الأسرة والحوار بين أفرادها


 بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

إن مما فطر الله عليه النفس أنها اجتماعية بطبيعتها فهي تحب المخالطة والمحادثة والمجالسة والمجانسة فلما كان هذا من طبيعتها كان لزامًا على تلك النفوس أن تسلك مسلك الحوار حتى تتعرف على ما عند  الآخرين وقد أرشد الله تعالى نبيه عليه الصلاة والسلام فقال: (وشاورهم في الأمر) فإن الاستشارة أيها الإخوة تتطلب الحوار بين طرفين أو أكثر فهذا توجيه من أفضل الخلق من أفضل القرون.

 

أخي الكريم إن الأسرة الناجحة هم الذين تآلفوا فتفاهموا في معرفة منازل نفوسهم فأنزلوها مكانها، فاحترموا الكبير واعطفو على الصغير، وساعدو المحتاج ونحو ذلك، وإن من أهم العوامل التي تساعد على استمرارية هذا النجاح وأمثاله، الحوار الهادف بين أفراد الأسرة فهو وسيلة بناء وعلاج، فما أجمله عندما يوجد بينهم بآدابه وشروطه لأننا في الحوار نستخرج مكنون النفوس ونمنحها الفرصة لتعبر عما يجول في خاطرنا، ولن نصل أيها الإخوة إلى التربية الحقّه لأولادنا حتى نتعرف على ذلك لتكون توجيهاتنا في مجراها الصحيح والسليم، نقول هذا لأن الحوار هو تمهيد في الوصول إلى الحقيقة التي نريد معرفتها فإذا عرفناها عرفنا آلية التعامل معهم تربيتًا وتقويمًا وبناءًا وعلاجًا ونحو ذلك.

 

إن الجمود بين أفراد الأسرة مما يزيد المشكلة إشكالًا ويعقّدها، لأن أوسع طريق للبناء والعلاج هو المداولة والمحاورة، فإن عُدمت تلك الاستراتيجية خسرنا كثيرًا من التربية لأنها قائمة عليها وعندما نحاور أبناءنا وبناتنا فلابد أن نتعرف على آداب الحوار حتى يكون إيجابيًا ذا نتيجة مقبولة، فمن آداب الحوار ما يلي:

أولًا- الإستماع الجيد الإيجابي بخلاف الإستماع السلبي وذلك يتطلب إعطاء الولد الفرصة في كلامه وسرده لأنه بهذا يفضفض ما لديه على والديه وهما أقرب الناس إليه فعلينا استثمار هذه الفرصة.

ثانيًا- الجاذبية في الحوار، كأن يصحب المحاورة شيء من الدعوات والإكثار من الإبتسامة ونحو ذلك فهي تجذب المتحدث أيًا كان.

ثالثًا- ضبط الانفعالات، فقد تسمع شيئًا لا يرضيك واصبر لأنك معالج.

رابعًا- عدم رفع الصوت في الحوار وفهم الهدف الذي كان لأجله الحوار.

خامسًا- إعادة بعض الكلمات الجميلة التي قالها الطرف الثاني إعجابًا بها، كأن يقول له أنت قلت كلمة جميلة وهي كذا وكذا ثم يقول ما عنده.

سادسًا- الرفق في الحوار، لأن الرفق ما كان في شيء إلا زانه وما نُزع من شيء إلا شانه، كما ورد في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقال أيضًا عليه الصلاة والسلام (إن الله ليعطي على الرفق مالا يعطي على العنف).

سابعًا- اختيار الوقت المناسب والمكان المناسب للحوار حتى يتحقق الهدف.

فهذه جملة من الآداب على المتحاورين من أفراد الأسرة مراعاتها في حواراتهم.

 

أيها الأب وأيتها الأم ويا أيها الإبن وأيتها البنت، أنتم جميعًا أركان هذه الأسرة فإذا انهدم الركن قد يسقط جانب كبير من البيت فإياكم أن يكون أحدكم سببًا في وجود ذلك الخلل.

إننا حين نوصي ونؤكد على الحوار الأسري فإننا نهدف إلى تآلف هذه الأسرة وتداخلها، فإن كثيرًا من النتائج الحسنة والإيجابيات الطيبة تأتي كثمرات للحوار الأسري الجيد وأوصيكما أخي الكريم وأختي الكريمة بوصايا مهمة خلال هذا الحوار داخل أسركم، من هذه الوصايا:

الوصية الأولى: إسمع بهدف الفهم والاستيعاب لا بهدف الرد والنقض فقد يكون الوجه الصحيح مع من تحاوره وليس معك، فخذ بقاعدة من يقول: رأيي صواب ويحتمل الخطأ.

الوصية الثانية: لا تُصدر أحكامًا مبكرة بل انتظر حتى تفهم جميع الكلام مع من تحاوره.

الوصية الثالثة: كن منشرحًا عند الاستماع مصغيًا فهذا مما يؤدي إلى كسب الثقة لديك ولدى من تحاوره أيضًا.

الوصية الرابعة: كن معترفًا بالخطأ إذا حصل ولاتنكره فالحق للجميع.

الوصية الخامسة: إذا أحسست أن الحوار انقلب إلى جدال عقيم فتوقف تدريجيًا وخذ الموقف وحاول المحافظة على ما بقي من الود بينكما.

الوصية السادسة: لا تضق ذرعًا إذا لم يُستجب لك فإن الاستجابة قد لا تأتي مباشرة فهي تحتاج إلى شيء من الوقت.

الوصية السابعة: الاحترام أثناء الحوار هو رونقه الأساسي فلا حوار إيجابي بدون احترام.

 

إخوتي الأكارم إن جمود الأسرة عن الحوار لا يزيد الأسرة إلا تفككًا وإشكالًا، بل لا يعلم الآب أو الأم عن أبناءهم شيئًا مثل ما يعلمونه عن طريق الحوار معهم فالحوار معهم يكشف مكنون نفوسهم، بل إن الحوار الأسري يُكسب أفراد الأسرة الصحة النفسية والمتينة وأما إذا خيّم على هذه الأسرة السكوت إلا في الضروريات فإنها أسرة يعتريها الغموض بين أفرادها بحيث لا تستطيع هذه الأسرة أن تقوم بحل مشاكلها وذلك بسبب الفجوة بين أفرادها.

إن على الآباء والأمهات وهم كقدوات في هذه الأسرة أن يفتحو آفاقًا مع أبناءهم بالحوار حيث يدركون هم مالا يدرك هؤلاء الأولاد والأبناء وعندهم من بعد النظر ما لا يملكه الأولاد فكم هو جميل أن يوجد في الأسرة جلسة أحاديث ودّيّه يتجاذبون فيها أطراف الحديث ويتحاورون فيها وهي مفيدة جدًا في بناء الروابط القلبية والنفسية بينهم.

إن هذه الجلسة وإن كانت ودية فهي حل لكثير من المشاكل فكيف إذا كان منها نسبة تربوية مطروحة بينهم بحيث أن أحدهم يقدم طرحًا مفيدًا في التربية والتعليم ولو كان يسيرًا فلا شك أن هذا مع الوقت سيكون رصيدًا تربويًا ومعرفيًا كبيرًا مع مضي الوقت، فما أحوجنا أيها الإخوة والأخوات إلى تلاحمنا في أسرنا وحوارنا مع بعضنا وسلامة صدور بعضنا لبعض، فهذه غنيمة عظيمة مفتاحها وأساسها الحوار بيننا والتداخل في مكامن نفوسنا فإننا أسرة واحدة لها خصوصيتها ومقامها التربوي والجيد.

أسأل الله تبارك وتعالى لنا جميعًا البركة في الأعمال والأعمار وصلاح النية والذرية

وصلى الله وسلم على نبينا محمد والحمد لله رب العالمين

أضف تعليق

هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع وهي وجهات نظر أصحابها

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply