سخنوا الطلاب .. حتى لا يحترقوا !


 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

انتهت الآن زوبعة بدء العام الدراسي ، وأصبح من الممكن التفكير بهدوء في أدبيات بدء العام الدراسي عندنا، وسأتناول هنا إشكالية واحدة فقط ، لأني أراها الانطلاقة الحقيقية لبدء العام... إنها «الحصة الأولى» .

كنت في مكتب أحد مسؤولي الوزارة بعد ظهر اليوم الأول من بدء العام الدراسي، وكان يتحدث في الهاتف مع المسؤول الأكبر منه قائلاً: أبشرك.. كل شيء على ما يرام، الدراسة لم تبدأ بجدية من اليوم الأول فقط ولا الساعة الأولى، بل من الحصة الأولى، لقد وصلتني تقارير أولية من هنا وهناك تفيد بأن المعلمين قد بدأوا التدريس الفعلي من الحصة الأولى.

لم يبد على وجهي الارتياح لهذه الأخبار «السارة»، تساءل صديقي المسؤول، قلت له: إنني أومن كثيراً بطريقة (ضع نفسك مكان الآخرين) لقياس المشاعر. وأنا أضع نفسي الآن مكان هؤلاء الطلاب والطالبات الذين عادوا إلى المدرسة بعد انقطاع عنها أكثر من ثلاثة أشهر - أي ربع عام!

ثم يطالب في اليوم الأول.. في الساعة الأولى.. في الحصة الأولى أن يستمع إلى معلم أو معلمة يتحدث - على الريق - عن: قوانين نيوتن أو ضوابط الولاء والبراء أو صفات المناخ الاستوائي.

يتعرف الطالب على اسم نيوتن قبل أن يتعرف على اسم المعلم الذي أمامه!؟

أضع نفسي مكان هذا الطالب - وقد كنت مكانه يومًا ما، وكان ذلك المسؤول مكانه وكل المسؤولين وكل المعلمين والمعلمات - ونتذكر كيف كنا نأتي إلى اليوم الدراسي الأول بالحد الأدنى من اللياقة الذهنية وبالفتور البشري الطبيعي الذي يجب ألا نتناساه حين نصوغ التعاميم والقرارات المكتبية.

نحن نعاني من قلة جاذبية المدرسة في مجتمعاتنا، ويجب ألا ندس رؤوسنا عن هذه الحقيقة، بل نسعى لمعالجتها بالأفكار التسويقية للمدرسة والفصل والمعلم، وبدء الحصة الأولى بهذه الصرامة المفتعلة - وكأننا لا نهدر حصصًا كثيرة سواها ! - هي حتمًا ليست من أساليب تسويق المدرسة وتشويق الطالب.

ليس طلاب الصف الأول الابتدائي فقط هم الذين بحاجة إلى « حلاوة » في اليوم الأول، بل كل الطلاب من الأول الابتدائي حتى الثالث الثانوي بحاجة إلى أن يتذوقوا «حلاوة» المدرسة من خلال بدايات تشويقية ترفيهية توددية تحفيزية، تكون برزخًا وسطًا بين انفلات العطلة وصرامة الدراسة.

كنت دومًا أود أن يبدأ العام الدراسي يوم الاثنين - وليس يوم السبت المبغوض! - لأن يوم الاثنين يمنحك إحساسًا بأن نصف الأسبوع قد انصرم، وبالفعل فبعد ثلاثة أيام من الدراسة التربوية لا التعليمية ستأتي عطلة نهاية الأسبوع لتسعف اللياقة غير المكتملة للارتياح، ثم يأتي السبت الأول وقد انكسر الحاجز النفسي مع المدرسة.

أؤكد - مرة أخرى - أني مع صرامة الانضباط في حضور اليوم الدراسي الأول، لكني لست مع الصرامة المفتعلة لتدريس أحكام الفعل المبني للمجهول في الحصة الأولى من الساعة الأولى في اليوم الأول من بدء العام الدراسي، حتى لو تأخرنا عن مسيرة التطور وركب الحضارة 45 دقيقة فلا بأس..امسحوها في وجهي!

 

 

أضف تعليق

هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع وهي وجهات نظر أصحابها

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply