بلسم الحمد.. أم ورم الشكوى


 بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

في روضة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقبل موسم الحجّ بأيام... قبل عشرين سنة، في صحبة شيخي ومُعَلمي وأستاذي الإسباني البَلَنّسي  المسلم يونس رؤول چراوس الذي ناهز عمره حينها الثمانين سنة، رحمات ربي ورضوانه عليه، همس في أذني ونحن في الروضة النبوية الشريفة: يا بُني، لماذا يتعمد عموم المسلمون  وعربنا بوجه الخصوص التغاضي عن نعم الله الكثيرة التي لا تعدّ ولا تحصى؟؟ ويغرقون في الشكوى والتأفف من كل شيء؟؟  لماذا يأمرنا الله تعالى أن نبدأ حديثنا معه في كل صلاة بإعلان إعترافنا بجميل فضله السابق،  معلنين بعد التكبير والبسملة بالتلاوة: الحمد لله ربي العالمين؟؟ ونكررها سبعة عشرة مرة في كل ركعة في  الصلاة المفروضة، وبعد السلام ننسى إعلان الحمد ونبدأ في الشكوى والتذمر وإحصاء الهموم والغموم وإذاعتها بين الناس؟؟

لماذا نركع في تذلل ثم نرفع من الركوع هاتفين: سَمع الله لمن حمده، ونجيب بنداء الإقرار: ربّنا ولك الحمد؟؟

ثم نسلّم ونخرج من محراب الصلاة الى محراب الحياة ولا يوجد للحمد أثر في علاقاتنا وبيوتنا وكلامنا وأفعالنا؟؟؟

نشتكي من الحرّ، نشتكي من البرد، نشتكي من الزوجة وشغب الأطفال وإزعاج الجار وسوء خلق مديرنا غي العمل!!  نشتكي من المركب والمنزل والملبس والمشرب وصحن الطعام!!!! نشتكي من الصحة والمرض ومن سرير النوم وخزانة الصالة وآثاث المكتب!!!

نشتكي من الإمام في المسجد ومن البقّال والخباز وبائع الخضار!!!

طبعت كلمات الشيخ يونس  في وجداني، وأنا أتأمل في قيمة الحمد في حياتي وحياة من أعرف.... كيف ننسى حمد الله على ما أعطانا من نعمة وعافية وستر وهداية ورزق  وأمن في الأرواح والاوطان؟؟

كيف لا نحمد الله على نعمة الصحة والتنفس والتحرك والمشي والنظر والكلام؟؟ رافقت جدي رحمات ربي عليه وهوعلى فراش الموت ورأيت القيمة العظيمة للتنفس حين تعجز الرئتين عن بث الهواء  ويحتاج الإنسان الى جهاز مكثّف يضخّ الاكسجين، كيف يعجز الإنسان عن بلع ريقه أوالتقلب في الفراش أوحتى جمع أطرافه؟؟؟

إنه حديث الحمد.... ومصيبة الجهل بنِعم الله وعطاياه في الصحة والمال والذرية والأمن والمعافاة.

كيف ننسى نعمة الأمن والسلامة في الأوطان، وقد مرت علينا في الجزائر سنوات عجاف لا يمر يوم دون سيارة مفخخة وعشرات الحواجز الامنية المزيّفة تجزّ فيها الرؤوس وتذبح فيها الرقاب، كيف ننسى جحيم الخوف وقد أبدله الله أمنا وأمانا؟؟؟

على المستوى الشخصي، من منّا لم يبدأ حياته بضعف وفقر وحاجة ودَيّن ومسّغبة؟؟ من مناّ لم يسأل الله زوجة صالحة سنين العزوبة؟؟ ثم سأله الذرية بعد الزواج؟؟ ثم سأله صلاح الأولاد بعدما إشتد ساعدهم؟؟؟ ثم سأله البيت والمركب والرزق الحلال؟؟ ونِعم الله تترى... وإجابته تغرقنا في بحور فضله وعطاءه..

أذكر أيام الحرمان... أذكر أيام الخوف ونقص الأمان، أذكر يوم دخلت أرضا  لا تعرفها... تخاف أن يتخطفك الناس فآواك ورزقك وأمّنك وصرت مطمئنا آمنا يشار لك بالبنان!!!

انظر لعُشر الكأس المملوء ولا تنظر للأعشار الناقصة، تذكر لحظات الحرمان، وثق أن الله أعلم بما ينفعك.

أشيعوا كلمة "الحمد لله" في كل مجلس وفي كل حديث وكل مكالمة وكلّ طرفة.... أوقفوا أي شكوى أوتذمر أوسخط  بشعار الحمد " الحمد لله الحمد لله"

علّموا الابناء والزوجات والآباء والاقارب والاصحاب أن الحمد نظام حياة... أن حمد الله مفتاح كل خير...  أن الحمد جنّة عاجلة في الدنيا.... وأنه سرّ إستجابة الدعاء وسماع الله لهمومنا وشكوانا بين يديه في السجود....

 الحمد الحمد:

 "سمع الله لمن حَمِده ربنا ولك الحمد"

الحمد لله

الحمد لله

الحمد لله

يا ربي لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد والحمد لله رب العالمين

أضف تعليق

هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع وهي وجهات نظر أصحابها

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply