص: 440.

[11] - المفردات، ص: 217.

[12] - المفردات، ص: 218.

[13] - قال ابن كثير: \"أي: لو تميز الكفار من المؤمنين الذين بين أظهرهم\" 4/193.

[14] - رواه أحمد في مسنده، الفتح الرباني 24: 106، والطبراني والحاكم وغيرهم. وراجع كلام ابن القيم في زاد المعاد 3/673 تحقيق الأرناؤوط.

[15] - القاموس: 4/15.

[16] - أساس البلاغة، ص: 201.

[17] - المفردات: 334.

[18] - والآية في قصة أصحاب الكهف ومفارقتهم لقومهم مفارقة جسدية. فالمقصود هنا الاعتزال الجسدي لا مجرد الاعتزال الشعوري، ولا مجرد قطع الروابط معهم والبقاء في داخل المجتمع، بل هجر المجتمع وتركه إلى مكان آخر هو الكهف.

[19] - القاموس المحيط: 4/ 206.

[20] - المفردات: 377. وهذه ألفاظ الراغب نفسه.

[21] - المفردات: 378.

[22] - المفردات: 408.

[23] تفسير ابن كثير: 2/464 465، تصوير: مكتبة التراث الإسلامي.

[24] الحديث رواه مسلم وأبو عوانه.

 

 

أضف تعليق

هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع وهي وجهات نظر أصحابها

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply