أحبها وتحبني وأبوها يرفضني


 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد:

أنا متخرج من الجامعة الآن ولم أحصل على وظيفة حتى الآن، ووقعت في حب فتاة ما، وفي نفس الوقت هي أيضا وقعت في حبي، وكلنا عزم على توظيف هذا الحب بالطريق الشرعي وهو الزواج..، ولكن والد هذه الفتاة لا يريد أن يزوج ابنته إلا لشاب لا يقل راتبه عن خمسة آلاف ريال، وهذا يكلفني أن أصبر سنتين أو ثلاث حتى تأتي الوظيفة، وأنا لا أستطيع البعد عنها وهي لا تستطيع البعد عني، وكلانا لا يريد إلا الطريق الشرعي.فبماذا تنصحوني؟ والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

الجواب

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

أخي: اعلم أني سأبعث لأبيها رسالة أنت حاملها: "إنك أيها الأب المبارك تعيش المسؤولية وتؤدي الأمانة، فحرصك على إسعاد ابنتك مما يجب عليك، وحسن اختيار الزوج من رعاية الأمانة، مما يؤكد في اختيار الزوج أن يكون ذا مال يستطيع أن يسعد ابنتك، وقد جعل المال الذي هو مؤنة النكاح الاستطاعة، قال - صلى الله عليه وسلم -: "من استطاع منكم الباءة فليتزوج" رواه البخاري (1905)، ومسلم (1400) من حديث عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه -، ومعلوم أن القدرة على النكاح الجماع- يستطيعها كل الشباب الأسوياء، فليس ثمة مراد للرسول - صلى الله عليه وسلم - إلا المهر وما بعده، وقد آجر نبي من أولى العزم (موسى - عليه السلام -) نفسه لأبي زوجته ثمان سنين لإعفاف نفسه، فهل أراك تفرط في ابنتك وتزوجها من يعجز عن القيام بما تحتاج إليه كل زوجة؟.

أيها الأب المبارك تذكر أن فاطمة بنت قيس - رضي الله عنها - استشارت الرسول - صلى الله عليه وسلم - فيمن تقدم لخطبتها فقال - صلى الله عليه وسلم -: "أما أبو جهل فكان لا يضع العصا عن عاتقه، وأما معاوية فصعلوك لا مال له انكحي أسامة بن زيد " الحديث رواه مسلم (1480)، فذكر لها الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن المانع من قبول معاوية - رضي الله عنه - أنه لا مال له مع أن أبا سفيان - رضي الله عنه - كان موسراً ومرجواً، وهو والده، وأمه من أعظم الأمهات رعاية وعناية هند بنت عتبة عالية الشرف - رضي الله عنهم -، فكأني بمن خطب ابنتك يحمل شهادة ولا يحمل مالاً كمعاوية - رضي الله عنه -، لديه أم عظيمة شريفة مشفقة وأب غني ومع ذلك فقد وصف حاله الرسول - صلى الله عليه وسلم - "صعلوك لا مال له".

وأما الرسالة الثانية فإليك وحدك، إلى قلبك المعني، إلى روحك الخفاقة، إلى شوقك وحبك، اعلم وفقك الله أن الزواج مسؤولية وواجبات وحقوق، وأن المال من أعظم أسباب سعادة الحياة بين الزوجين، وأن العاجز عن تلبية الطلبات هو المهموم وليس زوجه، وأن بيت الزوجية لا يصلح أن يكون خيمة ولا شقة خالية من المهمات والحاجيات، فلذا عليك بالصبر، فخير عيشنا الصبر، كما قال عمر - رضي الله عنه -، وفي الحياة مُنىً لا تدرك، وآمالٌ تحتاج إلى أعمال، فالعاقل من لم تطفى رغائبه على مصالحه، فاصرف النفس وألجم القلب، وأعرض بالبصر، ومن غاب عن البصر فإنه يخف عن القلب خياله، واحرص على نفع نفسك تحقيقاً لقوله - صلى الله عليه وسلم -: " احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز... " رواه مسلم (2664) من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -، فإذا تحسن وضعك فأنت مطلوب لا طالب، ولا بارك الله ولا حيا الله حباً يلفك بالحاجة، ويذل نفسك فتقبل الإحسان والصدقة، ويزاح عنك الواجب من المناسباتº لأنك مسكين لا تجد، فالعزة وقوة النفس والترفع عن الاحتياج للآخرين بوابة الرفعة.

أيها الابن الكريم: أعلم أن الذي يرضيك أن أحمل على هذا الأب حملة شعواء وأصفه بالطمع والجشع، وأبين لك أنك ما دمت تحب هذه الفتاة وهي تحبك فهي لك وأنت لها، وأن استمراركما في العلاقة والمكالمة والزيارة والمواعدة كل ذلك جائز وسائغ، ما دام أنكما عازمان على الزواج -وإن كنتما لا تستطيعان ذلك-، وما دام أن الزواج سيكون ولو بعد حين، فاستمرا في علاقتكما ولا تثريب عليكما.

أعلم أن هذا الكلام هو الذي يسرك أن تقرأه جواباً على سؤالك، ولكن ثق يا بني أنك لن تسر به أبداً لو كانت هذه الفتاة أختك، أو ابنتك، ولو قرأته في تلك الحال لغلت الدماء في عروقك، ولقلت إن الولي على الفتاة لم يجعل إلا للمراعاة مصالحها، وليضم عقله إلى عاطفتها، ويرشد اختيارها، ولقلت إن الحب وحده ليس مهراً، وإن الفقر إذا دخل من النافذة خرج الحب من الباب، ولأنكرت، وحق لك أن تنكر تصرف هذا الشاب الذي يساوم هذه الفتاة بعاطفتها، ويريد أن يظفر بها لتعلقها.

أي بني: إنك لن تستطيع أن تعيش حياة زوجية مع امرأة تحبك إلا إذا كانت تحترمك، ولن تحترمك المرأة وهي تراك في حال من الفقر الشديد لعطالتك وعدم عملك، وكونك ستصبح محل إحسان الناس وموضع صدقاتهم وزكواتهم.

كلا يا بني تذكر قول الله: "وليستعفف الذين لا يجدون نكاحاً حتى يغنيهم الله من فضله" [النور: 33]، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء" (سبق تخريجه). وادع ربك واسأله، وأبشر بالخير، فهو القريب المجيب، وسيجعل لك الله من أمرك يسراً، حفظك الله ورزقك الصبر، وانتظار الفرج، وهداك للتي هي أحسن من الأحوال، والله أعلم.

 

أضف تعليق

هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع وهي وجهات نظر أصحابها

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply