المختصر المفيد من كتاب مواسم العُمْر


 بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

تُعَد رسالة (تنبيه النائم الغُمْر على مواسم العُمْر) للواعظ، والأديب، والمُؤرِّخ جمال الدين أبو الفرج بن محمد الجوزي (المتوفى: 597هـ) من الرسائل النافعة التي تذكر المسلم بمراحل عمره وأطوار حياته في الدنيا، وما يجب عليه في كل مرحلة، تجدر الإشارة إلى أن معنى كلمة غُمْرٌ الواردة في عنوان الرسالة، أي: غِرٌّ، قليل الخبرة، لَمْ يُجَرِّبِ الأُمُورَ.

   وقد قسم المؤلف عمر الإنسان إلى خمسة أقسام أو مواسم، وهي:

  الطفولة (فترة ما بين الميلاد والبلوغ).

 والشباب (قيل: من خمس عشرة سنة إلى الثلاثين ما لم يبلغ عليه الشيب، أو من سن التاسعة عشرة إلى الرابعة والثلاثين).

 والكهولة (سِنّ الإنسان ما بَين الثلاثين والخمسين أو مرحلة العُمر بين الفتوّة والشيخوخة).

 والشيخوخة (وهي من الخمسين إلى ما فوقها، وقد يطلق عليها الطُّفولة الثَّانية).

 والهَرم (أي بلوغ أقْصَى الكِبَر ومنتهاه ويكون عند مجاوزة الثمانين من العمر).

 ونظرا لأهمية الموضوع وحاجتنا الشديدة إليه، فقد رأيت تقريب هذه الرسالة حتى تَعُم الفائدة.

 اما عن منهج التقريب فقد رَقَّمْت الايات القرآنية وخَرَّجْتُ الأحاديث النبوية، وحذفت الأشعار الثقيلة والطويلة والآثار الضعيفة والرؤى والمنامات، وأبقيت على عبارة المؤلف كما هي، وقد استدعى الأمر التعليق عليه في مواضع ثلاث، وضعتها بين قوسين وصدرتها بكلمة (قُلْتُ)، وجعلت التعليق وتخريج الأحاديث في المتن وليس في الهامش تسهيلا على القاريء.

 

الموسم الأول: من وقت الولادة إلى زمان البلوغ، وذلك، خمس عشر سنة.

اعلم أنَّ هذا الموسم يتعلق معظمه بالوالدين، فهما يربيان ولدهما ويعلمانه، ويحملانه على مصالحه، ولا ينبغي أن يَفْتُرا عن تأديبه وتعليمه؛ فإنَّ التعليم في الصغر كالنقش في الحجر.

قال عَلِيّ ابن أبي طالب- رضي الله عنه - في قوله تعالى: (قَوا أَنفُسَكُم وَأَهليكُم نارا) [التَّحْرِيمِ: 6]: علموهم وأَدِّبُوهُمْ.

فيعلمانه الطهارة، والصلاة ويضربانه على تركها إذا بلغ تسع سنين، ويُحَفّظانه القرأن، ويُسْمعانه الحديث، وما احتمل من العلم أمراه به.

ويقبحان عنده القبيح، ويحسنان عنده المليح، ويحثانه على مكارم الأخلاق، ولا يَفْتُران عن تعليمه على قدر ما يحتمل؛ فإنه موسم الزرع.

قال الشاعر:

إِنَّ الغُصونَ إِذا قَوَّمتَها اِعتَدَلَت ... ولا يَلينُ إِذا قَوَّمتَهُ الخَشَبُ

قد ينفعُ الأدَبُ الأحداثَ في مَهَلٍ... ولَيسَ يَنفَعُ في ذِى الشَيبَةِ الأَدَب

   كان عبد الملك بن مروان يُحِب ابنه الوليد، ولا يأمره بالأدب، فخرج لَحَّانًا، فقال: أَضَرَّ حُبُنا بالوليد.

- فإذا عبر الصبي الخمس سنين بان فهمه ونشاطه في الخير، وحسن اختياره، وصدف نفسه عن الدنايا، أو عكس ذلك.

  مَرَّ عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - على صبيان يلعبون، فنفروا من هيبته، ولم يبرح ابن الزبير - رضي الله عنه - فقال له: مالك لم تبرح؟! فقال يا أمير المؤمنين، ما الطريق ضيقة فأوسعها لك، ولا لي ذنب فأخافه.

وقال الخليفة لولد وزيره وهو في دارهم: أيهما أحسن دارنا أو داركم؟ فقال: دارنا. قال: لم؟ قال: لأنك فيها.

- ويتبين فهم الصبي وعلو هِمَّتِه وقصرها باختياراته لنفسه، فإنَّ الصبيان تجتمع للعب، فيقول العالي الهمة: من يكون معي؟ ويقول القاصر الهمة: مع من أكون؟ ومتى عَلَتْ همة الصبي، آثر العلم.

فإذا راهق الصبي فينبغي لأبيه أن يزوجه.

قُلْتُ: (هذا إذا كان الأب ميسور الحال، وللولد رغبة في الزواج، وقدرة على تحمل المسؤلية).

والعجب من الوالد كيف لا يذكر حاله عند المراهقة، وما لقي وما عانى بعد البلوغ، أو كان قد وقع في زلة، فيعلم أن ولده مثله.

قال إبراهيم الحربي: أصل فساد الصبيان بعضهم من بعض.

ويندر شابٌ يؤثر العلم على النكاح، ويعلم من نفسه الصبر، ويأمن على نفسه؛ فإن أحمد بن حنبل رضي الله عنه لم يتزوج إلا بعد الأربعين.

 

الموسم الثاني: وهو من زمان البلوغ إلى منتهى الشباب

 وهذا هو الموسم الأعظم الذي يقع فيه الجهاد للنفس والهوى وغلبة الشيطان.

 وبصيانته هذا الموسم يحصل القرب من الله تعالى، وبالتفريط فيه يقع الخسران العظيم. وبالصبر فيه على الزلل يُثنى على الصابرين، كما أثنى الله عز وجل على الصابر يوسف الصديق عليه السلام ؛ إذ لو زَلَّ من كان يكون؟

قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: " إِنَّ اللهَ لَيَعْجَبُ مِنَ الشَّابِّ لَيْسَتْ لَهُ صَبْوَةٌ. "

قُلْتُ: ("ليست له صبوة" أي مَيْل إلى الهوى بحُسْن اعتياده للخبر، وقوة عزيمته في البُعْد عن الشر، وهذا عزيز نادر فلذلك قرن بالتعجب. والحديث أخرجه أحمد  والطبراني، وهو حديث حسن لغيره).

- وليعلم البالغ أنه من يوم بلوغه وجب عليه معرفة الله تعالى بالدليل لا بالتقليد، ويكفيه من الدليل رؤية نفسه وترتيب أعضائه، فيعلم أنه لا بد لهذا الترتيب من مُرَتِّب، كما أنه لا بد للبناء من بانٍ.

- ويعلم أنه قد نزل ملكان يصحبانه طول عمره، ويكتبان عمله، ويعرضانه على الله سبحانه وتعالى، قال تعالى: (وَإِن عَلَيكُم لَحافِظين كِرامًا كاتِبين يَعلَمونَ ما تَفعَلون) [الِانْفِطَارِ: 10 -12].

قال محمد بن الفضل: منذ أربعين سنة ما أمليت على كاتبي سيئةً، ولو فعلت ذلك لاستحييت منهما.

فلينظر العبد فيما يرتفع من عمله، فإنْ زَلَّ فليرفع الزلل بتوبة واستدراك.

وليغض طرفه؛ فقد قال الله عز وجل: (قُل لِلمُؤمِنينَ يَغضوا مِن أَبصارِهِم) [النور: 30]. ومن استعمل الغَضَّ سَلِمَ.

- وليكتف بالمرأة الواحدة، ولا يترخص في كثرة الاستمتاع بالنساء؛ فإنه يشتت القلب، ويضعف القوى، وليس لذلك منتهى.

كان بعض السلف يقول لنفسه: ما هاهُنا إلا هذه الكِسْرَة وهذه المرأة، فإن شئت فاصبري، أو فموتي.

قُلْتُ: (أباح الله عز وجل تعدد الزوجات،  فإذا آنس الرجل من نفسه القدرة البدنية والمالية والقدرة على العدل أبيح له الزواج والتعدد، قال تعالى: (فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً) (النساء: 3.)

- وكان خلق كثير يتأسفون في حال الكبر على تضييع موسم الشباب، ويبكون على التفريط فيه. فليُطل القيام من سيقعد، وليُكثر الصيام من سيعجز.

- والناس ثلاثة: من استكثر عمره بالخير، ودام عليه، فذلك من الفائزين، ومن خلط وقصر، فذاك من الخاسرين، ومن صاحب التفريط والمعاصي، فذاك من الهالكين.

 - وليحذر زلَله في الشباب، فإنها كعيب قبيح في سلعة مستحسنة.

ومن زل من الشباب، فلينظر أين لذتها، وهل بقي إلا حسرتها الدائمة التي كلما خطر ذكرها للقلب تَألَّم، فصار ذكرها للقلب عقوبة.

وكان بعض السلف رحمه الله يقول: ودِدْت لو أن يدي قطعت، وعُفيَ لي عن ذنوب الشباب.

 

الموسم الثالث: وهو حال الكهولة

هذا الزمان فيه بقية من الشباب، وللنفس فيه ميل إلى الشهوات، وفيه جهاد حسن، وإن كانت طاقات الشيب تعكر أوقات اللهو. وليكتف الكهل بنور الشيب الذي أضاء له سبيل الرحيل.

 

الموسم الرابع: وهو الشيخوخة

قد يكون في أول الشيخوخة بقية هوى، فيثاب الشيخ على قدر صبره، وكلما قَوِىَ الكِبَرُ ضعفت الشهوة فلا يكون هناك ميل للذنب، فإذا تعمد الشيخ ذنبًا فهو مراغم (أي مُصِرّ)، إذ الشهوة الطالبة قد ضعفت؛ ولهذا قال رسول - الله صلى الله عليه وسلم -: (أبغض الخلق إلى الله تعالى شيخٌ زان)، أخرجه بمعناه أحمد ومسلم.

فالويل كل الويل لمن لم ينهَهُ شيبه عن عيبه؛ وما ذاك إلا لخلل في إيمانه وقد يقول الشيخ العالم: عِلْمِي يدفع عني! وينسى أن علمه حجة عليه.

قال الله - عز وجل - (قُل هَل يَستوي الَّذينَ يَعلَمونَ وَالَّذينَ لا يَعلَمونَ) .

قال أبو الدرداء: ويل لمن لا يعلم ولا يعمل مرة واحدة، وويل لمن يعلم ولا يعمل سبع مرات.

 

الموسم الخامس: وهو حال الهرم

ولم يبق في زمان الهرم إلا تدارك ما مضى، والاستغفار، والدعاء، وعمل ما يمكن من الخير، اغتنامًا للساعات، والتأهب للرحيل.

ومن نَظَر في شَرَف العمر اغتنمه. وفي الترمذي: (من قال سبحان الله وبحمده، غُرِسَتْ له نخلةٌ في الجنة).

 وقد رأينا جماعة من الأشياخ يرتاحون إلى حضور الناس عندهم، وسماع الأحاديث التي تضر ولا تنفع، فمضى زمانهم في غير شيء، ولو فهموا كانت تسبيحة أصلح. وهذا لا يكون إلا من الغفلة عن الآخرة؛ لأن بتسبيحة واحدة يحصل الثواب على ما ذكرنا. والأحاديث الدنيوية تؤذي ولا تنفع.

كان أبو موسى الأشعري- رضي الله عنه - يصوم في الحر، فيقال له: أنت شيخ كبير. فيقول: إني أُعِدُّه ليوم طويل.

وقيل لعابد: ارفق بنفسك. قال: الرفق أطْلُب.

جاء أحد رفقاء (سَرِيّ السَّقَطِيّ) - رحمه الله تعالى - إليه يزوره، فوجد عنده جماعة. فقال: يا سَرِيّ! صِرْتَ مَناخًا للبِطَّالين، ثم ذهب ولم يقعد.

ومن عَرَف شَرف العمر وقيمتَه لم يفرِّط في لحظة منه.

   نسأل الله أن يمتعنا بأسماعنا وأبصارنا، وألا يجعل علمنا حُجَّة علينا، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد والحمد لله رب العالمين

أضف تعليق

هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع وهي وجهات نظر أصحابها

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply