من أسرار العمارة.. في المسجد النبوي


بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد: 

قال لي صديق ذات مرة مقولة استنبطها من كتاب الشيخ الحكيم مجاور البلد الأمين غالي بن محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله مقولة تكتب بماء الذهب ((إذا كان كل شيء في المسجد النبوي قد تغير فلا شك أن ذلك الفضاء لامس جسد النبي صلى الله عليه وسلم)) إن المسجد النبوي الشريف مر باهتمام كبير من الخلفاء والسلاطين والملوك المسلمين وقد حرص كل منهم على ان يأخذ شرف العناية به ولهم ذلك, وكثر فيه التميز المعماري والفن من نقوش وزخرفات قد جعلت بعض الناس يقولون أين الروحانية..!؟ هنا أجابهم ذلك الشيخ بتلك المقولة التي بدأت بها مقالي, وأيضاً فاجئنا فضيلة الشيخ عبدالرحمن السديس الرئيس العام لشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي حفظه الله عندما قُدم لإمامة المصلين لصلاة العشاء يوم الخميس الموافق 12/جمادي الأول/1435هـ وايضاً ذكر كلمة لامست قلوب كثير من المصلين, إذ قال عن المدينة المنورة ومسجدها الشريف: “اختارها الله عز وجل مهاجراً لرسوله صلى الله عليه وسلم وخصها بخصائص ومزايا ليست لغيرها فهي من الاقطار درتها ومن الامصار قرتها, هذه العرصات المنيفة درجت فيه النبوة وسار فيها اصحاب رسول صلى الله عليه وسلم خيار هذه الامة من المهاجرين ومن الانصار عليهم من الله الرحمة والرضوان, هذه البقعة الشريفة لها من المزايا والخصائص والفضائل والآداب ما ينبغي ان يعرفها كل مسلم.

إن الزائر للمسجد النبوي الشريف والطامع من الله الأجر والمغفرة بأن ينعم له بالصلاة في الروضة المطهرة الذي قال عنها المصطفى صلى الله عليه وسلم (ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة) رواه البخاري, وأن يُكرّم بعظيم الأجر لما ورد في الحديث الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام) رواه البخاري, وأن يُشرّف بزيارة الحبيب المصطفى نبي الرحمة وقرة العين محمد صلى الله عليه وسلم ومن ثم زيارة صاحبيه ووزيريه أبي بكر الصديق وعمر الفاروق رضي الله عنهم اجمعين, ودائماً ما يجول في خاطر الزائر ويسمو في مخيلته, اماكن تشرفت بخير البشر محمد صلى الله عليه وسلم وسار فيها هو وأصحابه , وفي كل زاوية بها حدث وتاريخ بل وفي بعض الاماكن نزل الروح الأمين جبريل عليه السلام بآيات محكمات من الله جل علاه إلى رسوله الأمين محمد صلى الله عليه وسلم وبها منزله صلى الله عليه وسلم, فمهما كتب الكتاب ودون المؤرخون ووصف الزائرون والرحالة عن هذا المكان وفن عمارته التي مرت عليها منذ عهد النبوة مروراً بالعهد الراشدي حتى العصر العثماني والعصر الحالي السعودي ادامه الله لنا سيكون هناك المزيد .

سيظل المسجد النبوي مُلهم الأسرار والروايات والأحداث لذلك حرص المعماريون في كثير من العهود على وضع العلامات التي يستطيع الزائر أن يستدل بها إن علمها, فالبناء المجيدي الذي بدأ سنة 1265هـ مازال جزء كبير منه قائماً وقد حافظت عليها توسعة ملوك المملكة العربية السعودية للمسجد النبوي على هذه العمارة التي بدأت منذ مائة وسبعون سنة تقريباً واستمرت 12 عاماً, وتفنن المعماريون في ذلك وهنا سنجول في بعض اسرار هذه العمارة مروراً بالتوسعة التي قامت تحت ظل ملوك الملكة العربية السعودية وسيكون تركزي في هذا المقال عن الناحية القبلية الجنوبية .

إن أثناء العمارة المجيدية قد روعي اختلاف أعمدة الواجهة الجنوبية عن الشمالية وذلك لارتباط جناح القبلة الجنوبي بمواضع منذ عهد الرسول صلى الله عليه وسلم والزيادات التي لحقت في السنة السابعة للهجرة , فقد ذكر صاحب كتاب المدينة المنورة وتطورها العمراني صالح لمعي أنه قد حرص المعماريون العثمانيون على عمل الأعمدة من الحجر الأحمر وغطيت بطبقة من الرخام المزخرف المزين بماء الذهب , فهذه الأعمدة –أساطين– لها بعد تاريخي واحداث ارتبطت بها ويذكر الشيخ غالي الشنقيطي صاحب الدر الثمنين في معالم دار الرسول الأمين صلى الله عليه وسلم هذه الأسطوانات :

1-              اسطوانة عائشة رضي الله عنها وهي تقع في وسط الروضة الشريفة وقد اتخذها النبي صلى الله عليه وسلم مصلى مدة شهرين بعد تغيير القبلة ثم تحول مكان مصلاه الى الأمام وأصبحت هذه الأسطوانة خلفه, فقد حرص المعماريون العثمانيون على توضيح هذه الاسطوانة فقد كتب عليها (هذه اسطوانة السيدة عائشة).

2-              اسطوانة الوفود وهي التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يستقبل عندها الوفود وتقع في الجهة الشرقية من الروضة المشرفة, شمال اسطوانة المحرس وقد كتب عليها المعماريون العثمانيون (هذه اسطوانة الوفود).

3-              اسطوانة الحرس أو المحرس وكانت تسمى اسطوانة علي بن أبي طالب رضي الله عنه لأنه كان يجلس عندها حارس للنبي صلى الله عليه وسلم وهي تقع في الجانب الشرقي من الروضة الشريفة وقد كتب عليها المعماريون العثمانيون (هذه اسطوانة الحرس).

4-              اسطوانة السرير وهي مكان اعتكافه صلى الله عليه وسلم وكان يوضع عندها سرير من جريد النخل والسعف وقد كتب عليها المعماريون العثمانيون (هذه اسطوانة السرير).

5-              اسطوانة التوبة أو اسطوانة أبي لبابة وهي التي ربط فيها أبي لبابة الأنصاري رضي الله عنه نفسه وقال والله لا افك هذا الأسر عن نفسي حتى يتوب الله علي ويحلني رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد كتب عليها المعماريون العثمانيون (هذه اسطوانة أبي لبابة وتعرف بالتوبة).

6-              الأسطوانة المُخلّقة أي المطيبة بطيب الخلوق وهي الملاصقة لمصلى النبي صلى الله عليه وسلم من جهة القبلة وقد كتب عليها المعماريون العثمانيون (هذه الأسطوانة المُخلُقة).

وقد ظلت هذه الدلالات التي كتبها المعماريون في العهد العثماني كما هي إلى الآن و قامت الدولة السعودية أثناء توسعة ملوكها بالمحافظة عليها وطلائها .

ومن عجيب ما قرأت أنه ذكر اللواء محمد صادق باشا في كتابه الرحلات الحجازية الذي زار المدينة في أول رحلة في نهاية القرن التاسع عشر إذ يقول: ”أخبرني محمود أفندي مهندس تعمير الحرم النبوي أنه لما اراد وضع العمود الذي بجانب باب الوفود من الحجرة نبت عند فتحت ثمانية أذرع, عين ماء أبيض في أشد الحلاوة وبخلاف ماء المدينة النبع, فإنه قيسوني ووجد لديه جذور نخل تخاطفها الحاضرون… وأرسل من الماء المذكور للأستانة العلية –استانبول– وسد على هذه العين بوضع الأساس الجديد وقد شاهدت قطعة من هذه الجذور.

أما بالنسبة لمنبر النبي محمد صلى الله عليه وسلم فقد أعاد صنعه السلطان مراد الثالث العثماني من الرخام وزخرفه بأجمل الزخارف وهو الموجود حالياً والذي يُخطب عليه الى اليوم أئمة المسجد النبوي فعمر هذا المنبر يعود لأكثر من أربعة قرون وما زال إلى الآن .

ويضم المسجد النبوي الشريف في حناياه منازل للصحابة الكرام عليهم رضوان الله دخلت ضمن المسجد النبوي كما ذكر الشنقيطي صاحب الدر الثمين منها :

1-              دار علي بن أبي طالب رضي الله عنه وهي حجرة فاطمة الزهراء رضي الله عنها شرق المسجد النبوي الشريف.

2-              دار ابي بكر الصديق رضي الله عنه من الناحية الغربية وله باب بإسمه رضي الله عنه شمال باب السلام ومكتوب عليه من الداخل (هذه خوخة سيدنا أبي بكر الصديق رضي الله عنه).

3-              دار عبدالله بن مسعود رضي الله عنه وكانت غرب دار ابي بكر الصديق رضي الله عنه .

4-              دار سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه وكانت تقع جنوب غرب دار ابي بكر الصديق رضي الله عنه .

5-              دور عبدالرحمن بن عوف رضي الله عنه والتي تقع شمال شرق المسجد النبوي الشريف والتي عرفت بالجنابذ.

6-              دار العباس بن عبدالمطلب رضي الله عنه الذي خطها النبي صلى الله عليه وسلم بيده وقد ادخلت ضمن المسجد النبوي الشريف, وتقع في قبلة المسجد النبوي .

وغيرها من الدور لصحابة الرسول صلى الله عليه وسلم ضمن توسعة المسجد النبوي الشريف على مر العصور وهناك من الأسرار التي سنذكرها في مقالات قادمة إن شاء الله فمهما بذلنا في سبر غور هذا المكان الطاهر سيظل الكثير, وودت أن اختم بأنه لابد على كل من حرص لمعرفة هذه الأسرار الغالية عن مسجد النبي محمد صلى الله عليه وسلم التي تتبعها الشيخ الأمين غالي بن محمد الأمين الشنقيطي, أن يقتني كتابه الموسوم (الدر الثمين في معالم دار الرسول الأمين صلى الله عليه وسلم) فهذا الكتاب يستحق أن يكون في منزلك .

 

وصلى الله وسلم على نبينا محمد والحمد لله رب العالمين

أضف تعليق

هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع وهي وجهات نظر أصحابها

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply