قواعد في الصبر على أذى الآخرين
الموقع بلغة الأرقام 13-11-2018
  1. الرئيسية
  2. المقالات
  3. قواعد في الصبر على أذى الآخرين
قواعد في الصبر على أذى الآخرين

قواعد في الصبر على أذى الآخرين

تاريخ النشر: 17 ربيع الثاني 1441 (2019-12-15)

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:  

أربعة عشر قاعدة ذكرها شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في الصبر على أذى الآخرين .

قال -رحمه الله-:

ومما يعين العبد على هذا الصبر عدة أشياء:

أحدها: أن يشهد أن الله سبحانه وتعالى خالق أفعال العباد، حركاتهم وسكناتهم وإراداتهم، فما شاء الله كان، ومالم يشأ لم يكن، فلا يتحرك في العالم العلوي والسفلي ذرة إلا بإذنه ومشيئته، فالعباد آلة، فانظر إلى الذي سلطهم عليك، ولا تنظر إلى فعلهم بك، تسترح من الهم والغم .

 

الثاني: أن يشهد ذنوبه، وأن الله إنما سلطهم عليه بذنبه ﴿وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير‏﴾ فإذا شهد العبد أن جميع ما يناله من المكروه فسببه ذنوبه، اشتغل بالتوبة والاستغفار من الذنوب التي سلَّطهم عليه بسببها، عن ذمهم ولومهم والوقيعة فيهم .

 

الثالث: أن يشهد العبد حسن الثواب الذي وعده الله لمن عفا وصبر ﴿فمن عفا وأصلح فأجره على الله‏﴾ .

 

الرابع: أن يشهد أنه إذا عفا وأحسن أورثه ذلك من سلامة القلب لإخوانه، ونقائه من الغش والغل وطلب الانتقام وإرادة الشر، وحصل له من حلاوة العفو ما يزيد لذته ومنفعته عاجلاً وآجلًا، على المنفعة الحاصلة له بالانتقام أضعافًا مضاعفة .

 

الخامس: أن يعلم أنه ما انتقم أحد قط لنفسه إلا أورثه ذلك ذُلًا يجده في نفسه، فإذا عفا أعزه الله تعالى، وهذا مما أخبر به الصادق المصدوق حيث يقول «ما زاد  الله عبدًا بعفو إلا عزًا » . فالعز الحاصل له بالعفو أحب إليه وأنفع له من العز الحاصل له بالانتقام .

 

السادس: -وهي من أعظم الفوائد-: أن يشهد أن الجزاء من جنس العمل، وأنه نفسه ظالم مذنب، وأن من عفا عن الناس عفا الله عنه، ومن غفر لهم غفر الله له.. فإذا شهد أن عفوه عنهم وصفحه وإحسانه مع إساءتهم إليه سبب لَأن يجزيه الله كذلك من جنس عمله، فيعفو عنه ويصفح، ويحسن إليه على ذنوبه، ويسهل عليه عفوه وصبره، ويكفي العاقل هذه الفائدة .

 

السابع: أن يعلم أنه إذا اشتغلت نفسه بالانتقام وطلب المقابلة ضاع عليه زمانه، وتفرق عليه قلبه، وفاته من مصالحه ما لا يمكن استدراكه، ولعل هذا أعظم عليه من المصيبة التي نالته من جهتهم، فإذا عفا وصفح فرغ قلبه وجسمه لمصالحه التي هي أهم عنده من الانتقام .

 

الثامن: ما انتقم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لنفسه قط، فإذا كان هذا خير خلق الله وأكرمهم على الله لم ينتقم لنفسه، مع أن أذاه أذى الله، ويتعلق به حقوق الدين، ونفسه أشرف الأنفس وأزكاها وأبرها، وأبعدها من كل خلق مذموم، وأحقها بكل خلق جميل، ومع هذا فلم يكن ينتقم لها، فكيف ينتقم أحدنا لنفسه التي هو أعلم بها وبما فيها من الشرور والعيوب، بل الرجل العارف لا تساوي نفسه عنده أن ينتقم لها، ولا قدر لها عنده يوجب عليه انتصاره لها .

 

التاسع: أن يشهد معيَّة الله معه إذا صبر، ومحبة الله له إذا صبر، ورضاه.. ومن كان الله معه دفع عنه أنواع الأذى والمضرات ما لا يدفعه عنه أحد من خلقه ﴿واصبروا إنَّ الله مع الصابرين‏﴾، وقال تعالى: ﴿والله يحب الصابرين‏﴾ .

 

العاشر: أن صبره على من آذاه واحتماله له يوجب رجوع خصمه عن ظلمه، وندامته واعتذاره، ولوم الناس له، فيعود بعد إيذائه له مستحييًا منه نادمًا على ما فعله، بل يصير مواليًا له .. وهذا معنى قوله تعالى: ﴿ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم * وما يُلقَّاها إلا الذين صبروا وما يُلقَّاها إلا ذو حظ عظيم‏﴾ .

 

الحادي عشر: ربما كان انتقامه ومقابلته سببًا لزيادة شر خصمه، وقوة نفسه، وفكرته في أنواع الأذى التي يوصلها إليه، كما هو المشاهد.. فإذا صبر وعفا أمِنَ من هذا الضرر، والعاقل لا يختار أعظم الضررين بدفع أدناهما.. وكم قد جلب الانتقام والمقابلة من شر عجز صاحبه عن دفعه، وكم قد ذهبت نفوس ورئاسات وأموال لو عفا المظلوم لبقيت عليه .

 

الثاني عشر: أن من اعتاد الانتقام ولم يصبر لا بد أن يقع في الظلم، فإن النفس لا تقتصر على قدر العدل الواجب لها، لا علمًا ولا إرادة، وربما عجزت عن الاقتصار على قدر الحق، فإن الغضب يخرج بصاحبه إلى حد لا يعقل ما يقول ويفعل، فبينما هو مظلوم ينتظر النصر والعز، إذ انقلب ظالمًا ينتظر المقت والعقوبة .

 

الثالث عشر: أن هذه المظلمة التي ظلمها هي سبب إما لتكفير سيئته، أو رفع درجته، فإذا انتقم ولم يصبر لم تكن مكفرة لسيئته ولا رافعة لدرجته .

 

الرابع عشر: أنه إذا عفا وصفح كانت هذه حسنة، فتولد له حسنة أخرى، وتلك الأخرى تولد له أخرى، وهلُمَّ جرَّا، فلا تزال حسناته في مزيد .. فإن من ثواب الحسنة الحسنة، كما أن من عقاب السيئة السيئة بعدها .. وربما كان هذا سببًا لنجاته وسعادته الأبدية ، فإذا انتقم وانتصر زال ذلك . 

جامع المسائل | ( 1 / 168، 174 ). باختصار

 

وصلى الله وسلم على نبينا محمد والحمد لله رب العالمين

إضافة تعليق

التعليقات المقتضبة أو تلك التى لا تتعلق بموضوع المحاضرة أو الأسئلة أو التعليقات بغير اللغة العربية ستحذف تلقائيا
تم إرسال التعليق بنجاح و سيظهر في الموقع بعد مراجعته و الموافقة على نشره
العلماء والدعاة التصنيفات