تفويض عون بالمعارضة تسهيل أم تعطيل؟


 

بسم الله الرحمن الرحيم

فجأةً ودون مؤشر سابق بدلت المعارضة ممثلها في المفاوضات لدى الأكثرية، وجاءت بالجنرال ميشال عون بدلاً من الرئيس نبيه بري، في وقت لم يستفق الشارع السياسي بعدُ من الحالة التي تشكلت مع اغتيال وريث العماد سليمان لقيادة الجيش اللواء الركن "فرنسوا الحاج"، لتعود أجواء التوتر تخيم من جديد على الوضع العام، ولتتراجع القهقرى مؤشرات التفاؤل بالوصول لتوافق سياسي بعد إجماع الفريقين على اعتبار العماد سليمان مرشحاً توافقياً.

ولم تكتف المعارضة بتسمية عون مفاوضاً عنها، بل ترسله وفي جيبه - كما يقول حزب الله - ورقة تفاهمية تعتبرها الأرضية الأساس لأي تسوية مقبلة قوامها:

• توزيع حصة فريقي النزاع في الحكومة الجديدة بنسبة 60 في المئة للموالاة، و40 في المئة للمعارضة، ولكن بعد احتساب حصة خاصة وحتمية لرئيس الجمهورية.

• تقاسم الحقائب السيادية مناصفة وهي الداخلية والمالية، والدفاع والخارجية.

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: هل أرادت المعارضة بهذا التبديل في الوجوه، والوضوح في تحديد أرضية مطالبهاº أن تدفع بالمفاوضات مع الأكثرية نحو مزيد من الحلول بعد أن جاء تقييم المفاوضات السابقة التي أدارها الرئيس بري مع ممثل الأكثرية سعد الحريري سلبياً ومخيباً للطرفين، فضلاً عن خيبة أمل المجمتع الدولي، وتحديداً فرنسا؟ أم أن للمعارضة قراءة أخرى لم تتضح ملامحها بعد؟

التبديل جاء قبيل تحذيرات الرئيس الفرنسي من أن الفرصة الأخيرة لانتخاب رئيس في لبنان ستكون يوم الاثنين، في وقت يشرف التفويض الأمريكي لفرنسا - فيما يخص الأزمة اللبنانية - على الانتهاء نهاية الشهر الجاري، ولصالح رجل يقول من خبروه خلال حياته: إنه "الرجل المحاور الأصعب، والأكثر استعصاءً على الاتفاق معه خارج شروطه، إنه العسكري الذي يوجّه الضربة قبل أن يجلس إلى طاولة التفاوض لاحتساب المكاسب، يحوط نفسه بمطالبه للتفاوض، ويقيم داخلها، ويرفض المساومة، وإن خسر جولة التفاوض بل أيضاً جولة الصراع برمتها".

وإذا كانت الموالاة قرأت في هذا التبديل نوعاً من الاستخفاف بها، وعدم جدية المعارضة في التفاوض، ورغبة مبطنة في بقاء الفراغ الرئاسي ريثما تقبض سوريا ثمن موافقتها على العماد سليمان رئيساً من قبل الأمريكان والسعودية بفك عزلتها عبر فتح القنوات المغلقة، أو ريثما تتقدم المفاوضات في ملف إيران النووي، فإن المعارضة كعادتها مهدت لهذا التبديل بسرد مآثر العماد عون، معللة أسباب اختياره دون غيره بأنه تخلى عن حقه في الوصول لكرسي بعبدا وهو الرجل النصراني الأكثر شعبية في طائفته، والزعيم الوحيد الذي قدم تنازلاً جدياً وحقيقياً لتسهيل حل الأزمة الرئاسية، ثم إن تفويضه يأتي نتيجة لعملية التقييم لتجربة المفاوضات السابقة مع الموالاة، والتي أفضت نتائجه إلى ضرورة اختيار مفاوض يجمع بين الصلابة والعقلانية، كما أن بقاءه على ورقة التفاهم مع حزب الله رغم الضغوطات جعلت منه رجل التسويات الأول الذي تستحقه المرحلة الحالية بما فيها من تعقيدات، وما عليها من ضغوطات.

ويذهب المراقبون إلى أن من أسباب تقديم "عون" بديلاً لـ"نبيه بري" في هذه المرحلة قد يعود إلى ما تقدمت به المعارضة، أو لفتت إليه الموالاة لأسباب داخل خريطة المعارضة تحديداً، حيث لم يلتفت إليها أحد، ولعل هذا يكون السبب الأساسي رغم وجاهة رأي من اعتبر "تبديل بري - عون" هروباً سورياً إلى الأمام من مساءلة دولية عن مبررات العرقلة بالقول: إن العقدة هي عند "عون" - الذي لا مونة لها عليه - حين رفع سقف مطالبه، وليس عند حلفائها "حزب الله" و"أمل" قبيل حضور دمشق في مؤتمر الدول المانحة للفلسطينيين.

ولقد شهدت الفترة الأخيرة حالة من عدم الانسجام بين القوى المشكلة للمعارضة، حيث ظهر تململ واسع بين صفوفها، وتحديداً داخل الأطراف السنية فيها، والذي بدأ مع النقد اللاذع للجنرال عون من قبل حليفه في المعارضة الشيخ فتحي يكن حين رأى في رفض عون لـ"وثيقة الطائف" - على اعتبارها قلّصت من صلاحيات النصارى الموارنة في الحكم لصالح الطائفة السنية - خروجاً عن "الثوابت الوطنية، وتهدد مستقبل البلد".

ولم تلبث أن انتقلت عدوى التململ لسائر القوى السنية داخل المعارضة التي وجدت في اجتماع الرابية الأخير بين "التيار الوطني" و"حزب الله" و"حركة أمل" رسالة سيئة، فارتفعت حرارة الاتصالات فيما بينها خلال الأيام الماضية لتُتوج بلقاء جامع للقوى السنية المعارضة نهاية الأسبوع في دار الرئيس عمر كرامي في بيروت حضره كل من الوزير السابق "عبد الرحيم مراد"، والنائب "أسامة سعد"، والنواب السابقين "جهاد الصمد"، و"وجيه البعريني"، و"فتحي يكن"، و"عدنان عرقجي"، و"بهاء الدين عيتاني" ليخرج بعدها الاجتماع بما يشبه الاعتراض السني الصامت الذي أوشك أن يتطور لولا تدارك "عون" بالجلوس مع "جبهة العمل الإسلامي"، وتعهده بعدم الرجوع بالبلد لما قبل الوثيقة، والذي أكد عليه فيما بعد نبيه بري بأن لا نقاش حول وثيقة الطائف، ولا تبديل لها مهما أثير حولها من لغط.

تدارك عون لأخطائه المتكررة، وتصريحاته الطائفية المكثفة مؤخراً، وإحراجاً لحلفائه في المعارضة في أكثر من مناسبة، فضلاً عن الشكوك التي أبداها تجاه "نبيه بري" من أن يمرر الأخير صفقة على ظهرهº أمور جميعها ساهمت في اتخاذ المعارضة قراراً جماعياً في تقديم عون مفاوضاً لها في هذه المرحة لدواعٍ, عديدة منها:

• أن التفاوض مع الأكثرية حالياً أساسه الرئاسة الأولى، والتي هي شأن مسيحي ماروني بالدرجة الأولى، والمعارضة بناء عليه تريد خلق انطباع عند شعبية عون المسيحية أنه صانع قرار وليس متبع له خلافاً لحال مسيحي قوى 14 آذار عند سعد الحريري.

• إلهاء عون بالتفاوض مع الأكثرية، وإبعاده عن التصريحات التي لا تزال تؤثر على تماسك المعارضة.

• بعث رسائل اطمئنان للجنرال بأن أي تسوية لن تكون على حسابه، وأنه قطب الرحى في أي تسوية مقبلة.

• تدويل الأزمة أكثر في حال كان نجاح المفاوضات مرتبط بالوضع الإقليمي وفق رأي الأكثرية.

• رسالة للموالاة بأن المعارضة جادة في خياراتها السياسية، وغير مستعدة للتنازل عن أي منها، وعليها - أي الموالاة - أن تقرر فيما إذا كانت مستعدة لتقديم تنازل أم لا.

أضف تعليق

هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع وهي وجهات نظر أصحابها

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply