تصفية مسلمي فطاني هدف استراتيجي للحكام التايلانديين


 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

اتخذت الأوضاع في تايلاند منعطفا ساخنا في الأسابيع الماضية إثر تنامي ضغوط أحزاب المعارضة على رئيس الوزراء التايلاندي تاكستن شينا وترا للاستقالة من منصبه على خلفية اتهامه بالتورط في استغلال سلطاته, والتهرب الضريبي, وعدم التصرف بحكمة حيال الأوضاع في الجنوب التايلاندي، وهي الضغوط التي أسفرت على إجباره على الاستقالة، وقد اندلعت المظاهرات في تايلاند بعد قيام شينا وترا ببيع شركة اتصالات مملوكة لعائلته لشركة سنغافورية في صفقة بلغت 1.9 مليار دولار دون دفع الضرائب المستحقة، إضافة إلى اتهامات وجهت لرئيس الوزراء بالتضييق على وسائل الإعلام, وسوء الإدارة في المناطق الجنوبية التي زادت فيها حدة الاضطرابات في الفترة الأخيرة, اعتراضا من مسلمي فطاني على سوء أوضاعهم الاقتصادية, ومعاناتهم الشديدة من الآلة الأمنية لحكومة شينا وترا التي حولت حياة أكثر من 5 ملايين مسلم يعيشون هناك إلى الجحيم.

ولم تقف الحكومة التايلاندية عند هذا الحد، بل إن مجلس الوزراء أمر بمرسوم في الفترة الأخيرة يخول للسلطات الأمنية صلاحيات واسعة ضد السكان المسلمين في مقاطعات يازاثيوات ويالا وفطاني تدور حول فرض الإقامة الجبرية على زعماء التمرد, وإحكام الرقابة على التجمعات السكانية, ومنع الاجتماعا,ت وتسجيل المكالمات الهاتفية، وقد أثارت هذه الإجراءات حالة ذعر داخل أوساط مسلمي تايلاند إذ توسعت قوات الشرطة في حالات القتل المباشر لدرجة أن أكثر من 800 مسلم لقوا مصرعهم من جراء هذه الإجراءات التي تأتي في إطار مخطط تبنته حكومة شينا وترا في الفترة الأخيرة لسحق مسلمي فطاني خلال أربع سنوات, لدرجة أن الحكومة قد قسمت أقاليم الجنوب المضطرب إلى ثلاث مناطق حمراء, وصفراء, وخضراء حسب درجة تفشي أعمال العنف فيها نالت منها 358 قرية وصف المناطق الحمراء، وقطعت فيها المعونات الحكومية، وتوقف تمويل أي مشروعات تنموية لكبح جماح أي تطرف.

 

قهر وتهميش

المأساة التي يعيشها مسلمو فطاني التي وصلت أوجها في الفترة الأخيرة عبر الوضع الاقتصادي المعقد التي وصلت إليه مناطق الجنوب التايلاندي, رغم أنها تسهم بقدر كبير في الدخل القومي للبلاد نتيجة الرواج السياحي الذي تشهده البلاد.

لكن رغم هذا فإن الأغلبية البوذية تمنع استفادة المسلمين من هذه العوائد, ولا يعمل على تنمية مناطقهم التي تعد من أفقر المناطق في تايلاند, وأكثر إصابة بوباء الإيدز الذي وصلت نسبته في الجنوب إلى 35% من عدد السكان نتيجة شيوع بيوت الدعارة والمواخير التي تسبغ عليها الدولة غطاء شرعيا بحجة تشجيع السياحة..ويرجع الكثير من المراقبين تنامي القلق والتوتر الحكومي لدى التعامل مع هذا الملف إلى تنامي دور التيار الإسلامي في هذا الإقليم الجنوبي الإسلامي, والمطالبة بضرورة إنشاء دولة إسلامية تضم الأقاليم الثلاثة المسلمة، ورغم أن هذا الأمر لا يحظى بدعم من أغلبية المسلمين الذي يرون أن الاستقلال يعد أمرا غير واقعيا، ومن الأولى التركيز على ضرورة قيام الحكومة بدور أكبر في تنمية المناطق الجنوبية الأكثر فقرا وتهميشا، وضرورة توقف الحكومة التايلاندية عن محاولاتها لتذويب الهوية الإسلامية لشعب فطاني, والكف عن استهداف المدارس الإسلامية, وتصفية مدرسي المواد الشرعية لهذه المدارس واعتقالهم، وضرورة وضع ضوابط تقلل من انتشار السياحة الجنسية في مناطقهم.

 

غضب

 

وقد حاولت حكومة شينا وترا التعاطي بشيء من الايجابية مع الغضب العام الذي يسود مناطق الجنوب عن طريق إقرار ميزانية إقليمية خاصة بالتنمية في الجنوب تركز على إصلاح قطاع المدارس الدينية الإسلامية المنتشرة انتشاراً كبيراً في الإقليم مقابل التزام هذه المدارس بتدريس مناهج التعليم العام في تايلاند والخضوع لإشراف وزارة التعليم، وهو الأمر الذي لم يلق ارتياحا في أوساط الأغلبية المسلمة وساد غضب كبير أوساط المسلمين نتيجة رفضهم لمحاولات التذويب التي تقودها حكومة شينا وترا التي لا تتعاطى بإيجابية مع أي مبادرات سلمية لإعادة الاستقرار دون اللجوء إلى الحلول الأمنية للمشكلة بدرجة وصلت إلى أن شينا وترا تحفظ بشدة على مبادرة قدمها 73 من علماء المسلمين في منطقة فطاني إلى وزير الداخلية لوتجساك وايناتا تتضمن دعوة لحلول سلمية وعادلة لأزمة الجنوب بدلا من استخدام أسلوب الرشاوى في محاولة لخطب ود قطاع من سكان الجنوب وكذلك ألا تجرح الإجراءات المتخذة مشاعر الأهالي المسلمين أو تسيء لمعتقداتهم الدينية، مع مراعاة المعاملة العادلة في ارتكابهم لأفعال غير صحيحة وعقد النية المخلصة لاستعادة ثقة أهل الجنوب وإنشاء آلية مركزية لتقليل التوترات بين سلطات الدولة والسكان المحليين مع ضرورة أن تلزم الحكومة نفسها بأقصى قدر من العدالة مع مرتكبي الجرائم سواء أكانوا من مسئولي الدولة أم من قوات الشرطة أم من أبناء الإقليم غير أن حكومة شينا وترا استمرت في استخدام الآلة الأمنية وبقسوة مع أهالي الجنوب لدرجة أثارت قوى المعارضة البوذية التي حملت شينا وترا مسؤولية ما يحدث من اضطرابات نتيجة سياسية الحصار والعنف الذي تتخذه السلطات ضد السكان المحللين لدرجة أساءت إلى سمعة تايلاند في الخارج، مما يحتم تغيير السياسية المتبعة أو التقليل من حدتها.

 

أزمة دستورية

إن حملة المعارضة على شينا وترا ستتوقف تماما بعد استقالته وتقديم خليفته لعدد من التنازلات لأحزاب المعارضة وتخفيف سيطرة الحزب الحاكم على الإعلام، وهو أمر متوقع من خليفة شينا وترا الذي لن يستطيع مواجهة أزمة دستورية بعد خلو 38 دائرة انتخابية من مرشحين وهو ما يمنع تشكيل حكومة في البلاد.

- ويوافق على الطرح السابق د. جابر عوض -أستاذ الدراسات الآسيوية بجامعة القاهرة- حيث يرى أن أوضاع المسلمين المتردية في جنوب تايلاند لن يحدث فيها أي تحسن باستثناء تخفيف القبضة الأمنية والتصفية الجسدية ضدهم، مشيرا إلى إمكانية قيام الحكومة بدعم بعض المشاريع التنموية في صفوفهم وذلك لتخفيف حدة غضبهم على السياسات الحكومية التي كرست حالة تهميشهم وإبعادهم عن أي تأثير في الحياة السياسية والاقتصادية في تايلاند..

- واستبعد عوض أن تخفف الحكومة التايلاندية القادمة من محاولات تذويب هوية السكان المسلمين وإعطائها بعدا بوذيا، حيث سيستمر استهداف المعالم الإسلامية من مدارس وعلماء للمواد الشرعية حتى تصبغ التعليم في الجنوب بطابع علماني.. وقلل عوض من أهمية استقالة شينا وترا، فالتعامل الفاشي مع أوضاع المسلمين في فطاني قد أخذ طابعا مؤسسيا عنيفا ولن يتم التراجع عنه في الفترة القادمة خصوصا أن تايلاند لا تواجه أي ضغوط داخلية أو خارجية من أي جهة لتخفيف الاحتقان في جنوب البلاد ورفع قبضتها الأمنية عن مسلمي الجنوب واستمرار تصفيتهم سواء بالقتل المباشر أم باستمرار وباء الإيدز الذي يأكل الأخضر واليابس في مناطق الجنوب السياحية.

 

أضف تعليق

هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع وهي وجهات نظر أصحابها

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply