تفجيرات الرياض أحكام ومخاطر


 بسم الله الرحمن الرحيم

الخطبة الأولى:

أما بعد أيها الأخوة المؤمنون:

لا شك أن الأحداث التي وقعت في بلادنا محزنة مؤلمة، وأنها كذلك تحمل مؤشرات خطيرة، ودلالات ذات أثر كبير، وأول ما أبدأ به أن منطلق المسلم بالنظر في كل أمر، والحكم عليه ومعرفة دلالاته ومآلاته إنما هو مخصوص ومحصور في أمرين اثنين:

 

الأول: الحكم بضوء نصوص الشرع من كتاب الله، وسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وفق القواعد الفقهية، والمقاصد الشرعية، والقواعد الأصولية التي قررها وأخذ بها سلف الأمة وعلماؤها عبر تاريخها الطويل.

والثاني: تنزيل هذا الحكم الشرعي على الواقع الذي يعيشه المسلم بمراعاة المصالح الشرعية للأمة الإسلامية، ومنع حصول المفاسد التي تجرّ إلى ما هو أعظم وأكبرº فإن من الأحكام ما يكون مستحباً ومندوباً، بل واجباً ومفروضاً، غير أنه في واقع معين يكون غير واجب وغير لازم في ذلك الزمان أو المكان أو الظرف أو الحالº لأن إقناعه يترتب عليه من عدم حصول المقصود وحصول ضده، ما يجعل الحكم مختلفاً في ذلك الوقت والظرف والحال.

وهذا أمر بيّن جلي، وإن كان تفريعه وتطبيقاته كثيرة، ومن هنا هذه وقفات لتأكيد الأحكام الشرعية في أصول أو في أكثر ما تعلقت به هذه الحوادث الأليمة.

 

أولها: حرمة دم المسلم:

وهذه حرمة عظيمة، تظافرت نصوص الكتاب والسنة، وتجلّت فيها مقالات علماء الأمة قديماً وحديثاً في خطورتها لما جاء فيها من النصوص الوعيدية العظيمة ومن ذلك قول الحق - سبحانه وتعالى-: {وَمَن يَقتُل مُؤمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً} [النساء: 93].

قال ابن كثير - رحمه الله - في تفسيره تعليقا على هذه الآية: \" أولاً فيه تهديد شديد ووعيد أكيد لمن تعاطى هذا الذنب العظيم الذي هو مقرون بالشرك بالله في غير ما آية من كتاب الله - سبحانه وتعالى- \".

 

وقال ابن القيم - رحمه الله -: \" لما كان الظلم والعدوان منافيين للعدل الذي قامت به السماوات والأرض، وأرسل الله - سبحانه - رسله - عليهم الصلاة والسلام - وأنزل كتبه ليقوم الناس بالقسط، كان - أي الظلم - من أكبر الكبائر عند الله، وكانت درجته في العظمة بحسب مفسدته في نفسه، وكان قتل الإنسان المؤمن من أقبح الظلم وأشده \"، ثم قال: \" ولما كانت مفسدة القتل هذه مفسدة \"، قال الله - جل وعلا -: {مِن أَجلِ ذَلِكَ كَتَبنَا عَلَى بَنِي إِسرائيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفساً بِغَيرِ نَفسٍ, أَو فَسَادٍ, فِي الأَرضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً} [المائدة: من الآية 32].

قال مجاهد: \" أي في الإثم أي كأنما تحمل إثم قتل الناس جميعاً \". وقد عقد الإمام البخاري في صحيحه باباً ترجمه بهذه الآية: [باب قوله - تعالى -: {وَمَن يَقتُل مُؤمِناً مُتَعَمِّداً}].

وأورد فيه حديث ابن عمر - رضي الله عنه - عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (لن يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دما حراماً) وفي رواية أخرى: (في فسحة من ذنبه) قال ابن حجر - رحمه الله - في حديث النبي: (ما لم يصب دماً حراماً) قال: \" يضيق عليه دينه \"، ففيه إشعار بالوعيد على قتل المؤمن متعمداً كما يتوعد به الكافر.

ثم كذلك ورد في هذا الباب عند البخاري قول ابن عمر - رضي الله عنه - وهو راوي هذا الحديث قال: (إن من ورطات الأمور التي لا مخرج لمن أوقع نفسه فيها سفك الدم الحرام بغير حله) قال ابن العربي كما نقل ابن حجر في الفتح تعليقاً على بعض هذه الأحاديث: ثبت النهي عن قتل البهيمة بغير حق، فكيف بقتل الآدمي؟ فكيف بالمسلم فكيف بالتقي الصالح؟

 

والأحاديث والنصوص في ذلك عظيمة منها: حديث ابن مسعود المعروف المشهور الصحيح: (لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والتارك لدينه المفارق للجماعة).

وحدث أبي بكرة في الصحيح - وهو حديث عظيم - قاله رسول الهدى - صلى الله عليه وسلم - على مشهد من أمة الإسلام في حجة الوداع، تقريراً لأصول الإسلام وقواعده الجامعة وأصوله الراسخة: (إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا).

وأورد البخاري في كتاب الأحكام من حديث سمرة وجندب وما كان معهما من أصحابهما ويتذاكران معهما - وهما من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - وصايا رسول الهدى - عليه الصلاة والسلام - فقالوا: \" أوصنا \" فكان من وصية سمرة - رضي الله عنه - قال: (إن أول ما ينتن من الإنسان بطنه فمن استطع أن لا يأكل إلا طيبا فليفعل، ومن استطاع أن لا يحال بينه وبين الجنة بملء كفه من دم أهرقه فليفعل)، أي أنه لابد أن يتقي الدم الحرام، حتى يكون بإذن الله - عز وجل - ممن تعرضوا لرحمة الله، بعيداً عن الذنوب التي تحول بينهم وبينها، نسأل الله - عز وجل - السلامة.

 

وفي سنن النسائي وابن ماجة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من حديث البراء: (لزوال الدنيا أهون على الله من قتل مؤمن بغير حق) قال البوصيري صحيح رجاله موثوقون.

والأحاديث في هذا كثيرة معروفة، والمهم الذي نقوله: إن هذا من مسلمات الدين بالضرورة، ومن المقطوع الذي أجمع عليه علماء الأمة سلفاً وخلفاً، وهو الذي لا يكون لأحد فيه عذر إلا بما كان من شرع الله - عز وجل - الذي يستوجب فيه المسلم قتلاً بحد أو ردة، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - في ذلك من الأحاديث ما هو مشهور.

ورد في حديث أسامة بن زيد عند مسلم في صحيحه في بعث الحرقات.. القصة الشهيرة التي أهوى فيها أسامة بن زيد على رجل من المشركين بسيفه فقال قبل أن يضربه ويقتله: \" لا إله إلا الله \"، فقتله أسامة بعد ذلك، فبلغ ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - فعظّم في ذلك وشدّد، وفي بعض الروايات قال أسامة: إنما قالها متعوذاً - أي قال الكلمة لما رأى الموت والقتل - فقال - عليه الصلاة والسلام -: (أفلا شققت عن قلبه فعرفت ما فيه؟ ).

 

ولاشك - أيها الأخوة - أن هذه مسألة خطيرة إذا استحلت دماء المسلمين بالتأويلات الباطلة، وبالفهوم الخاطئةº فإن ذلك مظنة فساد عظيم يختله الأمن، وتتلف به الأموال، وتزهق به الأرواح، وينفرط به العقد، وتعظم به الفتنة، فلابد أن يعرف كل مسلم أن حرمة دم المسلم العظيمة لا يمكن أن تنتهك إلا بحق شرعي بيّن واضح، مستوف شروطه بكلام أهل العلم، وإقامة أهل الحكم والسلطان لتلك الأحكام والشرائع.

{وَمَن قُتِلَ مَظلُوماً فَقَد جَعَلنَا لِوَلِيِّهِ سُلطَاناً فَلا يُسرِف فِي القَتلِ إِنَّهُ كَانَ مَنصُوراً} [الإسراء: من الآية33].

والآية نص في أنه ينبغي أن لا يأخذ كل أحد حقه بيده وفق تأويله وفهمه، ووفق حكمه من غير رجوع إلى ذوي الرأي من أهل العلم، وذوي السلطان من أهل الحكم، وإلا لكان لذلك ما يحصل مما وقع في بلاد كثيرة من بلاد المسلمين، نسأل الله - عز وجل - السلامة والعافية.

 

وأمر ثانٍ, - وقد أطيل فيه القول قليلاً - لأنه ربما لا يكون وضوحه كوضوح سابقه وهو: قتل المستأمنين الذين لهم أمان في بلاد المسلمين

هذه مسألة مهمة، روى البخاري في صحيحه من حديث النبي - صلى الله عليه وسلم -: (من قتل معاهدا لم يرح رائحة الجنة وإن ريحها يوجد من مسيرة أربعين عاماً)، وقد ترجم البخاري في هذا الحديث بقوله: [باب إثم من قتل معاهدا بغير جرم]، وقال ابن قدامة - رحمه الله - في المغني: \" الأمان إذا أعطي أهل الحرب حرم قتلهم، ومالهم، والتعرض لهم \"، وقال محمد بن الحسن من أئمة الحنفية: \" الأصل أنه يجب على إمام المسلمين أن ينصر المستأمنين ما داموا في ديارنا وأن ينصفهم ممن يظلمهم كما هو واجب عليه في حق أهل الذمة \".

ولذلك أدلة هي التي أخذ بها العلماء في تأمين آحاد وأفراد الرعية فضلا عن ولاتها. من ذلك قول الله - سبحانه وتعالى-: {وَإِن أَحَدٌ مِنَ المُشرِكِينَ استَجَارَكَ فَأَجِرهُ حَتَّى يَسمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبلِغهُ مَأمَنَهُ} [التوبة: من الآية6].

ومن ذلك قول النبي - صلى الله عليه وسلم - في الصحيح عند الشيخين: (ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم فمن أخفر مسلما - أي في ذمته وعهده الذي أعطاه - فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه يوم القيامة صرفاً ولا عدلاً) هذا قول سيد الخلق - صلى الله عليه وسلم -.

وقال في رسل المشركين - وكانوا في العرف من المستأمنين -: (لولا أن الرسل لا تقتل لقتلتكما) قال ابن مسعود: \" فمضت السنّة أن الرسل لا تقتل \".

 

والتعرض لمن أخذ أماناً، وهو يعرف أنه أمان تام وكاملº فإن التعرّض له غدر، والغدر محرم في دين أهل الإسلام، للحديث الصحيح عند البخاري من حديث الرسول - صلى الله عليه وسلم -: (لا يصلح في ديننا الغدر) قال الشوكاني - رحمه الله -: \" ليس في هذا خلاف بين أهل الإسلام، بل هو من ضرورات الدين، وقد تكرر الأمر بالوفاء به، والنهي عن عدم الوفاء به في الآيات القرآنية والأحاديث النبوية \"، وقال ابن قدامة - وهذا الكلام يدلنا على دقة العلماء والأئمة، وعلى معرفة أحكام الإسلام في ضوء النصوص، وبيان عظمة الإسلام في عهوده ومواثيقه وفي أحكامه وتشريعاته قال: \" يحصل الأمان بما يدل عليه من قول وغيره \".

فإن فهم غير المسلم أماناً بقول أو تأشيرة أو عقد أو نحو ذلكº فإنه فهم ولا يعرف ما وراء ذلك مما قد يضل به أو ينحرف به مجتهد على غير أساس صحيح، وعلى غير علم كامل، وهذا أمره مهم، وقد أكد عليه العلماء - كما قال النووي وهو من الشافعية -: \" ويصح - أي الأمان - بكل لفظ يفيد مقصوده، وبكتابة، ورسالة وغير ذلك \". وقال السرخسي من الحنفية: \" مبنى الأمان على التوسع حيث يثبت بالمحتمل من الكلام فكذلك يثبت بالمحتمل من الإشارة \". أي لو كان هناك احتمال أن هذا القول أو الفعل أمان أو غير أمان، ينبغي أن نغلب جانب الأمان رعاية لعهد الإسلام، ولحرمة الوفاء بالعهد للمسلم وغير المسلم.

 

والقاعدة الشرعية الفقهية تقول: \"إذا اشتبه المباح بالمحرم غلب جانب المحرم تورعاً عن نقض العهد أو الوقوع في الغدر أو إصابة دم حرام \" وقال الشربيني من المالكية: \" بناء الباب- أي الأمان - على التوسع في حقن الدماء \". فهذه نصوص شرعية، وأقوال سلفية علمية، تدل على هذه الحرمة الواضحة البيّنة، فمن كان له اجتهاد وهو أصلا ليس من أهل الاجتهاد، ثم كان له افتئات تعدى به ما يجب الأخذ به إن وجد حكم فيه التباسº فإن فعله ذلك محرم وما ترتب عليه إثم وجرم، لا يمكن تسويغه ولا التماس العذر فيه، وإلا لكان لكل أحد أن يجتهد فيما يشاء، وأن يقرر صحة وصواب اجتهاده، وأن ينفذ موجب اجتهاده، فلا يصير عصمة بعلم، ولا عصمة بولاية، ويكون من أثر ذلك ما يكون من الفساد العظيم.

 

وثمة مفاسد وأمور أخرى.. قد ذكرنا أن هذا الحكم الشرعي وكذلك مراعاة المصلحة الإسلامية فثمة أمور أخرى أذكرها من غير تفصيل فيها لذكر المقام.

من هذه المفاسد ترويع المسلمين..

فإن هذا قد بث الرعب في قلوب كثير من الناس، وأدخل إلى نفوسهم الهلع والخوف والجزع، ويجعل الناس كأنما هم غير آمنين على دمائهم وأعراضهم وأموالهم، مادام ثمة من يستحلها، ويرى أنه يفعل ذلك ولا حرج عليه في دين الله، وهي قضية خطيرة أؤكد مرة بعد مرة خطورتها.

 

الأمر الثاني: الإخلال بالأمن والافتئات على السلطان:

وهو انفراط عقد إذا وقع لا قدر الله - جل وعلا - تحصل به من المفاسد ما هو أضعاف أضعاف أضعاف ما قد يظن من مصلحة مرجوحة لا راجحةº فإن ذلك مظنة - أي اختلال الأمن - انتهاب الأموال، وانتهاك الأعراض، وإزهاق الأرواح، واختلال الأحوال، وامتناع الناس عن مزاولة أمور حياتهم، بل وتعطل أمور من الشرع عظيمة، كإقامة العبادات، ونشر الخير والدعوة إلى الله - عز وجل - والأمر بالمعروف والنهي عن المنكرº لأنه إذا اختل الأمن، وانفرط العقد لم يعد لأحد من أمر ولا همّ إلا حفظ نفسه وأهله، وتتعطل بذلك من المصالح والمقاصد الشرعية الشيء العظيم.

 

الثالث: تشويه صورة الإسلام والمسلمين:

ولا يخفى علينا أن ذلك هدف مقصود لأعدائنا، وأنه في الآونة الأخيرة قد ضللت به كثير من الشعوب غير الإسلامية، فيكون مثل هذا الفعل مزيداً مما يلتبس به الأمر على عموم أولئك القوم، ويستفيد منه الأشرار منهم المحاربون للإسلام وأهلهº ليزيدوا بذلك ما يريدونه من تشويه صورة الإسلام وأهله، وأخذ ذلك ذريعة لما وراءه من الاعتداء والتسلط والتحكم في أهل الإسلام، ولا شك أيضاً - أن هذا بما قد جرى به لا يمكن أن يقدم على أنه صورة للجهاد في سبيل الله، أو على أنه نموذج للتعامل مع غير المسلمين، بل هو كذلك حتى مع المسلمين، والجهاد ماضٍ, إلى يوم القيامة، والجهاد شريعة لا ينقضها أحد، ولا يمكن لأحد - كائناً من كان - أن يغيّرها، لكن أحكام الإسلام لها شرائع، ولها ضوابط، ولها أحكام، ولا تخضع لمجرد ردود الأفعال وعواطف الناس، وذلك ما سنشير إليه.

 

الرابع: إيجاد الذرائع لمزيد من العدوان والتسلط على الإسلام وأهله عموما وعلى هذه البلاد خصوصا:

إننا عندما نتحدث عن مثل هذه الأمور - وقد أسلفت القول من قبل أن منبر الجمعة منبر حق لا يريد إلا وجه الله ولا يقصد إلا مصلحة الإسلام والمسلمين - عندما نقول ذلك ينبغي أن ندرك تغليب المصالح وتأصيلها على عواطف النفوس ونزواتها، وعلى ضلال العقول وانحرافها، وعلى فساد الأعمال وحرمتهاº فإن هذه البلاد من أفضل بلاد المسلمين، وهي موقع الإسلام وموئله، ومكان بعثة الرسول - صلى الله عليه وسلم - ونزول الوحي، وموضع الحرمين، وفيها من الخير ما ليس في بلاد الإسلام كلها في الجملة، وهي اليوم أعظم بلد مستهدف لينتقض ما فيها من كثير من هذا الخيرº فإن من يسعى أو يدخل في هذه المداخل فإنما يعين على أن يصاب الإسلام وأهله في هذه البلاد، وهي معقل من المعاقل العظيمة الحصينة المهمة بالنسبة للإسلام والمسلمين جميعاً في كل مكان، فينبغي أن نعرف أننا عندما نحرص على بلادنا وعلى مجتمعنا وأمنناº فإننا إنما نقدم ذلك قربة لله - عز وجل - ورعاية لمصالح الدين ومصالح المسلمين، وتكاملاً وتكاتفاً على تحقيق تلك المقاصد العظمى، التي لابد أن يأتلف عليها أهل الإسلام جميعاً حكاماً ومحكومين.. علماء ومتعلمين.. رعاة ورعيةº فإن دين الله هو أعظم شيء عند كل أحد، وإنما يكون الحاكم حاكماً، والمحكوم محكوماً بحكم شرع الله - سبحانه وتعالى-، فهو المقصد الأعظم، وكل الناس في هذه الحياة الدنيا من حاكمهم ومحكومهم إنما هم متعبدون لله - عز وجل -، متبعون لرسوله - صلى الله عليه وسلم - مستخدمون لإقامة هذا الدين، ورفع رايته، والذب عنه، فمهما كان هذا الهدف طريقاً، فلابد من سلوكه والأخذ به والتعاون فيه على البر والتقوى.

 

الخامس: إضعاف المسلمين وإضعاف قوتهم ووحدتهم وإثارة البلبلة في صفوفهم وتقطيع الأواصر فيما بينهم:

وذلك كله من الفساد العظيم، والخطر الجسيم، وقد جاء في بيان هيئة كبار العلماء ما يشير إلى ذلك في القول: \" ثم ليعلم الجميع أن الأمة الإسلامية اليوم، تعاني من تسلط الأعداء عليها من كل جانب، وهم يفرحون بالذرائع التي تبرر لهم التسلط على أهل الإسلام، وإذلالهم واستغلال خيراتهم، فمن أعانهم في مقصدهم وفتح على المسلمين وبلاد الإسلام ثغراً لهم فقد أعان على انتقاص المسلمين، والتسلط على بلادهم وهذا من أعظم الجرم \" ولابد أن نعي المهم من هذه الأحداث والاعتبار بها والواجب نحوها.

 

وأشير إلى المطلوب في إيجاز شديد وقد يكون لنا حديث متصل في معان تتعلق بهذا.

أول أمر: الثبات على الحق والاستمساك بالإسلام:

فإن هذه الأحداث - وما سبقها من أحداث أخرى من العدوان على المسلمين - لا تزيدنا إلا تشبثا بديننا، واستمساكا بإسلامنا، واعتزازا بإيماننا، وتشبثا بوحدتنا، ينبغي أن نعلم أن هذا الذي يجب أن يكون من المسلمين كلما ادلهمت الخطوب، أو كثرت المحن، أو عظمت الفتن، وفي هذه البلاد على وجه الخصوص وأساس قيامها على أمر بصرة الدين ونشره، وكل ما جاء في أنظمتها التعليمية والإعلامية وغيرها من المنصوص عليه.. منصوص على أن كل أهدافها في تعليمها وإعلامها وغير ذلك إنما هو تمثيل الإسلام والتزامه، وعدم مخالفته، والدعوة إليه، وهذا هو الخير الذي وقع لها وفيها إنما هو بسبب ذلك، فإذا أردنا مزيداً من الخير، وإذا أردنا مزيداً من عودة الأمان والاستقرار، وإذا أردنا التأكيد على خيرية هذه البلادº فإنها إنما هو بما ترفعه من شعار الإسلام، وما تتبناه من التزامه وعدم مخالفته، وما تدعوا إليه من ذلك، وينبغي أن نتعاون على سد كل نقص، وإكمال كل خلل في مثل هذا، وهذا واجب كل أحد، ليس واجب العلماء وحدهم، وليس واجب الأمراء وحدهم، بل واجب كل أحد أن يسعى إلى ذلك وأن يدعو إليه.

 

والثاني: نشر العلم الصحيح والدعوة إلى الله على بصيرة وحكمة وبينة من الأمر وبيان منهج الوسطية الحقة في الإسلام:

لا إفراط ولا تفريط، ولا غلو ولا جفاء وبيان ذلك وفق آيات الله، ووفق التطبيق الأمثل الأكمل لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذي بيّن خطر الغلو في الدين، وبيّن وصفه، وبيّن عاقبته وثمرته الدنيوية، وجزاءه وعقوبته الأخروية، وليس هذا مجال حديثنا والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والحرص على معرفة أن المنكرات هي سبب الخلل، وسبب الضرر، وقد أشرنا إلى ذلك، ولابد من بيان المنهجية الشرعية في إنكار المنكر، وبيان درجاته، وبيان ترتب حكم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على ما يتوقع أو ما يحصل بعد ذلكº فإن كان إنكار المنكر يؤدي إلى ما هو أكبر منه وجب الامتناع عن إنكار هذا المنكر، وهذا كلام فقهي أصيل، قال به علماء الأمة قديماً وحديثاً، فليس الأمر مجرد عاطفة متقدة، ولا مجرد اندفاع لا ضابط له، إنها أنوار نصوص الوحي، وإنها ضوابط قواعد الفقه، وإنها معالم مناهج الأئمة والعلماء من سلف الأمة - رحمة الله عليهم - ومن سار على نهجهم.

 

وأخيراً: الوحدة والائتلاف والحرص عليها ونبذ الفرقة والاختلاف:

فإنه ما من أمر يفرح به الأعداء من فرقة صفوف المسلمين واختلاف كلمتهم، وما من أمر يكون له خير وأثر ونفع في الإسلام وأهله من ائتلاف القلوب واجتماعها، وإن اختلفت بعض الآراء والاجتهادات، وهذا الائتلاف الأصل أننا نبحث عنه ونقيّمه، ونسعى إليه في كل سبب وطريق من الطرق المشروعة في هذا، فينبغي أن نحرص على تجمع المسلمين ووحدتهم حكاماً ومحكومين في بلادهم المختلفة وفي مجتمعاتهم المتنوعة، وألا ننقص في ذلك جهداً، وألا ندخر فيه عملاًº فإن هذا من أعظم الأمور، ومن هنا يأتي الدور المهم والواجب المنوط على الحكام والأمراء، وعلى الأئمة والدعاة والعلماء أن يكونوا من أول الساعين والباذلين في ذلك، وقد جاء مثل هذا في وصية هيئة كبار العلماء التي أختم بها مقالنا في هذا المقام: \" كما أنه يجب العناية بالعلم الشرعي المؤصل من الكتاب والسنة وفق فهم السلف الأمة، وذلك في المدارس والجامعات والمساجد ووسائل الإعلام، كما أنه تجب العناية بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتواصي على الحقº فإن الحاجة بل الضرورة داعية إليه الآن أكثر من أي وقت مضى، وعلى شباب المسلمين إحسان الظن بعلمائهم والتلقي عنهم، وليعلموا أن مما سعى إليه أعداء الدين الوقيعة بين شباب الأمة وعلمائها وتبنيهم وبين حكامهم حتى تضعف شوكتهم وتسهل السيطرة عليهم فالواجب التنبه لكل هذا \".

 

**********

الخطبة الثانية

أما بعد أيها الأخوة المؤمنون:

وإن من هذه الأمور التي ينبغي التنبيه عليها:

أن مجرد العاطفة المتقدة أو رد فعل لما قد يحصل لبعض الناس من هنا أو هناك، أو لما قد يحصل على عموم الأمة من هذه الكوارث وتسلط الأعداء لا ينبغي أن يكون هو المرجع الأوحد لصحة هذه الأعمال، بل في كل هذه الأحوال نجد الانحراف والزيغ في ذلك، ولنا أمثلة كثيرة جدا من حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - وتوجيهه لأصحابهº فإن الأمر منوط بالحكمة، وبتحقيق المصلحة، وبتطبيق الشرع على موجب دلالات النصوص، قال العباس بن عبادة بن نضرة - من المبايعين لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - في يوم العقبة الثانية - بعد أن بايعوا على نصرة النبي - صلى الله عليه وسلم - والذود عنه وعلى الإسلام والإيمان قال: \" لو شئت أن نميل على أهل هذا الوادي على أهل منى - أي أن نقاتلهم - لفعلنا \"، فقال - صلى الله عليه وسلم -: (إنا لم نؤمر بذلك).

كان الأمر والظرف والوقت غير مشروع فيه القتال والقتلº حفظاً لقوة المسلمين، وتيسير الاستمرار مسيرتهم ودعوتهم ونبي الهدى - صلى الله عليه وسلم - طاف في عمرة القضاء في العام السابع من الهجرة طاف بالكعبة المشرفة، والأصنام حولها، وفيها ستون وثلاثمائة صنم لم يكسرها لم يتعرض لها لم يبصق عليها، وليس في فعله، إقرار بها ولا رضي بها، لكنه - صلى الله عليه وسلم - من جهة يحترم العهد والميثاق ومن جهة يعلم أن كل شيء بأوانه، وأن كل أمر بما يفضي إليه العمل المناسب، والحال الحكيم المؤدي إليه بعد عام واحد لا أكثر في العام الثامن دخل النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى مكة المكرمة ومعه عصا في يده محجن يطعن بها في هذه الأصنام ويسقطها فتتهاوى وتتكسر، وهو يقول: {وَقُل جَاءَ الحَقٌّ وَزَهَقَ البَاطِلُ إِنَّ البَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً} [الإسراء: 81].

وتعرفون كم هي المرات التي غلى دم الإيمان في قلب عمر - رضي الله عنه - واشتعلت حميته وحماسته، فقال: \" دعني أضرب عنق هذا المنافق \"، قالها في حادثة حاطب بن أبي بلتعة، وقالها في غير ذلك أيضا في قصة عمير بن وهب وفي غيره من القصص، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يمنعه من ذلك إما لتقرير الأحكام وبيانها، وإما لبيان المصالح ومآلها، وكما كان كذلك في شأن عبد الله بن أبي رأس المنافقين، ومع ذلك قال - عليه الصلاة والسلام -: (لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه)، وجاء عمر في يوم الحديبية وهو يقول: \" ألسنا على الحق؟ \"، قال: بلى، قال: أليسوا على الباطل؟ قال: بلى، قال: فعلام نعطي الدنية في ديننا؟ فإذا رسول الله - عليه الصلاة والسلام - يقول: (إني رسول الله وإنه لن يضيعني)، ثم يمضي عمر ومازال في نفسه ما فيها إلى أبي بكر فيخاطبه بمثل ذلك، فيقول الصديق - رضي الله عنه -: (الزم غرزه فإنه رسول الله) وقت قصير في أثناء العودة إلى المدينة تتنزل سورة الفتح:

{إِنَّا فَتَحنَا لَكَ فَتحاً مُبِيناً} (الفتح: 1).

وعمر في آخر القوم من شدة ما كان في نفسه، فلما سمع الآيات قال: تقدمت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقلت: أفتح هو يا رسول الله؟ قال: أي نعم قال عمر: فما زلت أفعل وأفعل لما كان مني مع رسول الله، يعني يفعل أفعالاً يكفر بها ما كان من هذا الحماس بين يدي رسول الله - عليه الصلاة والسلام -.

ولا نقول ذلك لنقول إننا لا نريد حمية ولا غيرة على ديننا، ولا حماسة في نصرة إسلامنا وإخواننا، ولكنا نريد أن نقول إن أمر الشرع أعظم من ذوات أنفسنا، ومن انفراط مشاعرنا، وكذلكم كان هدي النبي - صلى الله عليه وسلم -.

 

ووقفة أخيرة لابد منها وهي المحذور التي يقوم به ويرتكبه آخرون عندما يقعون في أمرين خطيرين لابد من التنبيه عليهما والتحذير منهما والرفض لهما:

أولا: التعميم الذي يعممه بعض الكتّاب فلا يجعلون الحالة محصورة في فئة أو قلة، بل يجعلون كل من أعلن التزامه وأظهر إسلامه أنه من هذا اللفيف والقبيل، ويجعلون العبارات تتسع حتى تشمل كل شباب الأمة، بل كل مجتمع الإسلام في هذه البلاد وأكثر أهل الإسلام في هذه البلاد حريصون على أداء فرائضهم.. ملتزمون بالسنن الظاهرة، وحريصون على كثير من الخير، فهذا التعميم إنما هو دخن في القلوب أو خلل في الفهم، أو هو نية مضمرة سيئة لمزيد من تحكم الأعداء وتسلطهم والتضييق على خير هذه البلاد بما فيها من هذا الإسلام.

 

وأمر ثان آخر: وهو التخليط وخلط الأوراق بعد التعميم

وجعل أسباب هذه الأفعال مرتبطة بأمور لا تؤدي إليها، وليست لها بها صلة ولا سبب كما كتب بعضهم: \" إن الذي أدى بهؤلاء إلى هذه الأفعال حلقات تحفيظ القرآن أو الذي أدى بهؤلاء إلى هذه الجرائم.. محاضرات الدعوة وبرامجها، أو مناهج التعليم، ودور المعلمين في الدعوة والإرشاد، والتوجيه للأبناء، وهؤلاء يناقضون الحقيقة والواقع من جهة ويناقضون نظام البلد من جهةº فإن هذه المملكة وهذه البلاد جعلت كل أسسها وقوانينها منصوصٌ عليها تدعو إلى الإسلام، وتحث عليه ومن يرجع إلى سياسة التعليم يرى أن أهداف التعليم هي تعليم الإسلام وتثبيت عقائده وتوضيحها وتعليمها ونشرها وهذه هي دعوة العلماء كما رأينا في بيانهم.

 

فهذه أقلام خاطئة، وهذه نوايا حاقدة، وهذه ضلالات فاسدة مفسدة، لا ينبغي أن يكون مثل هذا إلا أن يوصف بأنه خلل أو سوء فهم على أحسن أحواله، وهو مردود باطل، أو أنه من نوع الصيد في الماء العكر، أو أنه من نوع ترديد مقالات أعدائنا بألسنة أبنائنا لمزيد من محاربة الإسلام وأهله، فنحن وإن أنكرنا هذا وبينا ما يتعلق به من حكم الشرع فإنما هو للتأكيد على أن الشرع والتزامه وتعليمه ونشره والدعوة إليه هو صمام الأمان، وهو جالب الخير، وهو سبب العزة، وهو أساس القوة..

 

فالله الله في دينكم وإيمانكم، وتعليمكم لأبنائكم، والتزامكم شرع ربكم، وأمركم بالمعروف ونهيكم عن المنكر، ودعوتكم لله ونصرتكم لإخوانكم المسلمين في دين الإسلام ومواجهة الأعداء بكل أمر مشروع لا تترتب عليه المفاسد والمضار، ولابد من التحام الأمة علماء ومتعلمين، وحكاماً ومحكومين في ضوء شرع الله - عز وجل - لندرأ الفتنة ونحقق الخير لأمتنا.

أضف تعليق

هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع وهي وجهات نظر أصحابها

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply