في ظلال آل عمران 2


 بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

 

رأينا كيف التبست شخصية عمران على فريق من أهل التفسير بتأثير من المصادر الكتابية، وكان بإمكانهم لو اكتفوا بالسياق القرآني أن يحسموا أمر آل عمران المصطَفَيْن، والذين تسمت باسمهم السورة الكريمة، وأنهم والد مريم وأمها، وهارون أخوها، وآل زكريا، فضلًا عن مريم والمسيح عليهم الصلاة والسلام، وأما موسى وآله فلم تتخصص لهم السورة، وإذا كانوا من المصطفين ـــ وهم كذلك ــــــ فهم داخلون في آل إبراهيم، عليهم الصلاة والسلام.

وقد اختصر الأمر العلامة أبو زهرة في تفسيره فقال:)  وعمران هذا هو أبو مريم كما نصت على ذلك الآية التالية، ولا حاجة لفرض أنه عمران آخر، وهو أبو موسى، فذكر اسم واحد في مقام واحد يشير إلى أن المدلول واحد، ولا حاجة إلى فرض التغاير(، وأضاف عند الحديث عن نذر امرأة عمران: )وعمران: هو أبو مريم بهذا النص، وهو عمران المذكور أولًا كما ذكرنا، وفرض المغايرة بأن يكون الأول عمران أبا موسى، وأن عمران هذا هو أبو مريم، تكلف لَا حاجة إليه، وليس في النص ما يدل عليه(.

وكذلك فقد اختلط لدى عدد من أهل التفسير، موضوع نذر امرأة عمران، بتأثير مرويات القصاص، وسلوك العوام فيما يتعلق بالنذور، وسنجد من يقول إن امرأة عمران كانت عقيما لا تلد، وأنها نذرت إن رزقها الله تعالى الولد أن تهبه خادمًا للمعبد!! وسنجد كلاما طويلا حول الحكم الشرعي لهذا النوع من النذور، وهل كان مباحا أو واجبا في شريعتهم، دون شريعتنا، أو أنه مشروع عندنا كما عندهم.

فأما الزعم بأن امرأة عمران كانت عقيمًا لا تلد، فينقضه، أولًا، أن لمريم أخًا اسمه هارون، وكذلك ظاهر حديث الرسول  وهو يروي واقعة الإسراء والمعراج، حيث التقى عيسى ويحيى ، واصفًا إياهما بأنهما ابنا الخالة، أي أن مريم وامرأة زكريا كانت أختين، ما يعني أن لامرأة عمران، سوى مريم، ابنًا وبنتًا على الأقل.

ثم إن القول بأنها اشترطت على الله تعالى إن رزقها الولد أن تنذره لخدمة المعبد، منقوض أولًا بأنها لم تكن عقيمًا كما ظنوا، وثانيًا لأن هذا النوع من النذور ليس بالمحمود، وهو مما يقع فيه العوام وضعفاء الإيمان، وليس من أخلاق المصطفين الأخيار أمثال آل عمران، سيما والسياق سياق إشادة وثناء، وهذا الرد هو الأقوى والأليق بمثل آل عمران، حتى لو لم يكونوا قادرين على الإنجاب، وقد رأينا زكريا تكبر سنه دون أن يرزق بالولد، فلا يحركه للدعاء بالذرية الطيبة إلا ما رأى من مكفولته مريم، ثم كرر السؤال، ألا يجعله الله فردًا، وأن يهبه من يرث النبوة من بعده، ويستمر في حمل الرسالة وأداء الوظيفة المنوطة بآل يعقوب.

والأخيار الأبرار ينذرون لله تعالى طاعات يوجبونها على أنفسهم، وقد امتدحوا في القرآن بأنهم يوفون بنذرهم كما في قوله تعالى:}يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا{ [الإنسان:7]، وربما أشكل نذر امرأة عمران على بعض أهل العلم من جهة أنها نذرت ما لاتملك، والولد له إرادة مستقلة، وليس محلًا للنذر، حسبما رأوا.

وقد نقل ابن الجوزي في زاد المسير عن القاضي أبي يعلى قوله:) والنذر في مثل ما نذرت ــــ يقصد امرأت عمران ــــ صحيح في شريعتنا، فإنه إذا نذر الإنسان أن ينشئ ولده الصغير على عبادة الله وطاعته وأن يعلمه القرآن والفقه وعلوم الدين، صح النذر(.

وهذا هو الأقرب لروح الدين ولطبيعة المصطفين الأخيار، أنهم قد نذروا نفوسهم وحيواتهم لله تعالى، ثم هم حريصون على توريث الدين لذرياتهم، ويرون أن حق الله تعالى عليهم أن يقدموا له أعز وأغلى ما يملكون وهم أبناؤهم، يقدمونهم، لحمل دعوته ونصرة دينه، وقد تخلوا عن حظوظ نفوسهم في أولادهم.

وقد طغى القول بأن غاية النذر هو خدمة المعبد أو دوام العبادة والرهبنة على غالب أقوال المفسرين، وهذا القول منهم ــــ كما أرى ــــ يتضمن قسطًا من الحقيقة والواقع من جهة، وتأثرًا من المفسرين بما آلت إليه النصرانية وما رأوه من شيوع ظاهرة الرهبنة في أتباع عيسى ، ولكن الذي نرجحه أن الذي هدفت إليه في نذرها هو نصرة الدين والدعوة إليه، وما الفضل في تديّن يعزل نفسه بين الجدران ولا ينزل إلى الشارع ليصحح الواقع؟ وقد رأينا كيف أن أكرم الخلق عند الله تعالى هم الرسل المتحركون بالدين والداعون إلى الله، والمجاهدون في سبيله، والمقيمون لشرعه، وليس العُبّاد المنعزلين.

إن الذي كان يشغل امرأة عمران حسب فهمنا، هو نفسه الذي أشغل زكريا  حين سأل الله الولد، ذلكم هو: من يحمل الدين معه ومن يرث النبوة من بعده، ولذلك فقد رأيناه يسأل الله تعالى مرة ألا يذره فردًا في الدعوة، ويسأله مرة أخرى أن يهب له وليًّا يرثه ويرث النبوة من آل يعقوب.

وقد استجاب الله تعالى رجاء كلٍّ من امرأة عمران وزكريا ، فكان من نتيجة إخلاصهما لله تعالى وصدق توجههما إليه، أن انتهت رسالة عيسى  إلى الظهور والغلبة بعد سنين طويلة من نذر جدته :}يا أيها الذين آمنوا كونوا أنصار الله كما قال عيسى ابن مريم للحواريين من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله فآمنت طائفة من بني إسرائيل وكفرت طائفة فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم فأصبحوا ظاهرين{ (الصف:14)، كما أقرّ سبحانه عين زكريا  فوهب له يحيى مصدقًا بكلمة من الله ونبيًّا من الصالحين، وسيدًا في قومه وحصورًا مضيّقًا وملاحقًا لأعدائه، وذلك خلافًا للفهم السائد الذي يفسر الحَصور بأنه المحصور عن النساء، أو الحاصر نفسه عن الشهوات.

والعبرة أن الله تعالى حين يعلم من عباده صدق التوجه لنصرة دينه، فإنه سبحانه يكرمهم ويعزهم وينصرهم ولو بعد حين.. وقد رأينا في التاريخ الإسلامي خلال فترة الحروب الصليبية أنه عندما قوي إيمان المسلمين وصار الدين على رأس أولوياتهم حتى برز ذلك جليًّا في أسماء الرجال وألقابهم في تلك الحقبة من مثل : صلاح الدين ونور الدين وأسد الدين ونجم الدين ومجير الدين، فإن الله تعالى أكرم الأمة بحطين وفتح بيت المقدس.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد والحمد لله رب العالمين

 

أضف تعليق

هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع وهي وجهات نظر أصحابها

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply