أنواع الدعاء


 

نوعا الدعاء والعلاقة بينهما

الدعاء الذي حثَّ الله عليه في كتابه، ووعد المخلصين فيه بجزيل ثوابه، نوعان: دعاء المسألة، ودعاء العبادة - انظر: النبوات (ص136).

أما دعاء المسألة فهو: طلب ما ينفع الداعي، وطلب كشف ما يضره ودفعه - انظر: مجموع الفتاوى (15/10)، بدائع الفوائد (3/2).

وأما دعاء العبادة فهو: التقرب إلى الله بجميع أنواع العبادة، الظاهرة والباطنة، من الأقوال والأعمال، والنيات والتروك، التي تملأ القلوب بعظمة الله وجلاله - انظر: تصحيح الدعاء (ص17).

قال الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي: "كل ما ورد في القرآن من الأمر بالدعاء, والنهي عن دعاء غير الله, والثناء على الداعين، يتناول دعاء المسألة ودعاء العبادة, وهذه قاعدة نافعةº فإن أكثر الناس إنما يتبادر لهم من لفظ الدعاء والدعوة دعاءُ المسألة فقط, ولا يظنون دخول جميع العبادات في الدعاء, وهذا خطأ جرهم إلى ما هو شر منه" - القواعد الحسان (ص154- 155).

 

العلاقة بين النوعين:

دعاء المسألة ودعاء العبادة متلازمانº وذلك من وجهين:

الأول: من جهة الداعي : فإن دعاءه بنوعيه مبني على الخوف والرجاء.

قال ابن تيمية: "وكل سائل راغب وراهب، فهو عابد للمسؤول، وكل عابد له فهو أيضا راغب وراهب، يرجو رحمته ويخاف عذابه، فكل عابد سائل، وكل سائل عابد، فأحد الاسمين يتناول الآخر عند تجرده عنه، ولكن إذا جمع بينهما فإنه يراد بالسائل الذي يطلب جلب المنفعة ودفع المضرة بصيغ السؤال والطلب، ويراد بالعابد من يطلب ذلك بامتثال الأمر، وإن لم يكن في ذلك صيغ سؤال. والعابد الذي يريد وجه الله والنظر إليه، هو أيضا راج خائف راغب راهب، يرغب في حصول مراده، ويرهب من فواته، قال تعالى: {إِنَّهُم كَانُوا يُسَارِعُونَ فِى ٱلخَيرٰتِ وَيَدعُونَنَا رَغَباً وَرَهَبا} [الأنبياء:90]، وقال تعالى: {تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُم عَنِ ٱلمَضَاجِعِ يَدعُونَ رَبَّهُم خَوفاً وَطَمَعاً} [السجدة:16]، ولا يتصور أن يخلو داع لله ـ دعاء عبادة أو دعاء مسألة ـ من الرغب والرهب، من الخوف والطمع" - مجموع الفتاوى (10/239-240).

والثاني: من جهة المدعو: فإنه لا بد أن يكون مالكا للنفع والضر.

قال ابن القيم: "كل من يملك الضر والنفع، فإنه هو المعبود حقا، والمعبود لا بد أن يكون مالكا للنفع والضر، ولهذا أنكر الله تعالى على من عبد من دونه ما لا يملك ضرا ولا نفعا، وذلك كثير في القرآن، كقوله تعالى: {وَيَعبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَضُرٌّهُم وَلاَ يَنفَعُهُم} [يونس:18]، وقوله تعالى: {وَلاَ تَدعُ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَنفَعُكَ وَلاَ يَضُرٌّكَ} [يونس:106]، وقوله تعالى: {قُل أَتَعبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَملِكُ لَكُم ضَرّاً وَلاَ نَفعاً وَٱللَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلعَلِيمُ} [المائدة:76]، وقوله تعالى: {أَفَتَعبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَنفَعُكُم شَيئاً وَلاَ يَضُرٌّكُم * أُفّ لَّكُم وَلِمَا تَعبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ} [الأنبياء:66]، وقوله تعالى: {وَٱتلُ عَلَيهِم نَبَأَ إِبرٰهِيمَ * إِذ قَالَ لأِبِيهِ وَقَومِهِ مَا تَعبُدُونَ * قَالُوا نَعبُدُ أَصنَاماً فَنَظَلٌّ لَهَا عَـٰكِفِين * قَالَ هَل يَسمَعُونَكُم إِذ تَدعُونَ * أَو يَنفَعُونَكُم أَو يَضُرٌّونَ} [الشعراء:69-73]، وقوله تعالى: {وَٱتَّخَذُوا مِن دُونِهِ ءالِهَةً لاَّ يَخلُقُونَ شَيئاً وَهُم يُخلَقُونَ وَلاَ يَملِكُونَ لأنفُسِهِم ضَرّاً وَلاَ نَفعاً وَلاَ يَملِكُونَ مَوتاً وَلاَ حَيَـوٰةً وَلاَ نُشُوراً} [الفرقان:3]، وقال تعالى: {وَيَعبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَنفَعُهُم وَلاَ يَضُرٌّهُم وَكَانَ ٱلكَـٰفِرُ عَلَىٰ رَبّهِ ظَهِيراً} [الفرقان:55]، فنفى سبحانه عن هؤلاء المعبودين من دونه النفع والضر، القاصر والمتعدي، فلا يملكونه لأنفسهم ولا لعابديهم، وهذا في القرآن كثير، بيد أن المعبود لا بد أن يكون مالكا للنفع والضر، فهو يدعى للنفع والضر دعاء المسألة، ويدعى خوفا ورجاء دعاء العبادة، فعلم أن النوعين متلازمان، فكل دعاء عبادة مستلزم لدعاء المسألة، وكل دعاء مسألة متضمن لدعاء العبادة" - بدائع الفوائد (3/2-3).

أضف تعليق

هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع وهي وجهات نظر أصحابها

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply