وقفات مع القاعدة القرآنية إن خير من استأجرت القوي الأمين


 بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

هذه القاعدة من أجل وأعظم قواعد القرآن الكريم وفيها ضوابط اختيار من هو أهل للقيام بأي عمل كان، والله أسأل أن ينفع بها.

- الوقفة الأولى:

في دلالة الآية على أنه ينبغي اختيار القوي في أداء أي عمل كان، صغيرا أو كبيرا، والقوة في هذه الآية معناها القدرة على أداء أنواع الأعمال من الإجارة وغيرها على الوجه الصحيح.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: والقوة في كل ولاية بحسبها، فالقوة في إمارة الحرب ترجع إلى شجاعة القلب، وإلى الخبرة بالحروب، والمخادعة فيها، فإن الحرب خدعة، وإلى القدرة على أنواع القتال: من رمي وطعن وضرب، وركوب وكر وفر، ونحو ذلك، كما قال تعالى: {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل} وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (ارموا واركبوا، وأن ترموا أحب إلي من أن تركبوا، ومن تعلم الرمي ثم نسيه فليس منا)

وفي رواية: (فهي نعمة جحدها) رواه مسلم، والقوة في الحكم بين الناس، ترجع إلى العدل الذي دل عليه الكتاب والسنة، وإلى القدرة على تنفيذ الأحكام.

السياسة الشرعية( ص،٢٠).

 

- الوقفة الثانية:

في دلالة الآية على أنه لا يكتفى بالخبرة والقوة، وإنما لا بد من الأمانة التي هي ضد الخيانة.

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: والأمانة ترجع إلى خشية الله، وألا يشتري بآياته ثمنا قليلا، وترك خشية الناس، وهذه الخصال الثلاث التي اتخذها الله على كل حكم على الناس، في قوله تعالى: {فلا تخشوهم واخشون ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا}، {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون}

ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: (القضاة ثلاثة: قاضيان في النار، وقاض في الجنة، فرجل علم الحق وقضى بخلافه، فهو في النار، ورجل قضى بين الناس على جهل، فهو في النار، ورجل علم الحق وقضى به، فهو في الجنة) رواه أهل السنن.

والقاضي اسم لكل من قضى بين اثنين وحكم بينهما، سواء كان خليفة أو سلطانا، أو نائبا، أو واليا، أو كان منصوبا ليقضي بالشرع، أو نائبا له، حتى يحكم بين الصبيان في الخطوط، إذا تخايروا، هكذا ذكر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: وهو ظاهر.

السياسة الشرعية(ص،٢٣).

 

-الوقفة الثالثة:

مسائل متعلقة بهذه القاعدة:

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: اجتماع القوة والأمانة في الناس قليل، ولهذا كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: اللهم أشكو إليك جلد الفاجر، وعجز الثقة، فالواجب في كل ولاية، الأصلح بحسبها.

فإذا تعين رجلان أحدهما أعظم أمانة، والآخر أعظم قوة، قدم أنفعهما لتلك الولاية: وأقلهما ضررا فيها، فيقدم في إمارة الحرب الرجل القوي الشجاع، وإن كان فيه فجور فيها، على الرجل الضعيف العاجز، وإن كان أمينا، كما سئل الإمام أحمد: عن الرجلين يكونان أميرين في الغزو، وأحدهما قوي فاجر والآخر صالح ضعيف، مع أيهما يغزو؟ فقال: أما الفاجر القوي، فقوته للمسلمين، وفجوره على نفسه، وأما الصالح الضعيف فصلاحه، لنفسه، وضعفه على المسلمين، فيغزي مع القوي الفاجر.

وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر)

وروي (بأقوام لا خلاق لهم). فإذا لم يكن فاجرا، كان أولى بإمارة الحرب مما هو أصلح منه في الدين، إذا لم يسد مسده.

ولهذا ( كان النبي صلى الله عليه وسلم، يستعمل خالد بن الوليد على الحرب، منذ أسلم، وقال: إن خالدا لسيف سله الله على المشركين) مع أنه أحيانا كان قد يعمل ما ينكره النبي صلى الله عليه وسلم، حتى إنه - مرة - رفع يديه إلى السماء وقال: (اللهم إني أبرأ إليك مما فعل خالد).

لما أرسله إلى خزيمة فقتلهم، وأخذ أموالهم بنوع شبهة، ولم يكن يجوز ذلك، وأنكره عليه بعض من معه من الصحابة، حتى وداهم النبي صلى الله عليه وسلم وضمن أموالهم، ومع هذا فما زال يقدمه في إمارة الحرب ; لأنه كان أصلح في هذا الباب من غيره، وفعل ما فعل بنوع تأويل.

وكان أبو ذر رضي الله عنه، أصلح منه في الأمانة والصدق، ومع هذا فقال له النبي صلى الله عليه وسلم (يا أبا ذر إني أراك ضعيفا، وإني أحب لك ما أحب لنفسي: لا تأمرن على اثنين، ولا تولين مال يتيم). رواه مسلم.

نهى أبا ذر عن الإمارة والولاية ; لأنه رآه ضعيفا.

مع أنه قد روي: (ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء، أصدق لهجة من أبي ذر)

(أمر النبي صلى الله عليه وسلم مرة عمرو بن العاص في غزوة ذات السلاسل استعطافا لأقاربه الذين بعثه إليهم، على من هم أفضل منه، وأمر أسامة بن زيد، لأجل ثأر أبيه).

ولذلك كان يستعمل الرجل لمصلحة، مع أنه قد كان يكون مع الأمير من هو أفضل منه، في العلم والإيمان.

 

وهكذا أبو بكر خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم رضي الله عنه ما زال يستعمل خالدا في حرب أهل الردة، وفي فتوح العراق والشام، وبدت منه هفوات كان له فيها تأويل، وقد ذكر له عنه أنه كان له فيها هوى، فلم يعزله من أجلها، بل عتبه عليها لرجحان المصلحة على المفسدة، في بقائه، وأن غيره لم يكن يقوم مقامه; لأن المتولي الكبير، إذا كان خلقه يميل إلى اللين، فينبغي أن يكون خلق نائبه يميل إلى الشدة، وإذا كان خلقه يميل إلى الشدة، فينبغي أن يكون خلق نائبه يميل إلى اللين، ليعتدل الأمر

ولهذا كان أبو بكر الصديق رضي الله عنه، يؤثر استنابة خالد، وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه، يؤثر عزل خالد، واستنابة أبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنه ; لأن خالدا كان شديدا، كعمر بن الخطاب، وأبا عبيدة كان لينا كأبي بكر، وكان الأصلح لكل منهما أن يولي من ولاه، ليكون أمره معتدلا، ويكون بذلك من خلفاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي هو معتدل، حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم: {أنا نبي الرحمة أنا نبي الملحمة}.

وقال: (أنا الضحوك القتال).

وأمته وسط قال تعالى فيهم: {أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا} وقال تعالى: {أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين}.

ولهذا لما تولى أبو بكر وعمر رضي الله عنهما صارا كاملين في الولاية، واعتدل منهما ما كان ينسبان فيه إلى أحد الطرفين في حياة النبي صلى الله عليه وسلم من لين أحدهما وشدة الآخر، حتى قال فيهما النبي صلى الله عليه وسلم: ( اقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعمر ).

وظهر من أبي بكر من شجاعة القلب، في قتال أهل الردة وغيرهم، ما برز به علي وعمر وسائر الصحابة، رضي الله عنهم أجمعين.

وإن كانت الحاجة في الولاية إلى الأمانة أشد، قدم الأمين مثل حفظ الأموال ونحوها، فأما استخراجها وحفظها، فلا بد فيه من قوة وأمانة، فيولى عليها شاد قوي يستخرجها بقوته، وكاتب أمين يحفظها بخبرته وأمانته.

وكذلك في إمارة الحرب، إذا أمر الأمير بمشورة أولي العلم والدين جمع بين المصلحتين وهكذا في سائر الولايات إذا لم تتم المصلحة برجل واحد، جمع بين عدد، فلا بد من ترجيح الأصلح، أو تعدد المولى، إذا لم تقع الكفاية بواحد تام.

ويقدم في ولاية القضاء، الأعلم الأورع الأكفأ، فإن كان أحدهما أعلم، والآخر أورع، قدم - فيما قد يظهر حكمه، ويخاف فيه الهوى الأورع، وفيما يدق حكمه، ويخاف فيه الاشتباه: الأعلم.

ففي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: (إن الله يحب البصر النافذ، عند ورود الشبهات، ويحب العقل عند حلول الشهوات).

ويقدمان على الأكفأ، إن كان القاضي مؤيدا تأييدا تاما، من جهة والي الحرب، أو العامة ويقدم الأكفأ. إن كان القضاء يحتاج إلى قوة، وإعانة القاضي، أكثر من حاجة إلى مزيد العلم والعلم، فإن القاضي المطلق، يحتاج أن يكون عالما عادلا قادرا

بل وكذلك كل وال للمسلمين، فأي صفة من هذه الصفات نقصت، ظهر الخلل بسببه، والكفاءة: إما بقهر ورهبة وإما بإحسان ورغبة، وفي الحقيقة فلا بد منهما.

وسئل بعض العلماء: إذا لم يوجد من يولى القضاء، إلا عالم فاسق أو جاهل دين فأيهما يقدم؟ فقال: إن كانت الحاجة إلى الدين أكثر لغلبة الفساد، قدم الدين وإن كانت الحاجة إلى الدين أكثر لخفاء الحكومات قدم العالم.

وأكثر العلماء يقدمون ذا الدين فإن الأئمة متفقون على أنه لا بد في المتولي من أن يكون عدلا أهلا للشهادة واختلفوا في اشتراط العلم هل يجب أن يكون مجتهدا، أو يجوز أن يكون مقلدا، أو الواجب تولية الأمثل فالأمثل كيفما تيسر؟ على ثلاثة أقوال وبسط الكلام على ذلك في غير هذا الموضع

ومع أنه يجوز تولية غير الأهل للضرورة، إذا كان أصلح الموجود، فيجب مع ذلك السعي في إصلاح الأحوال، حتى يكمل في الناس ما لا بد لهم منه، من أمور الولايات والإمارات ونحوها.

السياسة الشرعية (ص، ٢٤-٢٧).انتهى كلامه رحمه الله تعالى.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد والحمد لله رب العالمين

أضف تعليق

هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع وهي وجهات نظر أصحابها

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply