ادخلوا في السلم كافة


 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

 

}-يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَآفَّةً وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ(208)فَإِن زَلَلْتُمْ مِّن بَعْدِ مَا جَاءتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيم{(209)

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ} الخطاب بـ {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ} خطاب للمسلمين على عادة القرآن في إطلاق هذا العنوان {ادْخُلُواْ} حقيقته نفوذ الجسم في جسم أو مكان محوط كالبيت والمسجد، وهو هنا مستعار للاتباع والالتزام وشدة التلبس بالفعل.

 {فِي السِّلْمِ} هو الإسلام، لأن الإسلام: قد يسمى: سِلمًا بكسر السين، وقد يروى فيه الفتح، كما روي في السَلم الذي هو الصلح الفتح والكسر، إلا أن الفتح في السلم الذي هو الإسلام قليل {كَآفَّةً} اسم يفيد الإحاطة بأجزاء ما وصف به.. والمعنى ادخلوا في الإسلام جميعًا، وهي حال تؤكد معنى العموم، فتفيد معنى: «كل» أي في شرائع الإسلام كلها، فأمروا بأن لا يدخلوا في طاعة دون طاعة.

ينادي الحق تبارك وتعالى عباده المؤمنين آمرًا إيَّاهم بالدخول في الإِسلام دخولًا شموليا بحيث لا يتخيرون بين شرائعه وأحكامه ما وافق مصالحهم وأهواءهم قبلوه وعملوا به، وما لم يوافق ردوه أو تركوه وأهملوه، وإنما عليهم أن يقبلوا شرائع الإِسلام وأحكامه كافة.

{وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ} نهي بعد أمر، وتحذير مما يصدهم عن الدخول في الإسلام، وخطوات الشيطان مسالكه في الدعوة إلى الباطل وتزيين الشر والقبيح.

{إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ} جملة تعليلية مؤكدة بـ «إن»؛ فتفيد شدة عداوة الشيطان لبني آدم؛ والعدو من يبتغي لك السوء؛ وهو ضد الوليّ {مُّبِينٌ} بيِّن العداوة، ولذلك ينبغي لمن أتى بالأحكام أن يقرنها بالعلل التي تطمئن إليها النفس؛ فإن كانت ذات دليل من الشرع قرنها بدليل من الشرع؛ وإن كانت ذات دليل من العقل والقياس قرنها بدليل من العقل والقياس؛ وفائدة ذكر العلة أنه يبين سمو الشريعة وكمالها؛ وأنه تزيد به الطمأنينة إلى الحكم؛ وأنه يمكن إلحاق ما وافق الحكم في تلك العلة.

نهاهم عن اتباع خطوات الشيطان في تحسين القبيح وتزيين المنكر، إذ هو الذي زين لبعض مؤمني أهل الكتاب تعظيم السبت وتحريم أكل لحم الإِبل بحجة أن هذا من دين الله الذي كان عليه صلحاء بني إسرائيل.

وفي الآية: أن الإنسان يؤمر بالشيء الذي هو متلبس به باعتبار استمراره عليه، وعدم الإخلال بشيء منه، كقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِيَ أَنزَلَ مِن قَبْلُ} [النساء:136] يعني: استمروا على ذلك.

{فَإِن زَلَلْتُمْ} أي: عصيتم، أو أخطأتم، أو ضللتم، وأصل الزلل للقدم، يقال: زلت قدمه، ثم يستعمل في الرأي والاعتقاد، وهو الزلق {مِّن بَعْدِ مَا جَاءتْكُمُ} إعذارا لهم {الْبَيِّنَاتُ} حجج الله ودلائله، أو القرآن، أو محمد -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، كما قال: {لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ [زائلين عما هم عليه] حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ رَسُولٌ مِّنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُّطَهَّرَةً} [البينة:1-2] وجمع تعظيمًا له، لأنه وإن كان واحدًا بالشخص، فهو كثير بالمعنى.

{فَاعْلَمُواْ} علم اعتراف، وإقرار، وقبول، وإذعان؛ فمجرد العلم لا يكفي؛ ولهذا فإن أبا طالب كان يعلم أن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- على حق، وأنه رسول الله؛ لكنه لم يقبل، ولم يذعن؛ فلهذا لم ينفعه إقراره؛ فالإيمان ليس مجرد اعتراف بدون قبول وإذعان.

{أَنَّ اللّهَ عَزِيزٌ} ذكر أهل العلم أن «العزيز» له ثلاثة معانٍ: عزة قدْر؛ وعزة قهر؛ وعزة امتناع؛ فعزة القدر -أي أنه عزّ وجلّ عظيم القدر-؛ لقوله تعالى: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} [الزمر:67]؛ أما عزة القهر فمعناها الغلبة -أي أنه سبحانه وتعالى غالب لا يغلبه شيء-؛ وهذا أظهر معانيها؛ وأما عزة الامتناع فمعناها أنه يمتنع أن يناله السوء - مأخوذ من قولهم: «أرض عزاز» أي قوية صلبة لا تؤثر فيها الأقدام.

فكان العلم بأنه تعالى عزيز مستلزما تحققهم أنه معاقبهم لا يفلتهم، لأن العزيز لا ينجو من يناوئه.

{حَكِيمٌ} الذي ضع الأمور في مواضعها، والمتقن للأمور فلا يفلت مستحق العقوبة. فالمعنى: أنه سينزِّل بكم ما تتبين به عزته؛ لأن هذا هو مقتضى حكمته.

وفي وصفه هنا بالعزة التي هي تتضمن الغلبة والقدرة اللتين يحصل بهما الانتقام، وعيد شديد لمن خالفه وزل عن منهج الحق، وفي وصفه بالحكمة دلالة على إتقان أفعاله وأن ما يرتبه من الزواجر لمن خالف هو من مقتضى الحكمة.

وروي أن قارئًا قرأ {غفور رحيم} فسمعه أعرابي فأنكره، ولم يكن يقرأ القرآن، وقال: إن كان هذا كلام الله فلا يقول كذا الحكيم، لا يذكر الغفران عند الزلل، لأنه إغراء عليه.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد والحمد لله رب العالمين 

أضف تعليق

هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع وهي وجهات نظر أصحابها

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply