فوائد من درس دلائل الإعجاز 69

6 دقائق
6 شعبان 1447 (25-01-2026)
100%

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

مما قال فضيلة الأستاذ الدكتور محمد أبو موسى في درس شرح كتاب «دلائل الإعجاز» بالجامع الأزهر الشريف.

يوم الأحد: 18 جمادى الأولى 1447ه الموافق لـ 9 من نوفمبر 2025م:

• كلامُ سيدنا رسول الله، صلَّى الله عليه وسلَّم، كلامٌ عجيبٌ جدًّا، والمشكلة أننا قرأنا أن كلامَه أجودُ كلام البشر، واكتفينا بهذا، وهذا لا قيمة له، مع أنه حقٌّ وصدق، إنما المهمُّ أن تقرأ الكثيرَ من كلام البشر وأن تقرأ الكثيرَ من كلام رسول الله، وأن تتبيَّن بذائقتك البيانية - التي هي نِعمةٌ مِن نِعَم الله عليك - فَضْلَ كلامِه على كلام الناس؛ بيانًا لا تحتاج فيه إلى دليل.

• الذَّائقة البيانية نحن فيها سواء، وإنما منَّا من نمَّاها ومنَّا من أهملها.

• أكثِرْ من قراءة القرآن، وأكثِرْ من تدبُّر القرآن، ولا أقول لك: لا تكتفِ بأنه مُعجِز، وإنما أقول لك: لا تقفْ عند القول بأنه معجز، وإنما أكثِرْ من القراءة حتى يتبيَّن لك أن أيَّ جملةٍ فيه لا تدخل في طاقة البشر.

• تصوَّرْ أن جملةً في القرآن مكوَّنةً من كلمتين أو ثلاثٍ لو اجتمع الإنسُ والجنُّ على أن يأتوا بمثلها لن يستطيعوا.

• لو عشتُ أتدبَّر كلامَ الله وكلامَ رسوله مِن غير أن أتدبَّر الشعرَ الجاهليَّ، بما فيه مِن وثنية، فلن أستطيعَ أن أدرك شيئًا من إعجاز كلام الله ولا من بلاغة كلام رسول الله.

• القرآنُ مُعجِزٌ نعم، لكن لا بدَّ أن تقرأه حتى تُدرِك أنه مُعجِز، ولن تُدرِك أنه مُعجِز إلا إذا أدركتَ كلامَ رسول الله، وأنه أفضلُ كلامٍ نطق به لسان، ولن تُدرِك ذلك في كلامِ رسول الله إلا إذا قرأت الشِّعرَ وقرأت البيانَ العربي.

• المعرفةُ ليست درسًا نَسمعُه ولا كتابًا نقرؤه، المعرفةُ جِهاد؛ فجاهِدُوا في الله حقَّ جهاده.

• الجهادُ في الله حقَّ جهاده ليس فقط في ميدان الحرب، وإنما قبل أن يكون في ميدان الحرب هو على الأرض؛ لإعمار العقول وإيقاظ النفوس والإصلاح.

• تعليقًا على قول الإمام عبد القاهر: «ثم إن العَجبَ كلَّ العَجَب ممَّن يَجعل كلَّ الفضيلة في شيء هو إذا انفردَ لم يَجِب به فَضلٌ البتَّة»، قال شيخُنا: أنتم جعلتم كلَّ الفضيلة في الخِفَّة على اللِّسان، وإذا لم يكن في الكلام فضيلةٌ إلا الخِفَّة على اللِّسان فإنه لا يكون فيه أي فَضْل؛ لأن فضيلةَ الكلام إفادةُ مَعانٍ وعلاقاتُ كلمات، وإبانةٌ عن معاني النفوس في كلام الناس، وإبانةٌ عن معاني الوحي في كلام رسول الله، وإبانةٌ عن مُراد الحقِّ من الخَلْق في كلام الله.

• يا أيها الأعزاء، لو كنتُ مكانَ الإمام عبد القاهر ما كتبتُ أكثرَ من صفحةٍ في الردِّ على من يقولون إن بلاغةَ الكلام ترجع إلى ألفاظه، ولكن أنا يُهمُّني جدًّا أن أتعرَّف على طريقة عبد القاهر في التحليل وطريقته في التفكير.

• هناك جُملٌ في الكلام هي أمُّ المعنى؛ فإذا هداك عقلُك إلى «الجُملة الأمِّ» فضَعْ خطًّا تحتها، واكتبْها في الهامش حتى لا تنساها، واحفظْها.

• خِفَّةُ الكلام على اللِّسان ليس لها قيمةٌ إلا إذا كان الكلامُ قد أُلِّفَ ليُبِينَ عن معنًى.

• رَبطُ الكلمة بالكلمة هو سبيلُ الإبانة عما أريدُ الإبانةَ عنه، وهذا الرَّبطُ هو ما نُسمِّيه: «النَّظْم».

• النَّظْمُ ليس فلسفةً ولا فكرًا غامضًا، النَّظْمُ حقيقةٌ تُعالجها أنت وأنا، ويُعالجها وليدُك الصَّغير.

• اللغةُ ليست بعيدةً، اللغةُ في قلوبنا، وفي صُدورنا، وفي ألسِنتنا، وفي أفواهنا، وفي أفواه صِغارنا وكِبارِنا، ولكنَّ المُهمَّ أن يتنبَّه العقل؛ إذا تنبَّه العقلُ وجدَ حقائقَ الأشياء كتابًا مفتوحًا.

• غفلةُ العقل تَقودُه إلى الضَّلالة، ويقظةُ العقل تَقودُه إلى التقدُّم.

• ليس هناك مقصودٌ في الدُّنيا أعلى مِن أن يتحرَّك العقل.

• كلامُ العلماء ليس عِلمًا فحسب، كلامُ العلماء إيقاظٌ للعقل الإنساني وإخراجٌ له من الغفلة.

• حين يُكرِّر ربُّنا جُملةً فلا بدَّ أن تَعود أنت عليها، وأن تُكرِّر تَدبُّرها؛ لأن ربَّنا لا يُكرِّرها إلا لشدَّة حاجتك إليها.

• فكَّرتُ كثيرًا في تكرار قوله تعالى: {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ} فوجدتُ أن التكرارَ في قوله تعالى: {فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} المعنى فيه ظاهر، وأن التكرارَ في قوله تعالى: {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ} المعنى فيه ظاهر، أمَّا قولُه تعالى: {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ} فقد وجدتُ للعلماء فيه كلامًا جليلًا جدًّا؛ قالوا إن الطاقة البشرية الأصلُ فيها العَجزُ المطلَق عن حِفْظ القرآن؛ لأنه أمرٌ إلهيٌّ، فلم تَستطع الطاقة البشرية حِفْظَ الأمر الإلهي، ولذلك كان مِن الذي لا يمكن أن يكون أن يَحفظَ الإنسانُ الضعيفُ كلامَ القويِّ القاهرِ القادر لولا أنه يَسَّره للذِّكْر؛ فكان تَيسيرُ القرآن للذِّكْر هو السِّرَّ في أن استطاع طفلٌ قبل سِنِّ العاشرة أن يَحفظَه.

• الأزهرُ قديمًا كان لا يَقبل الطالبَ إلا إذا حفظ القرآنَ حفظًا كاملًا، وامتُحِنَ فيه امتحانًا كاملًا، وكان يَقبل الطلاب من سِنِّ اثنتي عشرة سنة، فكان كلُّ الذين يَدخلون الأزهر مِن سِنِّ اثنتي عشرة سنة يَحفظون القرآن، وهذا كلُّه مِن تيسير القرآن للذِّكْر.

• مِن تَيسير القرآن للذِّكْر أنَّ أذني تَسمع القرآنَ فتَجِدُ فيه نَغمًا مختلفًا عن نَغَم الشِّعر، وعن نَغَم البيان، وعن نَغَم كلام سيدنا رسول الله، صلَّى الله عليه وسلَّم، مع جلال بلاغِه وبلاغتِه.

• نحن مطالَبون بأن نَترك المعانيَ على سَجِيَّتها، وأن نأتيَ لها بما تتطلَّبه، أرأيتَ حلاوةَ الوجود الإنساني! أنت ليس من حقِّك أن تَقهرَ المعنى الذي في صدرك، فكيف تَقهرُ أنت المعنى الذي في صدري أنا! أرأيتَ الفطرةَ التي تبني الوجودَ الإنساني.

• الواجبُ عليَّ أن أتكلَّم وإن كان لا يُفهَم كلامي؛ لأنني وقد بلغ عُمري تسعين عامًا لا أريدُ أكثرَ مِن أن يَهديَ الله بي طالبَ علمٍ واحدًا.

• عليك أن تجتهدَ حتى وإن كنتَ معتقدًا أنك لم تَجِدْ أيَّ أثرٍ لاجتهادك؛ لأنك لست مطالَبًا بنتائج، أنت مطالَبٌ بالعمل لإنتاج نتائج؛ فعليك أن تعملَ وأن تتركَ النتائجَ لله ربِّ العالمين.

• كلَّما وجدتُ الجهلَ طغى وغلب وجدتُ حافزًا في نفسي على إكثار الجِدِّ؛ لأن الجهلَ لا يُيَئِّسِنُي، وإنما يَزيدني حرصًا؛ لعلَّ كلمةً تَسقط في نَفْسِ واحدٍ فقط من المئات والآلاف التي أعلِّمها.

• الجهادُ ليس بالسَّيف وحدَه يا خَلْق الله؛ الضَّربُ في الأرض جهاد، العملُ في العِلم جهاد، كلُّ ما تنوي به الخيرَ لخير أمَّة أُخرجَتْ للناس هو جهاد.

• ازرعْ في قلبك أن البيانَ حرَّم علينا أن نَضِيمَ المعنى الذي في نفوسنا، فكيف نُجيز لأنفسِنا أن يَضِيمَ بعضُنا بعضًا، تأمَّل هذا السُّلوكَ الحضاريَّ الفطريَّ الإنساني!

• في دُستور البيان الإنساني حَرامٌ أن يَضِيمَ الإنسانُ المعنى، فكيف يَضِيمُ الإنسانُ الإنسانَ!

• لا بدَّ أن تَفتح آفاقَك للمعرفة حتى تُنيرَ المعرفةُ قلبَك وعقلَك.

• حين أجِدُ في الكتب شواهدَ للكلام الرديء أنظرُ فيها وأُفارِقُها سريعًا؛ لأن عليَّ بن عبدالعزيز الجُرجانيَّ، صاحبَ «الوساطة»، مِن أوَّلِ حياتي، حذَّرني مِن طُول النظر في الكلام الفاسد؛ لأن انتقالَ الفساد إلى النَّفْس الإنسانية أسرعُ من انتقال الصَّلاح إليها.

• سيِّدُنا رسولُ الله، صلَّى الله عليه وسلَّم، قال: "تُعرَضُ عليَّ أعمالُكم"؛ فأنا أريد أن يُعرضَ عليه عملي وأنا أبذل أقصى طاقتي في خدمة أمَّتي؛ لأنه هو الذي كان يقول: "أُمَّتي أُمَّتي"، وأنا أتْبَعُه في ذلك.

• مَن يَحْرِمُ الإنسانَ من حق الاختيار يَحْرِمُ الإنسانَ من إنسانية الإنسان، ولذلك كان الظلمُ والاستبدادُ مِن أبشعِ ما يُغضِب الله، وسيِّدُنا رسولُ الله، صلَّى الله عليه وسلَّم، قال: "أوَّلُ مَن يَدخل الجحيمَ حاكِمُ جَوْر".

• أنا أريد أن أتعلَّم كيف أكون مُستمِعًا لكتابٍ يُخاطبني؛ لأن الكتابَ عَقلٌ متفوِّقٌ يُخاطب القارئ، وعبدُ القاهر لم يكتب كتابَه هذا إلا وهو في لحظةِ صفاءٍ ذِهنيٍّ جيِّد.

• كلُّ كتابٍ هو لحظاتُ صفاءٍ لكاتبه، وأنا أستمع إلى لحظاتِ صفاءِ عالمٍ متفوِّق؛ فإن لم يكن هذا يَنفعُك ويُغيِّرك ويَصنعُ منك إنسانًا أفضلَ فعلى الدُّنيا السَّلام.

• تعقيبًا على قول الإمام عبد القاهر في حُسْن التجنيس: «كأنه يَخدعُك عن الفائدة وقد أعطاها، ويُوهِمُك أنه لم يَزدْك وقد أحسن الزِّيادةَ ووفَّاها»، قال شيخُنا: اللغةُ مِن مهمَّاتها، ومن محاسِنها، ومن فنونها، ومن جِناسها = أنها تَستفزُّ العقلَ، وتُوقظ العقل، وتُنبِّه العقل، ولا تُعطِيه إلا مِن بعد أن تُوقِظَه، ولا تُعطِيه إلا من بعد أن تُوهِمَه أنها لن تُعطِيه؛ فالبيانُ أجاز لنفسه الخديعةَ حتى يُوقِظَ العقلَ الإنساني.

• كلُّ عملٍ في البيان هو عملٌ في العقل.

• تعليقًا على قول الإمام عبد القاهر: «والقولُ فيما يَحْسُن وفيما لا يَحْسُن من التجنيس والسَّجْع يطول»، قال شيخُنا: إذا كنتَ باحثًا جيدًا لوقفتَ عند كلِّ ما قال العلماء إن الكلامَ فيه يَطُول ولم يُطِيلوه، ولبحثتَ عمَّا فيه من أسرار؛ لأن كلَّ بابٍ من أبواب العلم يَفتحُ لي من ورائه أبوابًا، ولذلك حين يَشكو لي طلابُ الدراسات العليا أنهم لا يجدون موضوعاتٍ للدراسة أعرفُ أنهم لم يَعْمَلوا، وحين أجد الأساتذة يقولون إنه لم تَعدْ هناك موضوعاتٌ للدراسة أعلم أنه لم يَعدْ عندهم هِمَّةٌ؛ لأن العلمَ كلُّ خُطوةٍ فيه تَفتح بابَ خُطوة ثانية.

• بعد أن بيَّن شيخُنا ما في أوَّل الفقرة رقم (611) مِن عِلم، قال: ربما تَمرُّ عليك هذه الجُملةُ بسرعة وأنت تعتقد أنك ما دمتَ تُصلِّي وتُسبِّح ستُفتح لك أبوابُ الجنَّة، أبوابُ الجنَّة تُفتح لمن جَدَّ واجتهدَ في هذه الدُّنيا.

• عبدُ القاهر يَظلُّ يُبيِّن القولَ الفاسدَ حتى يَجعلَك تعتقدُ أن الذي يقول به لا عقلَ له، وهذه هي حركةُ فِكْر العلماء وقيمةُ فِكْر العلماء؛ ليس دَحْضَ الرأي فقط، وإنما السُّخريةُ مِن القائل به.

• ختَم شيخُنا الدرسَ بالتضرُّع إلى الله قائلًا: ربُّنا - سبحانه وتعالى - يَمُنُّ علينا ويَجعلُ مجلسَنا هذا مِن مجالسِ الذِّكر، التي تَحفُّها الملائكة وتَنزِل عليها السَّكينة ويَذكرها الله في مَن عندَه، ويَجعلُنا في مجلسنا هذا من القوم الذين لا يَشقَى جَليسُهم، ليس بالعِلمِ الذي يُقال فيه وإنَّما بصِدق النِّيات.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد والحمد لله رب العالمين


مقالات ذات صلة


أضف تعليق