الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة والحرب على الإرهاب أو الحرب على الحقوق؟


بسم الله الرحمن الرحيم

 

بدلاً من مطالبة الأسبان حكومتهم بفرض قوانين لمكافحة "الإرهاب" أكثر قسوة وصرامة، صوتوا يوم الأحد الماضي لطرد الحكومة اليمينية التي ساندت الحرب على العراق.

وتعد أسبانيا إحدى الدول الأوربية القليلة الذي وقفت بجانب بوش في حربه على العراق، وبعد 11 سبتمبر 2001م وتحت ستار الحرب على "الإرهاب" شنت إدارة بوش حرباً على الحقوق المدنية، ورغم أنها فشلت في إقناع معظم البلاد الأوربية بالتورط في حربها على العراق، ضغطت واشنطن بنجاح على الاتحاد الأوربي لتشريع قانون لمكافحة "الإرهاب" شبيه بالتشريع القمعي الذي سنته أمريكا.

وإن عدداً من قوانين مكافحة الإرهاب الجديدة في أوروبا - كما في الولايات المتحدة - صيغت وتم إعدادها قبل هجمات 11 سبتمبر، كما أن الحكومات الأوروبية التي كانت تبحث عن طرق تجريم نشاط نقابات العمال طيلة عقد التسعينيات، استغلت هجمات 11 سبتمبر لتمرير القوانين التي سهلت التضييق على النقابات العمالية، في يونيو 2002م أصدر الاتحاد الأوروبي مشروع قرار لمكافحة "الإرهاب"، وتم تثبيت تعريف مشترك لـ"الإرهاب" من المتوقع أن تدرجه الدول الأعضاء في قانونها المحلي، وهذا التعريف واسع وفضفاض يحظر كثيراً من الحراك الاجتماعي والسياسي والنقابي، ومن جملة ما يتضمنه قانون "الإرهاب" الأوروبي الإضراب العام والمظاهرة الكبيرة وعليه فإن كل احتجاج مثلاً - ضد منظمة التجارة العالمية -، حيث من الممكن أن تتلف بعض الممتلكات والمرافق، يمكن أن ينطبق عليه "تعريف الإرهاب"؟!.

صحيح أن مشروع القرار لا يستهدف حماية الحقوق المدنية: "لا شيء في هذا القرار قد يُترجم على أنه تقليل أو حد من الحقوق الجوهرية أو الحريات مثل الحق في الإضراب، حرية التجمع والتعبير، متضمناً حق الجميع في تشكيل والانضمام إلى نقابات العمال مع آخرين لحماية مصالحها"، لكن عدداً من المحامين الأوربيين يعتبرون أن هذا "التكفل" هو نوع من التملق وتهدئة المخاوف في مجال حماية الحقوق المدنية الأساسية، وأشاروا إلى أن المحتلين النازيين أثبتوا صفة "الإرهابي" على السجناء السياسيين المعتقلين في معتقل بريندونك بالقرب من بروكسل، ونلسون مانديلا سُمي "إرهابياً" قبل أن يُحرر من السجن، وينتخب رئيساً لجنوب أفريقيا، وقد شرعت ستة دول أعضاء الاتحاد الأوربي القانون المعين امتثالاً لمشروع القرار، والجميع يعتبر زعزعة القوى السياسية أو الاقتصادية عملاً إرهابياً، تستخدم دول الأعضاء الأخرى قوانينها الحالية بخصوص المؤامرة الإجرامية لفرض العقاب ليس فقط على المشاركة في الأعمال "الإرهابية"، ولكن أيضاً على العضوية في المنظمات المحظورة.

في ديسمبر 2003م شرع البرلمان البلجيكي قانون مكافحة الإرهاب للامتثال لمشروع القرار، وفي إطاره فإن أي شخص يكتب تعليقات في بيئة مدنية يمكن أن يعتبر إرهابياً!.

وفي بريطانيا مررت الحكومة قانون مكافحة الإرهاب الجريمة والأمن في أعقاب هجمات 11 سبتمبر، وبموجبه يمكن أن يُعتقل شخص بشكل غير محدد إذا أصدر وزير الداخلية شهادة يصرح أن وجوده في المملكة المتحدة خطر على الأمن القومي، ويشمل "الإرهاب" في بريطانيا الاستغلال أو التهديد: "بغرض التقدم في قضايا أيديولوجية، دينية أو سياسية"، وقد شعر أساتذة القانون من بريطانيا أن هذا التعريف واسع جداً، "إنه غير عملي، ويطمس معالم الخط بين الاحتجاج والجماعات الإرهابية".

في إيطاليا أجاز قانون مكافحة الإرهاب سجن أي شخص لمدة خمسة إلى عشرة سنوات ببساطة لمشاركته في المنظمات "التي تستهدف ارتكاب الأفعال التخريبية العنيفة الموجهة ضد النظام الديمقراطي"، من دون تحديد الغرض التخريبي أو يوضح ما مستوى المشاركة في هذه المنظمات، وقد وقع مئتا محامي/ قاضي وقانوني أوروبي بياناً يحتجون فيه على أن مشروع القرار الأوربي يهدد الحقوق الديمقراطيّة، وخلال العام الماضي عبر أعضاء لجنة حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة عن القلق في الاستعمال الواسع لكلمة "الإرهاب"، والهجوم المتزايد على حقوق الإنسان في الصراع ضد "الإرهاب".

 

أضف تعليق

هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع وهي وجهات نظر أصحابها

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply