يا ابنتي


بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد: 

﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ ۚ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ والحمد لله القائل ﴿وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًاوصلى الله وسلم على عبده ونبيه محمد الذي قالَ عنهُ ربُّهُ ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ وبعدُ:

فيا أَيُّها الناسُ سَنتوجَّهُ بالحديثِ في هذه الخُطبةِ إن شاءَ اللهُ تعالى. لبناتِنَا فَلَذَاتُ أكبادِنا.

 أَبُنَيَّتي يا حُلوةَ الشَّمائلِ ... ويا شَذا الأزهارِ في الخمائل

قُرَّةُ العَينينِ يا ضَياءَهما ... يا وَردَةً تَـفْـتَــرُّ في غلائِــل

ابنتي، نحن الآباءُ، لقد فارقْنَا الشبابَ وودَّعنا أحلامَه وأوهامَه، لقد لقينا الناسَ وخبرنا الدنيا، فاسمعي منَّا كلمةً صحيحةً صريحةً من سِنيِّ حياتِنا وتجاربِنا، يا ابنتي، لقد دعا إلى تقويمِ الأخلاقِ ومحوِ الفسادِ وقهرِ الشهوات. ربُّ الأرضِ والسمواتِ. فقال في كتابه ﴿وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاء وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ وأمرَ به رسولٌ كريمٌ بالمؤمنينَ رؤوفٌ رحيم.

فعن أبي أُسيدٍ الأنصاري رضي الله عنه أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ يَقُولُ وَهُوَ خَارِجٌ مِنْ الْمَسْجِدِ فَاخْتَلَطَ الرِّجَالُ مَعَ النِّسَاءِ فِي الطَّرِيقِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلنِّسَاءِ "اسْتَأْخِرْنَ ـ أي عنِ الرجال ـ فَإِنَّهُ لَيْسَ لَكُنَّ أَنْ تَحْقُقْنَ الطَّرِيقَ ـ أي تَمشِينَ وَسْطَه ـ عَلَيْكُنَّ بِحَافَّاتِ الطَّرِيقِ ـ أي جوانبِه" فَكَانَتْ الْمَرْأَةُ تَلْتَصِقُ بِالْجِدَارِ حَتَّى إِنَّ ثَوْبَهَا لَيَتَعَلَّقُ بِالْجِدَارِ مِنْ لُصُوقِهَا بِهِ. رواه أبو داود والبيهقي في شعبِ الإيمان.  ودعا إليه آباءٌ. أفنوا حياتهم في حِفظكِ ورعايتِك، رفعوا أكف الضراعة وابتهلوا. ونادوا الله في الظُّلمِ وانتحبوا ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ

يا ابنتي.

لقد علَت مناداتُ خطباءِ الجُمع حتى بُحَّت أصواتهم. متمثلين قولَ الله في كتابه ﴿يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ وَكَتَبَ المُثقفونَ والأدباءُ حتى كلَّت منهم الأقلامُ ونَفِدَ المِداد. وحالُهم كما قالَ دُرَيدُ بنُ الصُّمةِ:   

بَذلتُ لهم نُصحي بِمُنعرَجِ اللِّوى  ...   فلم يَستبينوا النصحَ إلا ضُحَى الغَدِ

ونادى الغيورون حتى مَلَّتِ منهمُ الأسماع. حالهم كحال لَقِيطِ بنِ يَعمُرِ الأيادي. عندما قالَ مُحَذِّراً قومَهُ غزوَ كِسرَى لهم.       

هذا كتابي والنَذيرُ لكم  ...  لمن رأى رأيَه منكم ومن سَمِعا

وللأسف سَمِعنا مِن أَكثرِكُنَّ جَعْجَعْةً ولم نرى طِحْنَاً، بل إن المنكراتِ لَتزدَادُ والفسادُ ينتشر، والسفورُ والحُسورُ والتكشفُ تقوى شِرَّتُه، وتَتَّسِعُ دائرتُه، ويمتَدُّ من بلدٍ إلى بلدٍ حتى لم يبقَ بلدٌ إسلاميٌ في نجوةٍ منه. فمنها المُقِلُّ ومنها المستكثر. يا ابنتي. في بلدانٍ من المسلمين، كانت قبلَ عُقودٍ فيها المَلاءَةُ السابغة، وفيها الغُلوُّ في حفظِ الأعراضِ وسترِ العورات، قد خرجَ أكثرُ نسائها سافراتٍ حاسراتٍ كاشفاتٍ السواعدَ والنُّحور. فَسَلَّطَ اللهُ عليهم مَنْ يَسومُهم سوءَ العذاب. لأنهم أغضبوه. وغضبُ الجبارِ إذا نزلَ فلا تسألْ بعدها. قَذفٌ ومسخٌ وزلازلٌ ومِحَنٌ وإحَن وأمراضٌ وقلاقِلُ وتَفَرُقٌ وتَشَتُت.

ونحن يا ابنتي على الطريق. إلم يتداركنا اللهُ بلطفهِ وحِفظهِ، وما نجحَ أولئك الناصحُونَ في التحذيرِ والتخويف، وما أَظنُّ أنهم سينجحون، أتدرين لماذا. لأنهم لا يستطيعون صِناعةَ شيءٍ لا يملكون قَراره. فأنتِ تملكينَه وعندَكِ الحريةُ في سلوكهِ والدِّفاعِ عنه، إن بابَ الإصلاحِ أمامكِ أنتِ يا ابنتي. ومفتاحَهُ بيدك. فإذا آمنتِ بوجودهِ وعَمَلتِ على دُخوله. صَلُحَتِ الحال،

صحيحٌ يا ابنتي. أن الرجلَ هو الذي يخطو الخطوةَ الأولى في طريقِ الإثم. غالباً لا تخطوها المرأةُ أولاً. ولكن لولا رضاكِ ما أقدم. ولولا ليْنَكِ ما اشتَد. أنتِ فتحتِ له وهو الذي دخل، قُلتِ لِلّصِ تفضل. فلما سَرَقَكِ اللُّصُّ صرختِ أغيثوني. يا ناسُ سُرِقت. ولو عَرَفتِ أنَّ جُلَّ الرجالِ ذئابٌ وأنتِ النعجةُ. لَفَرَرتِ منهم فِرارَ النعجةِ من الذئب، وأنَّ أغلبَهم لصوصٌ. لاحترستِ منهم احتراسَ الشَّحيحِ من اللص. وإذا كان الذئبُ لا يريدُ من النعجةِ إلا لحَمَها. فالذي يريده منكِ الرجلُ أَعزُّ عليكِ من اللحمِ على النعجة، وشَرَّاً عليكِ من الموتِ عليها، يريدُ منكِ أعزَّ شيءٍ عليكِ. عَفَافَكِ الذي تَشرُفين، وبه تَفخَرِينَ، وبه تعيشينَ،

يا ابنتي.

حياةُ البنتِ التي فجَعَها الرجلُ بِعفافِها، أشدُّ عليها بمئةِ مرةٍ من الموتِ على النعجةِ التي فَجَعَهَا الذِئبُ بلحمها. إي والله، وما رأى شابٌ فتاةً إلاَّ جَرَّدَها بِخَيَالِهِ من ثِيابها ثم تَصوَّرَها بلا ثِياب. إي والله، أَحلفُ لكِ مرةً ثانية، ولا تُصدِّقِي ما يَقولُه بعضُ الرجال، من أَنَّهم لا يَرون في البنتِ إلا خُلُقَها وأدَبها، وأنهم يكلمونها كلامَ الرفيق، ويَوُدُّونَها وُدَّ الصديق، كَذِبٌ والله، ولو سمعتِ أحاديثَ الشبابِ في خلواتهم، لسمعتِ مَهولاً مُرعبا، وما يَبسُمُ لكِ الشابُّ بَسمةً، ولا يُلينُ لكِ كلمة، ولا يُقدِّمُ لكِ خِدمة، إلا وهي عِندَهُ تمهيدٌ لما يُريد، أو هي على الأقلِ إيهامٌ لنفسهِ أنها تمهيد.

أنسيتي أن الله جَعلكِ أُنثى وجَعلهُ ذكراً، وَرَكَّبَ في كلٍ منكما الميلَ إلى الآخر، فلا تستطيعين أنتِ ولا هو ولا أهلُ الأرضِ جميعاً، أن يُغيِّروا خِلقَة الله، وأنْ يُساووا بين الجنسين، أو أن يمحوا من نفوسهم هذا الميل. وماذا بعد. ماذا يا ابنتي. فَكِّرِي. تشتركانِ في لَذَّةِ ساعة، ثم يَنسَى هو، وتَظَلِّيَن أنتِ أبداً تتجرعين غُصَصَها، يمضي خفيفاً يُفتِّشُ عن مُغفلةٍ أخرى يَسرقُ منها عِرضَها، ويَنوءُ بكِ أنتِ ثُقلُ الحَملِ في بطنكِ، والهمُّ في نفسكِ، والوصمةُ على جبينكِ، يَغفِرُ له هذا المجتمعُ الظالم، ويقولُ شابٌ ضَلَّ ثم تاب، وتَبْقَينَ أنتِ في حمأة الخزيِّ والعارِ طُولُ الحياة، لا يَغفرُ لكِ المجتمعُ أبدا. ولو أنَّكِ إذ لَقِيْتِهِ نَصَبتِ له دينَكِ، وزَوَيتِ عنه بَصركِ، وأريتِهِ الحزمَ والإعراض. فإذا لم يَصرِفُهِ عنكِ هذا الصَّد، وإذا بَلَغَتْ به الوقاحةُ أن ينالَ منكِ بلسانٍ أو يد، صرختي بوجهه. وأعلنتِ للناسِ عظيمَ جُرمِه. لو أنكِ فعلتِ هذا، لرأيتِ مِنْ كُلِّ مَنْ يَمُرُّ في الطريقِ عوناً لكِ عليه، ولَمَا جَرُؤَ بعدها فاجرٌ على ذاتِ سِوار، ابنتي. والبنتُ مهما بلغت من المنزلةِ والغِنى والشُّهرةِ والجاه، لا تجدُ البنتُ أمَلها الأكبرَ وسعادتَها إلا في الزواج، في أن تكون زوجاً صالحة، وأُمَّاً مُوَقَّر، ورَبَةَ بيتٍ. سواءُ في ذلك المَلِكاتُ والأميرات، أو مُمثلاتٌ أو مقدِّماتُ الأخبار. ذواتُ الشُّهرةِ والبريقِ. اللاتي يَخدَعنَ كثيراتٍ من النساء في القنوات.

يا ابنتي.

الزواجُ أقصى أمانيُّ المرأةِ ولو صارت عُضوَةَ البرلمان وصاحبةَ السلطان، والفاسقةُ المستهترةُ لا يتزوجُها أحد، حتى الذي يُغوي البنتَ الشريفةَ بوعدِ الزواجِ إن هي غوتْ وسقطتْ تركها وذهب. فإذا أرادَ الزواجَ تَزَوَّجَ غيرَها من الشريفاتِ لأنه لا يرضى أن تكون رَبَّةُ بيتهِ وأمُّ بنتهِ امرأةٌ ساقطة. والرجلُ وإن كان فاسقاً داعرا. إذا لم يجد في سُوقِ اللَّذات. بنتاً ترضى أن تُريقَ كرامتَها على قدميه. وأن تكون لُعبَةً بين يديه. إذ لم يجدِ البنتَ الفاسقة. أو البنتَ المُغفلة. التي تُشارِكُهُ في الزواجَ على دينِ إبليس. وشَرِيعةِ القِطَط. طَلَبَ مَنْ تكونُ زوجتُه على سُنَةِ الإسلام. فكسادُ سوقُ الزواجِ مِنكُن. يا بنات. لو لم يكن مِنكُنَّ الفاسقاتُ ما كَسَدَتْ سُوقُ الزواجِ ولا رَاجتْ سُوقُ الفُجور، فلماذا لا تعملُ شَريفاتُ النساءِ على مُحاربةِ هذا البلاء. أَنتُنَّ أولى به وأقدرُ عليه مِنَّا لأَنَّكُنَّ أعرفُ بِلسانِ المرأةِ وطُرُقِ إفهامِها. ولأنه لا يذهبُ ضحيةَ هذا الفسادِ إلا أنتن.

يا ابنتي.

إنَّ البناتِ العفيفاتِ الشريفات. البناتِ الصيّناتِ الديّناتِ في كلِّ بيتٍ من بيوتنا. بناتٌ في سِنِّ الزواجِ لا يجدنَ زوجاً، لأن بعضاً من الشبابِ وجدوا من الخليلاتِ ما يُغني عن الحَلِيلات، وهذا متفشِّي في بلادِ المسلمين. وفي بلادنا بدأت معَالِمُهُ تظهر للناظر فلسنا بمعزلٍ عن غيرنا. فَكُلُّنَا لآدمُ وآدمُ من تُراب. وليس بيننا وبين الله واسِطة. فيا معشر الداعياتِ العابداتِ الغَيُورات. مِن الأديباتِ والمتعلمات. ومُدرِّساتِ البناتِ والطالبات. تَعَبَدنَ اللهَ في رَدِّ أخواتِكُنَّ الضالاتِ إلى الجادة، خَوُّفُهُنَّ الله، فان كُنَّ لا يَخَفنَهُ فحَذِّرُهن المرضَ والعار، فان كُنَّ لا يَحذرنَهُ فخاطِبُهنَّ بِلِسَانِ الواقع، قُلْنّ لَهنَّ. إذا وَلَّى عن المرأةِ الجمالُ. ولَّى عنها الذَّئاب، كما تُوَلِّي الكلابُ عن الجيفةِ التي لم يبقَ فيها مُزعةُ لحم. إنَّكُنَّ صبايا جميلاتٍ فلذلكَ يُقبِلُ عليكنَّ الشبابُ ويحومُونَ حَولَكُنَّ. ولكن هل يدومُ عَلَيكُنَّ الصِّبا والجمال. ومتى دامَ في الدنيا شئٌ حتى يدومَ على الصَّبِيَّةِ صِبَاها وعلى الجميلةِ جمالُها. فكيف يَكُنْ إذا صِرتنَّ عجائزَ مُنحنِياتِ الظهور. مُجعّداتِ الوجوه. من يَهتمُّ يومئذٍ بِكُنَّ ومن يسألُ عنكن. أتعرِفْنَ من يهتم بالعجوزِ ويُكرمُها ويُوقِرها. أولادُها وبناتُها وحفدُتها وحفيداتُها، هناك تكونُ عجوزاً ملكةً في رعيتها. ومُتَوجةً على عرشِها على حينٍ تكونُ الأخرى. أَنتُنَّ أَعرفُ بما تكون عليه. فهل تساوي هذه اللذةُ تلكَ الآلام. وهل تُشتَرَي بهذهِ البدايةِ تلكَ النهاية. وأمثالُ هذا الكلامِ لا تَحْتَجنَ إلى مَن يَدُلُّكُنَّ عليه، ولا تَعدَمْنَ وسيلةً إلى هدايةِ أخواتِكِنِّ المسكيناتِ الضالات، فإن لم تستطعنَ ذلك مَعَهُنَّ فاعْمَلْنَ على وِقَايَةِ المسلماتِ من مَرَضِهنَّ، والناشئاتِ الغافلات. من أن يَسلُكنَ طَرِيقِهنَّ. وأنا لا أطلبُ مِنكنَّ أن تَعُدنَ بالمرأةِ المسلمةِ اليوم. بوثبةٍ واحدةٍ إلى مثلِ ما كانت عليه المرأةُ المسلمةُ حقا، لا، وإني لأعلمُ أن الطَّفرةَ مستحيلةٌ في العادة، ولكن أن تَرجِعنَ إلى الخيرِ خطوةٌ خطوة. مع ما يواجِهُكُنَّ من الأمواجِ المُتلاطمة. حَربٌ إعلاميةٌ عالميةٌ مُتَفَحِّشَة. وقنواتٌ داعرةٌ مدروسة، ومُنحلُّون وفُسَّاق، وعملاءٌ ومنافقون مُندَسُّون، وعَلمانيون ولبراليونَ يَحُوكُون. فكان اللهُ في عَونِكُنَّ ونَصَرَكُنَّ. اللهم احفظ علينا ديننا. وأدم الستر على بناتنا. أقول ما تسمعون...

 

الحمد لله وكفى والصلاة والسلام على عبده الذي اصطفى... وبعد:

يا دُرَّةً. حُـــفِّـــظَـــت بِالأَمْـــسِ غَــالِـــيَـــةً ... وَاليَوْمَ يَبْغُونَهَا. لِلِهَـــوِ وَالَلَـــعِـــبِ

يا حُـــرَّةً. قَـــدْ أَرَادُوا جَعْـــلَـــهَـــا أَمَـــــةً ... غَرِيْبَـــةَ اْلعَقْــلِ. غَرِيْبَــةَ اْلنَسَــبِ

هَلْ يَسْتَوِي مَنْ رَسُـوْلُ اللهِ قَائِــدُهُ دَوْمـــاً ... وَآَخَـــرُ هَادِيْـــهِ أَبُـــو لَهَـــبِ

وَأَيْنَ مَــنْ كَانَـــتِ اْلزَهْـــرَاءُ أُسْوَتَهَـــا ... مِمَنْ تَقَفَّتْ خُطَى حَمَّالَـةَ اْلحَطَـــبِ

فَــلا تُبَـــالِي بِـمَــــا يُلْقُـــونَ مِن شُبَــــهٍ ... وَعِنْدَكِ اْلعَقلُ إن تَدْعِيهِ يَسْتَجِبِ

سَلِّيهِ مَنْ أَنَا. مَنْ أَهْلِي. لِمَنْ نَسَبِي ... لِلغَرْبِ. أَمْ أَنَا لِلإِسْــلامِ وَاْلعُـــرْبِ

لِمَــــنْ وَلائِي. لِمَنْ حُبِي. لِمَنْ عَمَلِي ... للهِ أَمْ لـــِدُعَـــاةِ اْلإثْـــــمِ وَاْلـــكَـــذِبِ

هُمَا سَبِيلانِ يَا أُخْتَـــاه مَـــالَـــهُـــمَـــا ... مِنْ ثَالِثٍ. فَاكْسَبِي خَيِّراً أَوْ اْكْتَسِبِي

يا أولياءَ البناتِ من آباءٍ وأمهاتٍ يا من تَودُّونَ الجنة. إن الدِّيكَينِ إذا اجتمعا على الدجاجةِ اقتتلا غَيْرةً عليها وذوداً عنها، كيف تَرضَون لبناتِكم أن يراهُنَّ الأجنبي. بلبسِ العباياتِ الُمخصراتِ أو المطرزاتِ أو المفتوحات. فتنكشفُ الساقينِ العاريتين. ولا يُنكرُ ذلك الآباءُ والأمهاتُ المسلمات،

يا ابنتي.

إن دعاةَ المساواةِ والاختلاطِ باسمِ المدنيَّةِ قومٌ كذَّابونَ خدَّاعون. كذَّابونَ لأنهم ما أرادوا من هذا كلِّهِ إلا إمتاعَ جَوَارِحهم، وإرضاءَ مُيولِهم، وإعطاءَ نفوسِهم حَظَّها من لذَّةِ النظر، وما يأَملُون به من لذائذَ أُخر، وخدَّاعونَ لأنهم لم يجدوا الُجرأةَ على التصريحِ به، فَلَبَّسُوه بهذا الذي يَهرُفُون به من هذه الألفاظِ الطَّنَّانَة، التي ليس وراءَها شيء. باسمِ التَّقدُّمية، والتَّمدُّن، ولكنْ واللهِ حالُهم كَمَثَلِ من شبَّهَهَ النبيُ صلى الله عليه وآله وسلم في الحديثِ الذي رواهُ الإمامُ البخاريُّ في كِتابِ الفتن بقولهِ "يَكُونُ دُعَاةٌ عَلَى أَبْوَابِ جَهَنَّمَ, مَنْ أَجَابَهُمْ إِلَيْهَا قَذَفُوهُ فِيهَا" فقالَ حذيفةُ رضي الله عنه يَا رَسُولَ اللَّهِ, صِفْهُمْ لَنَا, قَالَ "هُمْ قَوْمٌ مِنْ جِلْدَتِنَا, يَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَتِنَا" قُلْتُ فَمَا تَأْمُرُنِي إِنْ أَدْرَكَنِي ذَلِكَ. قَالَ "فَالْزَمْ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ وَإِمَامَهُمْ, فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ جَمَاعَةٌ وَلَا إِمَامٌ, فَاعْتَزِلْ تِلْكَ الْفِرَقَ كُلَّهَا, وَلَوْ أَنْ تَعَضَّ بِأَصْلِ شَجَرَةٍ حَتَّى يُدْرِكَكَ الْمَوْتُ, وَأَنْتَ كَذَلِكَ"

إذاً يا ابنتي. هم يُريدونَ أنْ نصبحَ كغِيِرنا. الرَّقصُ والخلاعةُ والاختلاط، والتَّكشُفُ والعُرِيُّ على السواحل، في أوروبا وفي أمريكا،

يا ابنتي كما قرأنا وحُدِّثنا ممن ذهبَ إليهما، أسرٌ كثيراتٌ لا ترضى بهذا الاختلاطِ ولا تُسيغُه، وإنَّ في باريسَ آباءٌ وأمهاتٌ لا يَسمحونَ لبناتِهم الكبيراتِ أن يَسِرْنَ مع الشاب، أو يَصحبنه، بل هم لا يُدخُلُونَهنَّ إلاَّ إلى رواياتٍ عَرفوها، وأيقنوا بسلامَتِها من الفُحشِ والفجور، نَعَقُوا بقولهم. إن الاختلاطَ يَكسِرُ شِرَّةَ الشهوة، ويُهذِّبُ الخُلُق، ويَنزِعُ من النَّفسِ هذا الجنونَ الجنسي، كذبوا والله. روسيا التي لا تَعُودْ إلى دين، ولا تَسمعُ رأيَ شَيخٍ ولا قِسيِّس، نادى عُقلاؤهم في عقودٍ مَضَتْ إلى الرجوعِ عن هذه التَّجرُبةِ لَّمَا رأتْ فَسَادها. وأميركا، ألم تَقرَأْنَ أن من جُملةِ مشاكلِ أمريكا مُشكلةِ ازديادِ نسبةِ الحاملاتِ من الطالبات. فَمَنْ يَسُرُّهُ أن يكونَ في جامعاتِ بلادِ الإسلامِ مثلَ هذهِ المُشكلة. وأنا وأنتَ أخِي الكريمُ وغَيرُنا لا نُخاطبُ الشبابَ الذين حَكَّموا شهواتَهم الجَامِحَةَ على دينِهم وعقولِهم وعاداتِهم، ولا أَطْمُعُ في أن يسمعوا لنَا، وأنا أَعلمُ أنهم قد يَردُّونَ عليَّ وعلى غيري ويُسَفِّهونَ رأَينا، لأَننا نَحرُمَهم من لذائذَ ما صَدَّقُوا أنَّهم قد وصلوا إليها حقا، ولكنْ أُخَاطِبُكُنَّ أَنْتُنَّ يا بناتي. يا بُنيَّاتِي المؤمنات الدَّيِّنات، يا بُنيَّاتِي الشريفات العفيفات، إنَّهُ لا يكونُ الضحيةُ إلا أنتن، فلا تُقَدِّمنَ نُفُوسَكُنَّ ضحايا على مَذبحِ إبليس، لا تَسمَعنَ كلامَ هؤلاء الذين يُزَيِّنُونَ لَكُنَّ حياةَ الاختلاطِ. باسمِ الحُريَّةِ والمدنيَّةِ والتقدُميَّةِ والفنِّ والحياةِ الجامعية، فإنَّ أكثرَ هؤلاءِ الملاعينَ لا زوجةَ لهُ ولا ولد، ولا يَهُمُّهُ مِنكُنَّ جميعاً إلا الَّلذَّةَ العارضة، أما أنا وغيري من الآباِ فإنَّنا آباءُ بنات، فإنَّنا حين نُدافعُ عنكنَّ نُدافعُ عن بناتِنا، ونحنُ نُريدُ لَكُنَّ من الخيرِ ما نُريِدُهُ لهن.

هذه نصيحتي إليكِ يا ابنتي.

وهذا هو الحقُّ فلا تسمعي غيرَه، واعلمي أنَّ بيدكِ أنتِ، لا بأيدينا معشرَ الرجال، بيدكِ مفتاحَ بابِ الإصلاح، فإذا شِئتِ أصلحتِ نفسكِ وأصلحتِ بصلاحِكِ الأمةَ كُلَّها. اللهم وعليك بدعاة التغريب والفساد. اللهم وعليك بدعاة العُريِّ والرَّذيلة. اللهم إنَّ هذا البلد. قام على التوحيد. والدعوةِ إليه. وحِفظِ جنابهِ من الشركِ والبدعِ والخنا. اللهم من أراد أن به سوءاً أو بحكامهِ أو بنا. فأشغله في نفسه. وأنزل به عقوبةً كعقوبةِ مَنْ سبقوه من الفراعنة والأكاسرة يا رب العالمين...

 

وصلى الله وسلم على نبينا محمد والحمد لله رب العالمين

أضف تعليق

هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع وهي وجهات نظر أصحابها

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply