التربية الأسرية بين اللين والشدة


 بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

إن التربية الأسرية الصحيحة لها آثارها ومخرجاتها المتميزة والطيبة، وهذا مطلب كبير لدى الآباء والأمهات غير أن البعض منهم يسلك مسالك اجتهادية وقد تكون خاطئة، ولعل من أهم أسس التربية الصحيحة أن يكون المربي وسطا بين الشدة واللين سواء في الكلمات والألفاظ أو في التصرفات بحيث يتبع المصلحة لا ما تمليه عليه نفسه، ولعل الوسط هو الحكمة وفي أحيان قد يغلب جانب اللين وفي أحيان أخرى قد يغلب جانب الشدة، فينظر المربي أين وجدت المصلحة تربويا فليوجد معها وحول اللين والشدة في التربية، سأتحدث عن اثني عشر مطلبا بإذن الله تعالى.

 

المطلب الأول: إن النتائج الطيبة تربويا تحتاج إلى جهد مماثل فلا يمكن للمربي أن يهدف إلى إخراج جيل متميز من غير جهود مبذولة إلا أن يشاء الله تعالى، وليس هذا الجهد المبذول من الأبوين كجهد المعلم ونحوه فإن جهود الأبوين مستمرة بخلاف غيرهما فإنها مؤقتة فإن كنتما تريدان لأولادكم أن يكونوا نماذج طيبة في المجتمع وهذا مطلب كبير وجليل، فاستديما التربية المدروسة القائمة على أن الوقاية خير من العلاج، وما كانت كثير من المشاكل التربوية في المجتمع إلا لضعف تلك الوقاية.

 

المطلب الثاني: الصبر على التربية وملاحظتها وتحديثها بالمعلومات هو مركب شاق لكنه مفيد تربويا واجتماعيا فاصبرا على ذلك ولا يكون الوالدان ضيقي الأفق في تصرفاتهم التربوية فإن لكل تصرف ردة فعل إيجابية أو سلبية ولا يكن هم الوالدين إنهاء الموقف ولكن عليهما أن يحسب لمستقبل بهذا التصرف فالصبر سفينة النجاح والنجاة إذا تلاطمت الأمواج بإذن الله تعالى، وليس معنى الصبر هو التخاذل، وإنما الصبر هو العقوبة على تحقيق الإيجابية في حياة الأولاد.

 

المطلب الثالث: نظرة سريعة في أحاديث الرفق، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (ما كان الرفق في شيء إلا زانه ولا نزع من شيء إلا شانه) ويقول عليه الصلاة والسلام: (إذا أراد الله بأهل بيت خيرا أدخل عليهم الرفق) فما هو الرفق؟ هو لين الجانب اللين الإيجابي وليس الانهزامي، وهو ضد العنف، بل قد ورد قوله عليه الصلاة والسلام: (إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف). فلابد من معرفة فقه الرفق وآليته والتعامل الصحيح معه ويدخل في الرفق والتفاهم بالتي هي أحسن عند حصول الخلاف سواء بين الأزواج أو الأولاد أو غيرهم.

 

المطلب الرابع: إن الشدة المتناهية هي سبب لزوال الجو العاطفي في الأسرة، المبني على المحبة والتقبل، وكذلك اللين المتناهي هو مما يضعف شخصية المربي بحيث لا يأبه له أحيانا، وأما الحكمة فهي وسط بينهما، لين في مكانه وشدة في مكانها، يتنوع الأسلوب التربوي على المتربي.

 

المطلب الخامس: ثمة مخرجات سلبية في اللين المتناهي ومنها:

 أولا: عدم الاهتمام بالأوامر الصادرة من المربي.

ثانيا: أمن العقوبة الصادرة على المتربي.

ثالثا: من سلبيات اللين المتناهي كثرة المخالفات من المتربي لأنه لا يواجه شدة من المربي عند المخالفة.

رابعا: يجعل المتربي يعيش هذا اللين مع الآخرين كالأقارب والمعلمين ونحوهم فيتصور أن هذا كهذا إلى غير ذلك من سلبيات اللين المتناهي.

 

المطلب السادس: وثمة سلبيات للشدة المتناهية مع المتربي ومنها:

 أولا : عدم القناعة بالأوامر الصادرة من المربي لخوفه من الشدة.

ثانيا: عدم اكتمال المحبة بين المتربي والمربي.

 ثالثا : ضعف القبول للتوجيهات التربوية.

رابعا: مواقف سلبية تصدر من المتربي خلال تلك الشدة.

إلى غير ذلك من مخرجات الشدة متناهية في التعامل بين المربي والمتربي.

 

المطلب السابع: الحكمة في التربية أن تكون بين هذا وذاك بين الشدة واللين وكما يقال لا تكن لينا فتعصر ولا قاسيا فتكسر والحكمة وسط بين طرفين ليعتاد المتربي كلا الطرفين الشدة واللين كل في وقته.

 

المطلب الثامن: لا بد من بعد النظر في التصرف مع الأولاد سواء في تكليفهم أو تربيتهم وإرشادهم أو في عقوباتهم عند أخطائهم فإن كانت تصرف غير مدروس فقد يكون له سلبيات على المتربي حاضرة أو لاحقة وقد وقع سلبيات بين الآباء والأولاد وذلك خلال تصرفات عاجلة غير مدروسة وإنما هي تصرف من المتربي في ساعته الحاضرة ونسيان ما قد يترتب على هذا التصرف وهذا يحصل أيضا كثيرا من الأزواج والزوجات، فكم من فراق كان سببه التصرف غير المدروس.

 

المطلب التاسع: عند تربيتك في جميع أحوالك اتقي الألفاظ السيئة كالتشبيه بالحيوان أو الوصف بالغباء ونحوها مما هو معروف مشاهد عند البعض مع الأسف، فإن هذه الألفاظ تطفئ نار مستعرة الآنية، لكنها تورث سلوكا سلبيا بين المربي والمتربي وقد يستمر طويلا لا قدر الله.

 

المطلب العاشر: في حال تربيتك اتق الضرب إلا في حدود ضيقة جدا، ويكون غير مبرح لأن الهدف المرجو من التربية قد لا يحصل من خلال الضرب إلا في دائرة ضيقة ولها أحوالها لكن العقوبات الأخرى ممكنة، كالمنع من بعض الأشياء أو التقليل من المصروف ونحو ذلك مما يكون عقوبة ممكنة.

 

المطلب الحادي عشر: يتنوع التوجيه بين المربي والمتربي فيكون أحيانا بالهدية وأحيانا أخرى بالكلمة وأحيانا أخرى بالصحبة وكذلك يكون بالتوجيه غير المباشر إلى غير ذلك من أساليب التوجيه، فلا يحسن بالمربي أن يجمد على أسلوب واحد بل طرقها كلها مما يوسع الأفق عند المربي والمتربي.

 

المطلب الثاني عشر: عندما تشعر بنسبة من اليأس في التربية أو قلة النتائج الإيجابية ونحو ذلك فعليك باستشارة المستشارين المختصين فلديهم مشاكل وحلول يكون من خلالها معرفة الخلل لديك، فإن تلاقح الأفكار التربوية مما يثري أثرا تربويا إيجابيا لدى الجميع.

 

 فما أحوجنا الى طرح قضايانا التربوية فيما بيننا للمناقشة فيها والخروج بتوصيات ايجابية علينا وعلى أولادنا وزوجاتنا.

 

معاشر الآباء والأمهات والمربين والمربيات، احتسبو وفقتم وبوركتم في تربيتكم لمن تحت أيديكم فهم والله أهم بكثير من شؤون أخرى نقوم بها ونتعب من خلالها لأن الأولاد إذا صلح ارتاح ضمير المربي واستقرت نفسه واتسع باله، بخلاف ما إذا كان المتربي فاسدا فإن المربي يفاجأ كل وقت بمشكلة ونازلة من هذا المتربي، فيا أيها الآباء والامهات إن هؤلاء الأولاد سيفرون منكم وكثيرون منهم يوم القيامة خشية مطالبة كل صنف للآخر، لكن إذا كانت الحياة صالحة فإن هذا الفرار قد يقل بفضل الله تبارك وتعالى فاعملوا على تربيتهم وصلاحهم مما يكون ذخرا لكم في الدنيا والآخرة.

 

أسأل الله تبارك وتعالى أن يجعل أولادنا ذخرا لنا في الدنيا والآخرة وأن يصلحنا ويصلح لنا ويصلح بنا.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد والحمد لله رب العالمين

أضف تعليق

هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع وهي وجهات نظر أصحابها

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply