لا تتعلل


بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد: 

قرأت في ترجمة نابغة الخط التركي الشهير: محمد أسعد اليساري من نصه:

(وهو: محمد أسعد اليساري؛ نسبة إلى أنه كان يكتب بيبده اليسري، ولد في استانبول مصاباً بالشلل في جانبه الأيمن، وكان جانبه الأيسر هو الآخر مصاباً بالرعشة، فهو ذو بدن وصفه القدماء بأنه "عبرة القدر" ومع ذلك فقد استطاع بهذا الجسد العليل أن يفتح طريقاً جديداً في خط التعليق الفارسي.

ذهب ليتعلم فن الخط إلى أستاذ الخط المعروف ولي الدين أفندي؛ فنظر الإستاذ إليه، وحينما رأى حاله لم يتوسم فيه خيراً، فرفض طلبه؛ فتوجه اليسَّاري إلى أستاذ آخر، وبدأ يحضر دروسه، ويتعلم على يده، وحال انتهاء الأسبوع الأول من دراسته، أوقع أستاذه في حيرة، وحصل منه على الإجازة بجداره؛ حيث أقيم حفلٌ كبير بهذه المناسبة، وكان ممن حضروا مراسيم الإجازة الأستاذ ولي الدين أفندي الذي لم يكترث لحاله من قبل؛ فقال: آنذاك: {كنا سنحظى بهذا الشرف، فوا أسفاه لقد صاع من يدنا}.

وقال في مناسبة أخرى: {لقد أرسل الله هذا الرجل؛ ليحطم به أنوفنا}.

أصبح اليساري معلماً للخط في البلاط العثماني، ويعتبر أشهر من أجاد خط التعليق في الدولة العثمانية على الإطلاق بالرغم من أنه كان ضعيف الجثة، ضئيل الحجم، حتى إنهم كانوا يحملونه بهذا البدن العليل في سلة؛ لينقلونه من مكان إلى آخر، ولكنه مع التصميم، والإرادة، والهمة العالية أضحى ذكره خالداً ولامعاً في تاريخ هذه الفن العظيم).

قرأت هذه الترجمة، فأبهرني، ورأيت نماذج من خط ذلك الخطاط فرأيته آيةً في الإبداع، فأوحى لي ذلك بهذه الخاطرة، ألا وهي أن التعلل بالمعاذير، والتماس المسوغات من أعظم الأسباب التي معلق بها إخفاقنا، ونسوغ بها أخطاءنا، وعجزنا، وقعودنا.

وكثيراً ما تكون تلك المعاذير، والمسوغات مجرد أوهام لا حقيقة تحتها، فلا تزال تلك الأوهام تكبر شيئاً فشيئاً حتى تكون لنا سداً منيعاً، حجارتُه سوء الظن أحياناً، وتخذيل النفس أحياناً، والشك في النتائج والخوف من الإخفاق أحايين أخر.

وقد تكون تلك المعاذير حقيقة، كحال من يتعلل بقلة الذكاء، أو عدم النبوغ، وكحال من يتعلل بسوء الحظ، وقلة التوفيق، وبأن الظروف لم تواته، ولم تأت على وفق ما يريد، وكحال من يتعلل بتربيته الأولى، وأنه قد قُصِّر فيها، فلم يُوجَّه الوِجهة الصحيحة؛ فأخفق، ولم يعد قادراً على استدراك ما فات.

وكحال من يتعلل بالبيئة التي يعيش فيها، أو الصحبة التي ابتلي بها، وكحال من يتعلل بكبر سنه، أو مرضه، وضعف قواه، وقلة تحمله؛ فيسوغ بذلك قعوده وعجزه؛ فمثل تلك الأعذار والأعاليل قد تكون سبباً حقيقاً لدبنو الهمة؛ إلا أنه لا يليق بالعاقل أيستسلم لها، أو أن يسترسل معها؛ فمهما يكن من الشيء فإن الفرصة متاحة، وإن الباب لمفتوح على مصراعيه لمن أراد المعالي وسعى لها سعيها.

فالإنسان -بتوفيق الله، ثم بعزمه، وهمته، وتربيته لنفسه- قادر على التغلب على كثير من العقبات والصعاب.

وما الصعاب في هذه الحياة إلا أمور نسبية؛ فكل شيء صعب جداً عند النفوس الصغيرة جداً، ولا صعوبة عظيمة عند النفس العظيمة؛ فبينما النفس العظيمة تزداد عظمة بمغالبة الصعاب إذا بالنفوس الهزيلة تزداد سقماً بالفرار منها.

وإنما الصعاب كالكلب العقور؛ إذا رآك خفت منه وجريت نَبَحَكَ، وعدا وراءك، وإذا رآك تهزأ به، ولا تعيره اهتماماً أفسح الطريق لك، وانكمش في جلده منك..إلخ

وصلى الله وسلم على نبينا محمد والحمد لله رب العالمين

أضف تعليق

هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع وهي وجهات نظر أصحابها

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply