الراقي الذي تنفع رقيته


 بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

العين حق، وهي ثابتة شرعًا حسًا، قال الله تعالى ﴿وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ﴾ [القلم: 51] قال الإمام  البغوي رحمه الله: قال السدي يصيبونك بعيونهم، وقال الحافظ ابن كثير رحمه الله: قال ابن عباس ومجاهد وغيرهما: أي: يعينونك بأبصارهم،...وفي هذه الآية دليل على أن العين إصابتها وتأثيرها حق بأمر الله عز وجل.

ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: (العَينُ حَقٌّ ولو كان شيءٌ سابَقَ القَدَرَ سَبَقَتْهُ العينُ وإذا استُغْسِلتُم فاغسِلُوا)  رواه مسلم.

وعامر بن ربيعة مرَّ بسهل بن حنيف وهو يغتسل، فقال لم أرَ كاليوم ولا جِلدَ مُخبَّأةٍ!" فما لبثَ أنْ لُبِطَ به.

والواقع شاهد بذلك، قال الإمام ابن عبدالبر رحمه الله: قال الأصمعي: رأيت رجلًا عيونًا، سمع بقرة تحلب، فأعجبه صوت شخبها.  فقال: أيتهن هذه؟

قالوا: الفلانية البقرة، أخرى يورون عنها، فهلكتا جميعًا، المورى بها والمورى عنها. قال: وسمعته يقول: إذا رأيت الشيء يعجبني وجدت حرارة تخرج من عيني

قال العلامة ابن القيم رحمه الله: العين: سهام تخرج من نفس الحاسد والعائن نحو المحسود والمعين تُصيبه تارة وتخطئة تارة، فإن صادفته مكشوفًا ولا وقاية عليه أثرت فيه، ولا بُد، وإن صادفته حذرًا شاكي السلاح لا منفذ فيه للسهام لم تؤثر فيه، وربما رُدَّت السهام على صاحبها...وقد يعين الرجل نفسه، وقد يعين بغير إرادته، بل بطبعه، وهذا أردأ ما يكون من النوع الإنساني.

وقال العلامة عبدالله بن محمد ابن حميد رحمه الله: العين حق، وتصيب الإنسان بإذن الله، حتى من غير اختيار العائن، فربما أن الشخص يصيب ولدهُ ويصيبُ أقرب الناس إليه فلهذا أُمر أن يقول الإنسان: "ما شاء الله" أو يذكر الله حينما يرى ما يعجبه. وقد ذكر ابن عبدالبر في " التمهيد " بعض الحكايات المتعلقة بالعين، ومن جملتها أنها تقع ولو في أتفه شيءٍ، ليس من لازمها أن يكون المعايَنُ عنده أمر كبير يختصُّ به دون غيره أو أمر مهم أو شيء مستحسن، قد تقع على الإنسان بأدنى سببٍ، فمن ما جملة ما ذكره ابن عبدالبر: أن شخصًا جلس يبول في أرض دمثه، وكان لضرب بوله صوت في الأرض الدمثه، فمرَّ به شخص، فسمع صوت بوله، فأصابه بالعين فسقط مغشيًا عليه.!

والعين قد تصيب من غير رؤية، قال العلامة ابن القيم رحمه الله: نفس العائن لا يتوقف تأثيرها على الرؤية، بل قد يكون أعمى، فيُوصف له الشيء، فتؤثر نفسه فيه، وإن لم يره، وكثير من العائنين يُؤثر في المعين بالوصف من غير رؤية.

وهي تكون من الإعجاب، ولو بغير حسد، قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: العين تكون مع الإعجاب ولو بغير حسد، ولو من الرجل المحب، ومن الرجل الصالح والذي يعجبه الشيء ينبغي أن يبادر إلى الدعاء للذي يعجبه بالبركة ويكون ذلك رقية منه، والإصابة بالعين قد تقتل.

وقال العلامة ابن القيم رحمه الله: إذا كان العائن يخشى ضررًا عينه وإصابتها للمعين فليدفع شرها بقوله: اللهم بارك عليه .كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لعامر لما عان ابن حنيف (ألا بركت) أي قلت: اللهم بارك عليه. ومما يدفع به إصابة العين قول: ما شاء الله لا قوة إلا بالله.

والعين مع ثبوتها شرعًا وواقعًا، فإنه ينبغي عدم الاسترسال مع الأوهام والتخيلات التي كثرت في الناس في عصرنا، يقول العلامة العثيمين رحمه الله: كثُر في هذه الآونة الأخيرة أوهامُ الناس وتخيُّلاتهم بأن ما يُصيبهم هو عينٌ أو سِحْر، أو جِنٌّ، حتى لو أُصيب بعضُهم بالزُّكام، قال: إنه عينٌ، أو سِحْر، أو جِنٌّ، وهذا غلطٌ، فأعرِض أيُّها الأخ المسلم عن هذا كله، وتوكَّل على الله، واعتمِد عليه، ولا تُوسوس حتى يزول عنك؛ لأن الإنسان متى جعل على باله شيئًا شُغِل به، وإذا تغافَلَ عنه وتركَه، لم يُصَبْ به.

والمسلم يحصن نفسه ابتداءً من العين بقراءة الأوراد النبوية، وسورة الفاتحة، وآية الكرسي، والمعوذتين، قال العلامة ابن القيم رحمه الله: المعوذتين...لا يستغني عنهما أحد قط،...ولهما تأثير خاص في دفع السحر والعين وسائر الشرور، وحاجة العبد إلى الاستعاذة بهاتين السورتين أعظم من حاجته إلى النفس والطعام والشراب واللباس.

فإن قدّر الله جل وعلا وأصيب بالعين مع ذلك، فليأخذ بقراءة الأوراد الشرعية على نفسه، مع اعتقاد جازم بها، قال العلامة ابن القيم رحمه الله: القلب إذا أخذ الرقى والتعاويذ بقبول تام، وكان للراقي نفس فعالة وهمة مؤثرة أثّر ذلك في إزالة الداء.

وقال العلامة عبدالله الجبرين رحمه الله: من أسباب تأثير الرقية أن يجزم المريض بأنها السبب الوحيد لشفاء ما به من ألم، ويعتقد أن القرآن والأدعية النبوية مؤثرة ومفيدة بإذن الله لأهل الإيمان لقول الله تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ ۙ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾ [الإسراء:82] فأما الذي يستعمل الرقية كتجربة قائلًا إن لم تنفع فإنها لا تضر فقلّ أن يستفيد منها وهو الغالب من كثير من الناس حيث...لا يجدون لذلك أثرًا بسبب الشك في تأثيرها أو بسبب ضعف الإيمان

 

وأمر آخر ينبغي الأخذ به ليكون لرقية الإنسان على نفسه تأثير، وهو: بعده عن الذنوب والمعاصي، قال العلامة الجبرين رحمه الله: وقد يكون السبب في عدم التأثير كون المريض من أهل المعاصي والفساد، إما بامتلاء منزله من الملاهي وآلات الغناء وإما بما يقترفه من الذنوب ويتركه من الواجبات.

فإن رغب من أُصيب بالعين أن يذهب إلى راقي، فليحرص على المؤمن التقي، الذي يغلب على الظن نفع قراءته، قال العلامة عبدالله بن محمد ابن حميد رحمه الله: إذا كان الرجل تقيًا مخلصًا لله، متصلًا قلبه بالله، فهذا تنفع قراءته ويكون لها من التأثير الشيء الغريب أما إذا كان بخلاف ذلك فلا تأثير لقراءته وقال العلامة العثيمين رحمه الله: التكسُّب بالرقية كثُرَ جدًّا، ومن أُناسٍ الله أعلمُ بحالهم من ناحية الاستقامة؛ لكن المؤمن الذي يُريدُ أن ينفع أخاه، وهو الذي يقرأ، فإن أُعطي أخَذ، وإن لم يُعْطَ لم يسأل، وهذا هو الذي يجعل اللهُ تعالى في رقيته بركة.

وقال العلامة الجبرين رحمه الله: ليعلم أن تأثير الرقية الشرعية يكون بحسب إيمان الراقي وصلاح نيته، واستقامته، وسلامة معتقده، وبعده عن المحرمات، فمتى كان الراقي حافظًا لكتاب الله وما تيسر من السنة النبوية، ومشتغلًا بتلاوة القرآن وتدبره، وكان محافظًا على العبادات، مبتعدًا عن المعاصي والمكروهات، يتقرب إلى الله تعالى بعد الفرائض بالنوافل، ويتزود من الحسنات، ويحفظ نفسه وأهله ومنزله من الملاهي والأغاني وأسباب الفساد، وكان سليم الاعتقاد، بعيدًا عن البدع والمحدثات، فإنه بإذن الله يكون لرقيته الأثر الظاهر في شفاء المريض...الكثير من أهل الرقية في هذه الأزمنة...جهلاء بحقوق الله تعالى، وبكتابه وشرعه، يتصدى أحدهم للعلاج بالرقية بمجرد ما يسمع آية أو دعاء، ويظن أنه بلغ الذروة، ولهذا يقل تأثير الرقية معهم.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد والحمد لله رب العالمين

أضف تعليق

هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع وهي وجهات نظر أصحابها

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply