أأقتل أبي ويقتلني ولدي


 بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

 

تدور قصةُ الروايةِ الأشهر في الفترة السابقة *في الجحيم* لـلكاتب الأمريكي *دان براون*حول فكرةٍ رئيسيةٍ مفادها أن المواردَ محدودة وأن البشر يزيدون بمتتالية حسابية (2، 4، 8، 16، 32...)، يقولون: وعما قريبٍ ستنتهي الموارد بفعل ازدياد السكان. والحل عندهم في إبادة نصف البشر. مجمعون على هذا، والخلاف بينهم في طريقة القتل. فأحداث الرواية تدور بين فريقين: فريق يحاول إبادة نصف سكان المعمورة بالأمراض البيولوجية الفتاكة، والنصف الآخر يريد إبادتهم بطريقةٍ أخرى وهي استخدامٍ وسائلَ منع الحمل. فهم متفقون على أصل الفكرة ومختلفون فقط في الوسيلة.
وفي إطار التنظير للفكرة داخل الرواية يتحدث بعض أشخاص الرواية مدافعًا عن إبادة الضعفاءِ من الفقراء والمرضى وكبارِ السن بأن هؤلاء مستهلِكون، لا ينتجون، ويتلو على من يقرأ عددَ ما ينفق على كبار السن الذين لا يستطيعون العملَ من أموال في علاجهم وما يتقاضونه من رواتبٍ دون عمل، بل ويعترض على أن يُعمر الإنسانُ طويلًا، يقول: كم يعمل وكم لا يعمل طول حياته؟! يحاول الكاتب في الرواية توطين فكرة بث الأمراض ليموت الناس مبكرًا.. لتنتهي حياتهم مبكرًا حين يتوقفون عن العمل!!

ويدعمون فكرتهم شديدةِ القسوةِ هذه بحديثٍ عن محدودية الموارد. وهو قولٌ منتشر في أدبيات الساسة، يكاد هذا القول (محدودية الموارد وأنانية الإنسان التي تؤدي إلى ظلم في تخصيص الموارد وتوزيعها) أن يكون هو القاعدة التي ينطلق منها كل من يتحدث في السياسة وخاصة الأكاديميون، فلا تكاد تصغي لهم ولمن تبعهم من قومنا ساعة إلا وتسمع هذه المقولة: محدودية الموارد وسوء التوزيع

ودعنا نلقي على هذه الفكرة، التي شكلت صلب الرواية، نظراتٍ.. نستكشفُ مصدَرها، وهدَفها، وسلوكها حال الوصول لهدفها، ونضعها بجوار ما عندنا في شرع ربنا. ليظهر قبحها، وسوء فعالها، مقارنة بوقار وجمال وبهاء ما عندنا.
تخويف الناس من الفقر فكرةٌ شيطانية بالأساس، يقول الله تعالى:}الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلا{، وفي المقابل نجد طمأنةً تامة من الله الرزاق ذو القوة المتين لخلقه أجمعين، يقول الله تعالى:}وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا{، ويقول الله تعالى:}إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ{، ويقول الله تعال}:أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ{، وفيما رواه البخاري ومسلم: "والله ما الفقر أخشى عليكم ولكني أخشى أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من كان قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها وتهلككم كما أهلكتهم".
وما نراه بأعينِنا هو أنه كلما زاد السكان أخرج الله للناس الخير من حيث يعلمون ومن حيث لا يحتسبون: من عقولهم ومن الأرض، ومن البحار. ودعنا نضرب مثالًا واحدًا بأكثر شيء يهم هؤلاء وهو الوقود (الطاقة): حين كان هؤلاء يُخوِّفون الناس من انتهاء مخزون الفحم (مصدر الطاقة الرئيسي يومها) أخرج الله البترول من كل مكان، وما كاد ينتهي أو يقل حتى ظهر البترول الصخري والغاز الطبيعي فضلًا عن هداية الناس لأشكال أخرى من الطاقة كالطاقة الشمسية، والنووية، واستخرجت الطاقة من كل شيء تقريبًا.. من قاع البحار، ومصبات الأنهار، ومن الهواء (الرياح)، ومن الشمس، ومن الرمال، ومن الصخور. أمدهم الله بما يحتاجونه وزيادة.

إن المشكلةُ الحقيقية ليست في قلة الموارد مقارنة بالسكان كما يدعي هؤلاء، وإنما في سوء التوزيع، أو بالأحرى في تسلط الظالمين على أرزاق الناس وأقواتهم.
تكمن المشكلة الحقيقية في أشخاص هؤلاء الذين يريدون الاستحواذ على أسباب القوة والنفوذ استكبارًا في الأرض ومكر السيء. القلة تريد أن تتحكم في الكثرة.

تكمن المشكلةُ في سيطرة مناهج الكفر، يقول الله تعالى}:وَمِنْهُم مَّن يُؤْمِنُ بِهِ وَمِنْهُم مَّن لَّا يُؤْمِنُ بِهِ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ{، فجعل من لا يؤمن مفسدًا. بل المفسد بالألف واللام التي تفيد الحصر. وتدبر في حالهم تجد أنهم يستخدمون التقدم لجمع المال والنفوذ. ويستخدمون الدواء سلعة للقتل وسلعة لجمع المال، ويستخدمون السلاح للقتل وجمع المال، وهكذا.. لا يعرفون إلا هذا. ولا تأخذهم رحمة بالضعفاء من كبار السن والفقراء، لا يرون إلا أنفسهم ومن ينتفعون منه. 
ومن باب الضد يظهر حسنه الضد دعنا نحط رحالنا في رياضنا الخضرة العطرة.. في بعض رياضنا وليس كل رياضنا.

الأسرة عندنا هي وحدة بناء المجتمع، فلا تكاد تجد فردًا إلا في أسرة، إن أبًا أو ابنًا أو جدً، فالمجتمع المسلم أُسر،ثم قبائل وشعوب، متماسكة متراحمة، لكل فرد فيها على كل فرد حق،حل أو ارتحل، فالجارُ المقيمُ (في السكن) له حقٌ على جيرانه أقل ما فيه الأمان والطمأنينة والجار المرتحل له حق على من يجاوره، وابنُ السبيل له حق على من يمر بهم، والفقيُر له حق في مال الغني، والجالس في الطريق له حق على من يمر عليه. مجتمع متماسك متراحم.

في الأسر المسلمة ثلاث حلقات متصلة: ابن وأب وجد. الأب يسعى بحثًا عن أسباب الرزق لأبنائه ولأبيه الشيخ الكبير الذي أنفق عليه من قبل. فردٌ (هو الأب) يسعى على فردين (الابن والجد)، والزوجةُ مع أبنائها تشبعهم من عاطفتها وترعاهم وتقوم بما لا يستطيع غيرها أن يقوم به تجاه الزوج والأبناء، والأب يتابع زوجته حال رعايتها لأبنائها ويوجه ويدعم، وإن كان البيت كبيرًا كما قد كان في نموذجنا الأول.. وكما قد كان لوقتٍ قريب فإن اجتماع الجد مع الأحفاد فيه من الخير الكثير إذ يتلقى هذا النشء الصغير الخبرة من جدٍ عرك الحياة وسقته براحتيها حلوًا ومرًا.
ففي النموذج الإسلامي رحمةٌ ومودةٌ، وتفعيلٌ للجميع. فهذا الذي كبر سنة وضعف عظمه قد جد واجتهد وقدَّم مِن قبل، وهذا الذي يكد ويتعب يومًا سيضعف. فإن قَتل الشاب المقتدر اليوم أباه فغدًا سيقتله ولده الذي رباه. أيعقل هذا؟!
إن المشكلةَ في دينِ هؤلاء.. في منهجِهم. في أنهم أقاموا الحياةَ على الفردية.. على المادية. في أنهم ممتلئون بوساوس الشيطان لا بقول الرحمن.. قَلقون خائفون أو انتهازيون مجرمون، أو عمي لا يرون آيات الله وكرمه وكفايته لعباده، ولو آمنوا لطمأنوا في الدنيا والآخرة{وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ}، وقال بركات ولم يقل رزق. فالرزق لليوم كثير ولكنه منزوع البركة بسبب تسلط المفسدين، فالبركة مع التقوى كما جاء في الحديث.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد والحمد لله رب العالمين

أضف تعليق

هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع وهي وجهات نظر أصحابها

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply