بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:
من طبيعةِ العقولِ السليمةِ أنها لا تُسلِّمُ للدعاوى إلا بحجةٍ بيِّنة، ولا تقبلُ مسألةً فيها خلافٌ إلا بدليلٍ صحيح وبرهانٍ قاطعٍ يورثُ اليقين ويُزيلُ الشك. وكلما عظُمَت الدعوى، عظمت المطالبةُ بالدليل.
وحين يأتي رجلٌ فيقوُلُ إنه رسولٌ من عندِ الله، وأنه مؤيّدٌ بالوحي، وأن طاعتهُ فريضة، وأنَّ النجاةَ مُعلّقةٌ بتصديقه واتباعه، فللعقل أن يقفَ ليسأل سؤالًا بديهيًا: وما الدليلُ على صحة هذه الدعوى العظيمة؟.
وحيثُ أنَّ الأدلةَ التي تثبتُ صدقَ الرسولِ ﷺ كثيرةٌ ومتنوعة، فقد اخترت منها اثنا عشر دليلًا مختلفًا. أفردتُ كلًّ منها في مقالٍ مستقل، لتشكلَ في مجموعها سلسلةً من المقالات المتآزرة، تشهدُ على صدق الرسولِ ﷺ شهادةً لا يبقى معها أدنى ريبٍ ولا شك. (والسلسلة كلها منشورةٌ في هذا الموقع المبارك بحمد الله).
وفي هذا المقالِ سأتناولُ الدليلَ الأولَ منها وهو: عظمةُ أخلاقهِ ﷺ.
أيَّها القارئُ الكريم: لطالما تسائلَ العقلاءُ والمفكرون: عن الإنسانِ الذي يستحقُ أن يكونَ هو الأعظمُ في التاريخ. عن الإنسانِ الذي اجتمعَ فيه ما تفرقَ في غيره من الأخلاقِ الحسنةِ والخصالِ الحميدة، وجوانبِ العظمةِ كُلّها. إنسانٌ لم تُعرف له زلةٌ، ولم تُؤخذ عليه هفوةٌ، ولم تبدو منه منقصةٌ، وما من شخصٍ أجمعَ المنصفونَ من كتّاب التاريخِ أنّه الأجدرُ بهذا سوى محمد بن عبدالله ﷺ.
فإنك حين تتأمَّلُ أخلاقهُ عليه الصلاةُ والسلامُ، تجدُ نفسك أمامَ شخصيةٍ تُبهرُ العقلَ، وتأسرُ القلبَ، وتستثيرُ الإعجابَ. شخصيةُ رجلٍ عظِيمٍ، ما عُرِفَ في التاريخِ عظِيمٌ يُدانِيهِ. فالدارسُ لسيرة النبي ﷺ يلحظُ صرامةً أخلاقيةً فائقةً عاشها النبيُّ ﷺ طوالَ حياتِه كلها، صرامةً ثابتةً مهما تغيرت الظروفُ والأحوال، مما يجعلُ الدارسَ لسيرته يوقنُ أن تِلك الصرامةَ الأخلاقيةَ وذلكُم الكمالَ الأخلاقيِ يستحيلُ أن تكونَ لكذابٍ مُدعيٍ.
لقد عاشَ ﷺ أربعينَ عامًا بين قومه قبل النبوة، فما جُرِّبَ عليه كذبٌ ولا خيانة، وما عُرف عنه ظلمٌ ولا فجور، بل كانوا يسمّونه (الصادقَ الأمين)، وهو لقبٌ لا يُمنحُ في مجتمعٍ أمّيٍّ إلا لمن بلغَ الغايةَ في الأمانة والصدق. حتى أنَّ أبا سفيان، وهو عدوّهُ يومئذٍ حين سألهُ هرقلُ: «وهل كنتم تتهمونهُ بالكذب؟» قال: «لا». وقال عنه عبدالله بن سلامٍ وكان حبرًا من أحبار اليهود: «فلما رأيته، عرفتُ أنَّ وجههُ ليس بوجه كذّاب». فنحنُ نتحدثُ عن شخصيةٍ بلغت الذروةَ في الأخلاق والسمو الإنساني، حتى شهدَ له بذلك خصومهُ قبل أتباعه، واعداؤهُ قبل أصدقائه.
ولو لم يكن له من المعجزاتِ شيءٌ، لكفى بأخلاقه حُجةً دامغة، وبرهانًا ساطعًا على صدقه ونبوّته. فقد اختَصَهُ اللهُ بخصائصَ لم تجتمِع في أحَدٍ من قبلِه ولا من بعده.
فمع كلِّ ما كان يحملهُ ﷺ من همومِ ومسؤولياتِ الأُمّةِ، ومع كونهِ أبًا وزوجًا، وإمامًا وخطيبًا، وقاضيًا ومفتيًا، ومُعلمًا ومربيًا، وقائدًا ومصلحًا وحاكمًا عامًا، فقد كان أَحسنَ الناسِ خُلقًا، وأعفُّهُم لسانًا، وأفصحهُم بيانًا، وألينهم جانبًا، وأسهلُهم طبعًا، وأعظمُهم تواضعًا، يخيطُ ثوبه، ويحلِبُ شاته، ويخصِفُ نعله، وكان ﷺ يمازِحُ أصحابهُ ويخالِطُهم، ويداعِبُ صِبيانهم ويلاعِبُهم، ويُجيبُ دعوةَ الحرِّ والعبدِ والأمَةِ والمسكين، ويعودُ المرضى في أقصى المدينة، ويقبَلُ عُذرَ المعتذر.
وكان ﷺ أوفى الناسِ بالعهود وأوصلَهم للرحم وأحسَنهم عِشرةً وأوفاهم مودةً، وأوسَعهُم حلمًا وصبرًا، وأزهدهُم في الدينا مع قدرته عليها، وأعظمَهُم رحمةً ورفقًا بالمحتاجين، وأشدَّهُم صلابةً وقيامًا بحقّ ربِّ العالمين.
وما خُيّر بين أمرينِ إلا اختارَ أيسرهما ما لم يكن إثمًا، وما انتقمَ لنفسه قطُّ، وما ردَّ سائلًا، ولا صدَّ مُحتاجًا، وكان ﷺ يبدأُ من لقِيَهُ بالسَّلام، ويبدأُ أصحابَهُ بالمُصافحَة، ولا ينزِعُ يدَهُ حتى يكونَ الرجلُ هو الذي ينزِعُ، ولا يصرِفُ وجهَهُ حتى يكونَ الرجلُ هو الذي يصرِفُ وجهَه، وكان يجلِسُ بين أصحابهِ كأحدِهم حتى لا يُميزه ُمن لا يعرفهُ من بينهم، وكان يمنعُهم من القيام له، ولم يُرَ مُقدِّمًا رُكبتَهُ بين يدَي جليسِه. وكان ينهاهم عن تعظيمه، ويقول: "إنما أنا عبدٌ، آكلُ كما يأكلُ العبد، وأجلسُ كما يجلسُ العبد، فقولوا عبدالله ورسوله".
ولكَم كانَ في قلبه ﷺ من الرأفة والرحمة، ولكَم كان في خُلقهِ من الإيناس والملاطفة، ولكَم كان في طبعه من السهولة واللين، ولكم كان في يده من السخاء والكرم.
ويكفي من لا يعرفهُ أن ينظرَ إلى حال أصحابهِ الذين تربوا على يده، فلقد أنشأَ أمّةً من الأبطال والفضلاء، ساروا على نهجه، واقتفوا أثره، فكانوا أفضلَ الأممِ خُلقًا وعدلًا، وأمانةً وصدقًا.
فأنى لكاذبٍ أن يُخرِّجَ صادقينَ أُمناء؟.
وأنَّى لدجالٍ أن يَبنِيَ أُمّةً من الأخيار العظماء؟.
وكيفَ يستطيعُ كاذبٌ أن يصطنعَ هذه العظمةَ الأخلاقيةَ مُدةَ ثلاثةِ وعشرينَ عامًا؟.
وكيف يمكنُه أن يستمرَ على هذا السمو في جميع أوقاته، وعلى كلّ أحواله؟.
إنَّ كلَّ من يتأملُ بإنصافٍ، ويتجردُ من الهوى، سيقطعُ يقينًا أنّ الأخلاقَ المحمديةَ لا يمكنُ أن تكونَ إلا لنبيٍّ صادقٍ مؤيَّد. وأنّ الكذبَ والادعاء والغشَّ والخداعَ لا يمكنُ أن يتسقَ أبدًا معَ هذا المنهجِ الأخلاقي المتين.
ولا شكَّ أنَّ مَن كانت أخلاقُهُ في الذُّرْوة، ثمّ يداومُ على تلك الأخلاقِ والشمائلِ النبيلةِ مع الجميع سواءً بسواءٍ، والأعداء قبل الأصدقاء، ثم يبقى ثابتًا مستمرًا على تلك الخصال، مهما تقلَّبت به الدنيا أو تغيرت عليه الأحوال، فلا يمكنُ أن يكونَ هو ذاتُ الشخصِ الذي يُخادعُ الناسَ ويدَّعي النبوةَ كذبًا.
فأخلاقُ المصطفى ﷺ النبيلة، وسيرتُه الزاكيةُ الجميلة، هي أكبرُ برهانٍ على صِدْقه، وأنها أخلاقٌ يستحيلُ استحالةً تامةً أن يبلُغَها كاذب. بل واللهِ لا يبلُغُها إلا نبيٌّ صادقٌ كريم، مؤيدٌ من ربه ليكون قدوةً للعالمين.
لكأنَّ اللهَ جلّت قُدرتُهُ يقولُ للعالمين، هذا رسولي إليكم، وتلكَ تفاصِيلُ حياتهِ من أولها إلى آخرها، كُلُّهَا مكشوفَةً أمامَكم، فافحصُوها جيدًا، ودقِقوا فيها مَليًا، فهل ترونَ من خَللٍ أو زَلل، هل كذَبَ مرةً أو خان، هل ظلمَ أيَّ إنسان، هل قطعَ رحِمًا، هل استقبلَ صَنمًا.
ولقد بهرَ النبيُّ ﷺ العالمَ كلهُ بعظمة أخلاقه، حتى أنّ الكثيرَ من الكتاب والمفكرين العالميين درسوا سيرته، وتأثروا بشخصيته، وأشادوا بإنجازاته، وتحدثوا عن عظمته. وهذه بعضُ شهاداتِ المنصفينَ منهم:
قال المستشرقُ توماس كارلايل: «لقد أصبحَ من أكبر العارِ على أيِّ فردٍ متمدِّنٍ أن يُصغي إلى زعم أنَّ محمدًا خدّاعٌ مزوّر. فلنُصغِ إلى ما يقولهُ هذا الرجل، وإنه لقولٌ يخرجُ من قلبِ رجُلٍ مملوءٍ بالإيمان، رجلٌ صادق، لم يكذب قط».
وقال الكاتبُ والمؤرخُ الفرنسي لامارتين: «إذا كان مقياسُ العظمةِ هو ضخامةُ الإنجاز، مع قلة الإمكانيات، فمن يجرؤُ أن يقارنَ أيًّا من عظماء التاريخِ بمحمد».
وقال أيضًا: *إذا أردنا أن نبحثَ عن إنسانٍ عظيمٍ تتحققُ فيه جميعُ صفاتِ العظمةِ الإنسانيةِ فلن نجدَ أمامنا سوى محمدٍ الكامل*.
وقال تولستوي: «يكفي محمدًا فخرًا أنه خلّصَ أمّةً ذليلةً دمويةً من مخالب شياطينِ العاداتِ الذميمة، وفتحَ لهم طريقَ الرقي والتقدم».
وقال راما كريشنا راو: «لا يمكنُ معرفةِ شخصيةِ محمدٍ بكلِّ جوانبها، ولكن كلُّ ما في استطاعتي أن أقدمهُ هو صورًا متتابعةً جميلة. وفي كلّ هذه الأدوارِ الرائعةِ في دروبِ الحياةِ الإنسانيةِ كلها، كان محمدًا بطلًا».
أمّا العلامةُ الفرنسي: ساديو لويس: فقد قال: *لم يكن محمدًا نبيُّ للعرب فحسب، بل للعالم كله، لأنَّ تعاليمهُ جديرةٌ بالتقدير والإعجاب، وتدلُ على أنه عظيمٌ في دينه، عظيمٌ في صفاته، عظيمٌ في أخلاقه، فما أحوجنا إلى رجلٍ مثلَ محمدٍ*.
وهكذا يتبيَّنُ لكل منصفٍ أنَّ عظمة أخلاق الرسول ﷺ، من أعظم البراهين القاطعة على صدقه، وأنه نبيٌّ مؤيَّدٌ من ربه، ناصحٌ في دعوته، مخلصٌ في تبليغه، ومن لم يقنعه هذا، فلن يقنعهُ برهان، ولن يهديه بيان.
ومع ذلك ففي المقال التالي، سنعيشُ مع شاهدٍ آخرَ من شواهدِ الصدقِ النبوي. فنسألُ اللهَ أن يشرح صدرونا جميعًا للحق، وأن يهدينا سواء السبيل.