احتضان القرآن الكريم أساس بناء الحضارة


بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:  

الحضارة هي تراكم العادات الجميلة،وهي النشاط الذي يقوم به الإنسان في شتى مجالات حياته ليحقق غاية وجوده، وإن أكبر استثمار هو الاستثمار في الإنسان والذي يريد أن يصلح المجتمعات من خلال معالجة الظواهر بعد استفحالها، هو في الحقيقة يريد محاولة عديمة الجدوى، ولكن الذي يعود إلى الأصل، إلى الإنسان إلى الناشئة فيقيمها على المنهج الصحيح هو الطريق الأفضل لأنه يغني الناس عن رؤية الشر فيما بعد أو بعد تقويمه وتسديده.

 

مكانة القرآن الكريم في بناء الحضارة:

والذي يلقن الطلاب القرآن الكريم ، والذي قد يظهر في عيون البعض أنه أمر لا يستحق كل هذا الاهتمام –وهو اهتمام لا يقدره إلا الذين يعرفون معنى ما يفعلون– نقول لهم إن وصل الناشئة بالقرآن الكريم يستبقى هوية المسلمين حاضرة، فالمسلمون والشخصية الإسلامية صنيعة القرآن الكريم.

ومشكلة الأمية تُمحى مع تعلم القرآن الكريم قراءة وكتابة ، فالقرآن صنع المسلمين، رفع من مستواهم، طرد الأمية عن بلادهم، فحضارة المسلمين ملتحمة بالقرآن الكريم.

ومع حرصنا على حفظ الناشئة القرآن الكريم، نكون قد صقلنا كفاءات كان من الممكن أن تضيع، وهيأنا تلك العقول لمواصلة تلقي العلم من مؤسسات تعليمية أخرى.

 

دور القرآن الكريم في بناء الثراء اللغوي:

وإذا أتم الصغير حفظ القرآن الكريم يكون قد حفظ من كلمات اللغة العربية سبعة وسبعين ألفا وأربعمائة وتسعة وثلاثون كلمة 77439 وهي عدد كلمات القرآن الكريم، وبهذا يكون قد امتلك زادا لغويا لا يمتلكه تلميذ في مكان آخر، ويقرر اللغويون أن من امتلك ما يزيد عن عشرة آلاف كلمة في أي لغة يعتبر متقنا لتلك اللغة، واللغة أساس عظيم من أسس بناء أي حضارة، قال الله تعالى: (وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا) سورة البقرة : 31

وهذا النظام التعليمي نقل الأمة الإسلامية من أمة أمية لا تقرأ ولا تكتب إلى أمة علمت العالم كله.

 

العلاقة بين حفظ القرآن الكريم وترسيخ القيم الأخلاقية:

أيضا حينما نصل الناشئة بالقرآن الكريم نصلهم بأخلاق القرآن وتربية القرآن، ومع عملية الحفظ سواء في الكتاتيب أو المقارئ يتعلم الطلاب من خلال التلقي عن شيوخهم توقير المعلم والقرآن والعلم، فإذا دخل المدرسة كان متمتعا بهذا الخلق الرفيع وتلك المدارس التي يشكو بعضها من العنف الذي يمارسه التلميذ على الأستاذ -وقد تجاوز عنف المعلم على التلميذ إلى عنف التلميذ على الأستاذ-، وهذا بعيد كل البعد عن الأخلاق الإسلامية التي تربى عليها المسلمون عبر التاريخ، وذلك لأن البيئة التي كانوا فيها هي بيئة احترام ورحمة وتقدير للعالم ولصاحب القرآن الكريم، فكان هذا دافعا لاستمرار حركة التعليم عموما فإتقان الحفظ -وإن كان مطلوباً- ليس هو الهدف وحده فالتربية الحسنة، وغرس القيم الإسلامية، وتهذيب الأخلاق أمر مطلوب في هذه الحلقات، ليتحقق لحامل القرآن الهدف الأسمى والغاية النبيلة، وليتميز طالب الحلقة عن غيره من الشباب بهذه التربية(1).

وتلاوة القرآن تزكية للنفس، وتقرب إلى الله بكلامه؛ تصفي الروح وتهذب الأخلاق، وتمد القارئ بقوة روحية هائلة يجابه بها الحياة بما فيها من مشكلات، وصعوبات في ضوء ما حددته الشريعة من ضوابط وأحكام، وتملأه ثقة بأن جهده لن يضيع(2).

 

حفظ القرآن بداية طريق التعليم وليس نهايته:

وحينما تحفظ الناشئة القرآن الكريم لا يعني هذا أن نكتفي بذلك فقط ، وإنما هي بداية وانطلاقة نحو أعلى مراحل التعليم بكافة أنواعها، وما كان حفظ القرآن الكريم إلا اللبنة الأولى في بناء الصرح التعليمي الكبير لحافظ القرآن الكريم، والكثير من أعلام العلم وخبرائه وجدناهم من حفظة كتاب الله، وممن تلقى القرآن في الكتاتيب أو المقارئ، ثم واصلوا رحلتهم العلمية إلى أعلى مستوى يمكن أن يصله الإنسان في التعليم.     

وصلى الله وسلم على نبينا محمد والحمد لله رب العالمين

1-  تقويم تعليم حفظ القرآن الكريم وتعليمه ، إبراهيم بن سليمان آل هويمل ص 6 ، ط مجمع الملك فهد

2-  تقويم طرق تعليم القرآن وعلومه في مدارس تحفيظ القرآن الكريم ، سعيد أحمد حافظ شريدح ، ص 45 ، ط مجمع الملك فهد

 

أضف تعليق

هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع وهي وجهات نظر أصحابها

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply