أولادنا وتحمل المسئولية


 بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

يُخطئ كثير من الآباء عندما يتغافل عن مراحل أبنائه العمرية من حيث دراستها ومعرفتها ليتعامل معها التعامل الأمثل، فقد يُفاجأ بمشاكل طارئة تجاههم في حين أنه من الواجب الاهتمام بمعرفتها والمناقشة حولها، حينها ستكون التربية يسودها التكامل ويحدوها الأمل بالنجاح والفلاح بإذن الله عز وجل، وسيكون الأبناء على قدر المسئولية التي تُلقى على عاتقهم لاسيما إذا صاحب ذلك تشجيع وتعزيز وتحفيز لهم فإنهم يبدعون بإذن الله عز وجل.

إن المسئولية هي ليست على الآباء والأمهات فقط، بل يجب أن يتدرب الأولاد على تقلد بعض المسؤوليات حسب مستوياتهم ليتعلموا يتفهموا طبيعة الحياة وتقلباتها، لا أن يكونوا مخدومين في كل زمان ومكان، وسيكون الحديث حول تحمل الأولاد للمسؤوليات بأنواعها ضمن عشرين وقفة في هذا الموضوع.

 

الوقفة الأولى: يُراد بالمسئولية معنيان، الأول ما يخص الأولاد مما يجب معرفته وعمله تجاه أنفسهم من حيث تربية النفس على معرفة الأحكام الشرعية والتعامل الأمثل مع الآخرين ونحو ذلك، فالأولى مسئوليته تجاه الخالق والثانية مسئوليته تجاه المخلوق، والمعنى الثاني للمسئولية ما يكون خارج نطاقهما سواء كان في المجال التجاري أو الاجتماعي أو الديني والتوعوي ونحوها، فعلى الشاب والشابة معرفة آلية تنفيذ تلك المسئولية بخلاف من يعمل بطريقة عشوائية بلا تخطيط ولا تركيز مما يجعله يسأم ويعمل ولا يتذوق طعم الايجابية في تنفيذ تلك المسئولية.

 

الوقفة الثانية: على الأبوين الكريمين تحديد وتفويض مسئولية أبنائهم وتقليدهم إياها كل على حسب نطاقه ومستواه، ليتفرغا هما للإشراف والتسديد والتكميل، لكن عتبنا على بعض الآباء والأمهات الذين ما زالوا ينظرون إلى أبنائهم أنهم صغار مع أنهم فوق سن البلوغ بسنوات، فمن الضرورة بمكان أن يتقلد هؤلاء الأولاد مسئولياتهم حسب أعمارهم، يتقلدونها بأنفسهم مع الإشراف عليهم وبهذا يخرج لدينا جيل فاعل ونشيط.

 

الوقفة الثالثة: من النتائج الإيجابية على الأولاد في تقليدهم مسئولياتهم المناسبة لهم، أنهم يكتسبون قيما عظيمة منها الثقة بالنفس وقوة الشخصية وتأكيد الذات واتساع المدارك ومعرفة التعامل مع الآخرين ونحو ذلك من القيم التي ينبغي أن يتصف بها، إضافة إلى أنه يوجد في ذلك من الإيجابيات نبذ للانطوائية ومعرفة طبيعة العمل مع النفس ومع الآخرين وملء أيضا للفراغ، ونحو ذلك مما هو أمنيات رائعة للآباء أن تكون تلك القيم في أولادهم.

 

الوقفة الرابعة: على الأولاد في تحملهم لأي مسؤولية أن يخططوا لها، فالتخطيط ركيزة مهمة في تنفيذ المسئولية أيا كانت تلك المسئولية، فمن لم يخطط هو الأعمى الذي يسير ولا يعلم متى يسقط، فالتخطيط والنجاح قرينان أحدهما وسيلة والآخر نتيجة.

 

الوقفة الخامسة: عند تحمل أي أحد لأي مسئولية عليه، أن يجعل هذه القاعدة نُصب عينيه وهي تفكر في المكاسب في المكاسب قبل أن تفكر في المتاعب فإنك إن فعلت ذلك سهلت عليك تلك المتاعب المتوقعة وصارت سلما لبلوغ تلك المكاسب.

 

الوقفة السادسة: ليس لزاما عندما يتحمل أبناؤنا مسئولياتهم أن يكون النجاح مائة في المائة، وإن كنا نطمح لذلك، لكن النجاح يأتي بالتدريج، ومع مناقشة العمل نعرف الخلل ومن ثم يتتابع النجاح بإذن الله تعالى.

 

الوقفة السابعة: قد يتطرق الفشل في تنفيذ أبنائنا لمسئولياتهم أيا كانت، لهذا لنعلم أن الفشل أحيانا هو خطوة في طريق الصواب والنجاح، فليس الناجح هو الذي لا يسقط، بل هو الذي إذا سقط قام سريعا فلكل جواد كبوة، فعلموا أبناءكم أن بعض الناجحين قد سبقهم فشل، لكنهم تعاملوا معه على أنه درجة في سلم النجاح.

 

الوقفة الثامنة: عتبٌ على بعض الآباء والأمهات الذين نظروا إلى أولادهم نظرة صِغَرٍ واستمروا يخدموهم في كل شيء، ولم يكلفوهم بمسئوليات تناسبهم، ويظهر من خلالها مكامن قدراتهم وكفاءاتهم، فهؤلاء الأولاد بهذا الوصف يصعب التعامل معهم لاحقا، فإن الأيام والليالي حُبلى والأمور تختلف من يسر وعسر، فليسارع هؤلاء لتغيير تلك المنهجية.

 

الوقفة التاسعة: لا ينسى الأبوان الكريمان حال قيام الأولاد بأي مسئولية تُلقى عليهم أن يشجعوهم عندما يحسنون ويوجهونهم عندما يُخطئون فبهذا ينتج لدينا جيل ضائع ومنتج ومدرك.

 

الوقفة العاشرة: تنفيذ المسئوليات هو تعامل مع الآخرين، ومن أهم القواعد في ذلك هو الاحترام المتبادل مع الغير، فالإنتاج والانتصار بالعنجهية وقلة الاحترام هو هزيمة من نوع آخر، فالاحترام لهم في تعاملهم ركيزة مهمة جدا، فكسب القلوب أهم من كسب المواقف.

 

الوقفة الحادية عشرة، من الضرورة بمكان، أن يتعلم الأولاد كيف يتقبلوا النقد وكيف يُعالجوه، ليكتمل عِقد عملهم بالنجاح والصواب.

 

الوقفة الثانية عشرة: إن تنفيذ الأولاد للمسئوليات ولو كانت صغيرة فهي مهمة لأنها طريقهم لتقلدهم مسئوليات أكبر منها، فهو يصعد في سلم المسئوليات حتى يكون بارعا في التنفيذ ذا حكمة وحنكة.

 

الوقفة الثالثة عشرة: ليشعر الأبناء جميعا أن عليهم مسئوليتهم الخاصة بأنفسهم من حيث تنمية أنفسهم وتهذيبها وتربيتها وعليهم مسئوليات تجاه الآخرين فمن أخفق بالمسئولية الخاصة فإنه قد يخفق في المسئوليات مع الآخرين، فالأولى قاعدة والثانية نتيجة.

 

الوقفة الرابعة عشرة: على الأبوين الكريمين أن يكون واقعيين في إسداء المسئوليات لأولادهم، فلا يُقلدونهم مسئوليات هي أقل منهم، ولا مسئوليات هي أرفع من مستواهم، فإن هذا وذاك قد يكون طريقا للفشل، وإنما الواقعية في تحديد المسؤوليات مهم في الموضوع.

 

الوقفة الخامسة عشرة: عنصران مهمان في نجاح التنفيذ للمسئوليات، وهما أولا: المبادرة وعدم التسويف، وثانيا: الصبر والثبات، فبهما بعد توفيق الله تعالى يصل إلى مبتغاه.

 

الوقفة السادسة عشرة: الفراغ للشاب هو داء قاتل، وهو رأس المشاكل كلها، فلابد من النظر الجاد في حل هذه المشكلة بمشاركة الوالدين واستشارة المربين والمستشارين، فالمسئوليات هي أولى الحلول لسد الفراغ السلبي.

 

الوقفة السابعة عشرة: اطرح على الأولاد مفاهيم تربوية توضح أن أعظم نجاح للمسئوليات هو النجاح في إتقان العلاقة مع الخالق، فهي الأساس لكل تفوق وهي النجاح الذي لا يعرف الخسارة، وهي من أهم أسباب التوفيق في الدارين، لأن لهذا آثارا تظهر على السطح مما يجعلها مؤشرات للنجاح.

 

الوقفة الثامنة عشرة: إن الصحبة والأصدقاء لهم دور كبير وعظيم في نجاح هذا الشاب أو إخفاقه حسب رفقته، فضرورة يجب على الشاب أن يعرف من يجالس ومن يُخالل، وكل ذلك بلا مجاملة لأحد لأنه ينظر بعين البصيرة إلى ما ينفعه في دينه ودنياه وهكذا يجب، وكم ضاع من مستقبل بسبب الجليس، وانظروا إلى بعض نزلاء السجون والدور ونحوها فعندهم الخبر اليقين.

 

الوقفة التاسعة عشرة: من جميل ما يقال في ذلك أن مجالسة الناجحين في تنفيذ مسئولياتهم يُسهم في نجاح ذلك المجالس فهو يقتبس كيف نجحوا وكيف تميزوا وكيف تذللت لهم المتاعب والمصاعب، فيسلك مسلكهم ويكون ذلك بالمجالسة معهم أو القراءة عنهم أو سماع قصصهم وحياتهم.

 

الوقفة العشرون: أختم بصفة مهمة يجب أن تتوفر في الآباء والأمهات، وهي بُعد النظر فإن نجاح هؤلاء الأولاد في مسئولياتهم وحياتهم هو نجاح بإذن الله تعالى لأحفادهم وإن نزلوا، لأن الآباء إذا اهتموا بأبنائهم وبناتهم فإن ذلك سينعكس إيجابا على الأحفاد وأولادهم، وسيقولون كنا نفعل كذا ونقول كذا، حتى يتسلسل ذلك الدرس العظيم في النجاح، بل إن توجيه الأولاد أن يهتموا بأولادهم هو أحد عناصر تلك المهمة للوالدين الكريمين.

 

وأخيرا أهمس في آذان الجميع قائلا: كل يعمل على إيجاد جيل منتج متميز يتحمل المسئولية وينفذها كما يجب مع دعواتكم لهم بنجاحهم وفلاحهم.

أسأل الله تعالى لنا جميعا النجاح والفلاح في الدنيا والآخرة

وصلى الله وسلم على نبينا محمد والحمد لله رب العالمين

أضف تعليق

هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع وهي وجهات نظر أصحابها

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply