كلمات في الوعي


 بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

في كتابه الماتع «كلمات في الوعي» يناقش د.مسفر القحطاني أحد المشاكل المعاصرة للأمة الإسلامية التي تعاني من تقهقر فكري وريادي وإنتاجي بما لا يخفى على بصير، ويوجز فضيلته هذه القضية بقوله:

إن الأزمة الحقيقية التي تمر بها مجتمعاتنا الإسلامية في عصورنا الراهنة هي أزمة وعي بالدور الحضاري للأمة التي أراد الله عز وجل أن تكون شاهدة على كل الأمم وفي كل العصور.

قال تعالى: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ} [آل عمران:110]

فالخيرية التي وصفت بها الأمة إنما هي معللة بالدور الذي يجب أن تؤديه لتلك المجتمعات الأرضية من أمر بالمعروف بكل ما يشمله هذا المفهوم، وكذلك النهي عن المنكر بنفس الشمول أيضا. وهذا المعنى الزائد عن الوصف هو من أهم الأسس في شهودنا الحضاري على الأمم.

فهل ستشكل يقظة الوعي لدينا الإفاقة اللازمة لغفوتنا الحضارية الراهنة ؟؟

 

** يقرر علماء النفس أن الطفل في بداية حياته يقوم بتصرفات كثيرة جدا، فمن أجل التعبير عن ظمأه مثلا يطلق عشرات الأنواع من الأصوات، ويحاول عشرات المحاولات اليائسة، وفي كل مرة يقلل من عدد حركاته وأصواته، ويفهم بالتدريج عبثها، ولا يكررها ثانية حتى يصل إلى مرحلة يختار فيها حركة واحدة أو صوتا واحدا لبلوغ هدفه كالبكاء أو الضرب بقدمه على الأرض، ثم تقل الأصوات تدريجيا حتى ينطق بكلمة واحدة «ماء».

فهذه الحقيقة أقرب إلى مسيرة عقل الإنسان ومراحل نموه نحو النضج الذهني والوعي الفكري، فكم من المحاولات الخاطئة لفهم الواقع والمجتمع يعيشها الإنسان في بدايات نضجه؟ وكم من التشنجات الانفعالية التي تصحب تلك الفهوم والآراء، وتحمل هذه البدايات المتعثرة حتميات قطعية لا تقبل النقاش أو الجدال ثم تثبت الوقائع والتجارب فضلا عن الاستزادة من العلوم والمعارف خطأ هذا النظر أو شناعته أحيانا، وبالتالي تقل تلك القطعيات، وتزداد النسبية في عالم متغير كثير التعقيد يحتاج إلى تلك الخطوة الأولى نحو النضج في البصيرة والعمق في النظر.

** المفكر حسب تعريف د. علي شريعتي هو من «يملك رؤية نقدية» وهم أقل شريحة من المجتمع، وأكثرهم عبئا للهموم التي تحملها، والرؤى التي تؤمن بها، ومع أهميتهم لأي مجتمع يعيشون فيه تجدهم في حياتهم أقل المميزين شهرة وصيتا، وأخبارهم لا تكاد تهم إلا القليل من الجمهور، ولكن المتأمل في مسيرة المجتمعات ونهضتها يلحظ أن أولئك المغمورين هم من يحتفل بهم بعد موتهم، ويخلد ذكرهم وتنصب لهم الرايات، وينسى غيرهم ممن ملئت له المدرجات وسودت لهم الصفحات.

لا أظن أن المفكر الواعي يشتري لقبه، أو يكتسبه بماله أو معارفه كما في بعض الصحف والفضائيات، بل يعرفه الناس بطول همه، وكثرة تأمله، وعكوف قلمه على الحرث والتحليل والنظر، فيكتب رأيه في الواقع، وينقد حالة المجتمع بنظر ثاقب، ورؤية ناضجة تحمل معها بذور التغيير إلى الأفضل، ويحملهم إلى وعي أمثل محافظا على أصالته ودينه، ومعتزا بتاريخه وتراثه، من دون سعي منه إلى تقزيمنا طوعا، أو اغتيالنا أحياء، أو جعلنا شيعا وأحزابا.

إنه في أوقات الذلة مكمن العزة التي لم تنشغل في العينة أو تترك الجهاد، أو ترغم أنفها خلف أذناب البقر وبذر الحرث ما جاء في حديث المصطفى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

فهذا الأنموذج الفذ للمفكر الواعي هو مرادنا في أزمتنا المعاصرة.. إنهم في مجتمعاتهم كالأنبياء في أممهم، بل هم ورثتهم في نقل العلم الصحيح والنصح الرشيد والسعي لمصالح الأمة.

** وخلاصة القول إن مقصودنا من استخدام كلمة «الوعي» في سياق المفهوم الحضاري الشامل للمدنية، يمكن تحديده بأنه: «إدراك الفرد ومؤسسات المجتمع المختلفة بمسؤولياتهم الكبرى في بناء الشخصية الإنسانية المتكاملة والسعي في دفع عملية النهضة والتقدم المعنوي والمادي من خلال إصلاح الفكر والسلوك والواقع».

** والسبب في البدء بالوعي أولا، لأن أي تحضر لأمة من الأمم لا بد أن يسبق بفكرة تنطبع في أذهان أصحابها إلى درجة الاعتقاد الجازم المفضي إلى البناء المشترك والعمران الحضاري. وفي هذا يقول مالك بن نبي: «إن الحضارة ما هي إلا نتاج فكرة جوهرية تطبع على مجتمع في مرحلة ما قبل التحضر، الدفعة التي تدخل بها التاريخ».

وهو ما عبر عنه ربعي بن عامر حين دخل على كسرى عظيم الروم عندما سأله كسرى: من أنتم؟ فأجابه: «لقد بعثنا الله تعالى لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة، ومن ظلم الحكام إلى عدل الإسلام».

وصلى الله وسلم على نبينا محمد والحمد لله رب العالمين

أضف تعليق

هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع وهي وجهات نظر أصحابها

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply