سورة نزلت فى رمضان


 بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد: 

سورة الأنفال هى السورة الثامنة فى ترتيب مصحف عثمان ـ رضى الله عنه ـ الذى بعث به إلى الأمصار الإسلامية، وهى تلى سورة الأعراف فى الترتيب، ونزلت هذه السورة بعد سورة البقرة كما ذكر ذلك الإمام السيوطى ـ رحمه الله ـ فى الإتقان(1)، ومعلوم أن سورة البقرة لم تنزل بكاملها مرة واحدة، إذ تأخر نزول آيات منها حتى قبل وفاة النبى صلى الله عليه وسلم بقليل، فالمشهور من إحدى الروايات بشأن آخر ما نزل من القرآن قول الله تعالى فى سورة البقرة: "واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون" {البقرة: 281}، وتوقيت نزول هذه السورة فى رمضان من العام الثانى للهجرة، فى أعقاب غزوة بدر الكبرى، ومعلوم أن القرآن الكريم نزل جملة فى ليلة القدر فى رمضان، قال تعالى: "إنا أنزلناه فى ليلة القدر" {القدر: 1}،

قال ابن عباس رضي الله عنهماأُنزل إلى سماء الدنيا جملة ليلة القدر، ثم إلى الأرض نجومًا (أى: مفرقا، سورة سورة، وآية آية) على مدار سنوات بعثة النبى صلى الله عليه وسلم، وسورة الأنفال مدنية بكاملها، نقل ذلك عن زيد بن ثابت، وعبد الله بن الزبير، والحسن، وعكرمة، وعطاء، و استثنى بعض العلماء المفسرين ـ ومنهم التابعى مقاتل بن سليمان ـ آيات منها كقوله تعالى: "وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين" {الأنفال: 30}، وكقوله تعالى: "وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء و تصدية فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون" {الأنفال: 35}، "وما نقل عن مقاتل ـ رحمه الله ـ وغيره، بمكية بعض الآيات، هو ـ على حد تعبير صاحب المنار (رحمه الله) ـ: استنباط من المعنى.. وهو أن موضوعها حال كفار قريش فى مكة، وهذا لا يقتضى نزولها فى مكة، بل ذكَر الله بها رسوله صلى الله عليه وسلم بعد الهجرة"(2) والأنفال، هى الغنائم أو المغانم فى حرب المسلمين ضد الكفار، قال البخارى: " قال ابن عباس: الأنفال المغانم "(3).

وجملة القول فى سبب نزول تلك السورة الكريمة، ما كان من شقاق بين بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ممن شهدوا بدرا، بسبب ما غنموه فيها، فنزلت أول أية فى السورة تأمر بتقوى الله تعالى، وإصلاح ذات البين، روى الإمام أحمد فى مسنده من حديث أبى

(2)

أمامة رضى الله عنه قال: سألت عبادة بن الصامت ـ رضى الله عنه ـ عن الأنفال فقال: فينا أصحاب بدر نزلت، حين اختلفنا فى النفل، وساءت فيه أخلاقنا، فانتزعه الله من أيدينا، وجعله لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقسمه رسول الله صلى الله عليه وسلم عن سواء " (4)، قال أبو الحسن الواحدى النيسابورى ـ رحمه الله ـ فى أسباب النزول: "عن أبى أمامة الباهلى، عن عبادة بن الصامت قال: لما هُزم العدو يوم بدر، واتبعتهم طائفة يقتلونهم، وأحدقت (5) طائفة برسول الله صلى الله عليه وسلم، واستولت طائفة على العسكر والنهب(6)، فلما نفى الله العدو، ورجع الذين طلبوهم، وقالوا: لنا النفل بحسن طلبنا للعدو، وبنا نفاهم وهزمهم، وقال الذين أحدقوا برسول الله صلى الله عليه وسلم: والله ما أنتم بأحق به منا، نحن أحدقنا برسول الله صلى الله عليه وسلم، لا ينال العدو منه غرة، فهو لنا، وقالوا الذين استولوا على العسكر والنهب: والله ما أنتم بأحق به منا، نحن أخذناه واستولينا عليه، فهو لنا، فأنزل الله تعالى: "يسألونك عن الأنفال"، فقسمه رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسوية.(7)

 

فالسورة نزلت فى أعقاب نصر مؤزر على قوى الشرك، أراد الشيطان أن يتدخل لإفساده عن طريق هذا الشقاق على هذا المغنم، الذى هو من زينة الحياة الدنيا وزخرفها، فجاء الأمر الإلهى " فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم "، حتى يفئ كل منهم إلى الصواب، ويراجع نفسه وما صدر منه، فلقد من الله عليهم برسول الله صلى الله عليه وسلم، معه الهدى والعلم، خير مما يختصمون بسببه، فالدنيا كلها ستفنى، ولا يبقى إلا العمل الصالح، روى الحاكم فى المستدرك عن أنس ابن مالكرضي الله عنه قال: بينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جالس إذ رأيناه ضحك حتى بدت ثناياه، فقال له عمر: ما أضحكك يا رسول الله بأبي أنت وأمي ؟ قال:رجلان من أمتي جثيا بين يدي رب العزة، فقال أحدهما: يا رب خذ لي مظلمتي من أخي، فقال الله تبارك وتعالى للطالب: فكيف تصنع بأخيك ولم يبق من حسناته شيء ؟ قال: يا رب فليحمل من أوزاري " قال: وفاضت عينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالبكاء، ثم قال:إن ذاك اليوم عظيم يحتاج الناس أن يحمل عنهم من أوزارهم، فقال الله تعالى للطالب: " ارفع بصرك فانظر في الجنان فرفع رأسه، فقال: يا رب أرى مدائن من ذهب، وقصورًا من ذهب، مكللة باللؤلؤ، لأي نبي هذا ؟ أو، لأي صديق هذا ؟، أو، لأي شهيد هذا ؟ قال: هذا لمن أعطى الثمن، قال: يا رب ومن يملك ذلك ؟ قال: أنت تملكه، قال: بماذا ؟ قال: بعفوك عن أخيك، قال: يا رب

(3)

 فإني قد عفوت عنه، قال الله عز وجل: فخذ بيد أخيك فأدخله الجنة "، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عند ذلك: "فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم"، فإن الله تعالى يصلح بين المسلمين، أو قال: (بين المؤمنين) يوم القيامة (8).

واهتم القرآن الكريم بأمر الإصلاح بين الناس، وكرر الأمر بذلك، فقال "..فأصلحوا بين أخويكم " { الحجرات: 10}، وقال:" والصلح خير.."{ النساء: 128}، وحذر القرآن الكريم من النزاع والشقاق فى تلك السورة فقال:" وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين " { الأنفال: 46 }، فالنزاع يذهب القوة والوحدة للمسلمين، وحذر رسول الله صلى الله عليه وسلم من فساد ذات البين، فقد روى أبو داوود والترمذى ـ وصححه ـ عن أبى الدرداء ـ رضى الله عنه ـ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " ألا أدلكم على أفضل من درجة الصلاة والصيام والصدقة ؟،(أى: النوافل من تلك العبادات) قالوا: بلى يا رسول الله، قال: إصلاح ذات البين، فإن فساد ذات البين هى الحالقة، لا أقول تحلق الشعر، ولكن تحلق الدين ".

 

والذى يتدبر سورة الأنفال، يجد فيها من النداءات الكثير، خص الله تعالى بها الذين آمنوا، كما خص النبى صلى الله عليه وسلم ببعضها، وكل نداء للمؤمنين إنما هو أمر بالمعروف والخير، أو نهى عن المنكر والشر، فقد أمر الله تعالى المؤمنين بالطاعة لله ورسوله، وعدم الإعراض عن أوامره، كما فعلت الأقوام السابقة مع رسلهم وأنبيائهم " يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ورسوله ولا تولوا عنه وأنتم تسمعون * ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون " { الأنفال: 20 ـ 21 }، كما أمرتهم بالاستجابة السريعة لما يأمر به الله ورسوله صلى الله عليه وسلم " يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه وأنه إليه تحشرون " { الأنفال: 24 } أى: أجيبوا للحق الذى يصلحكم، وينجيكم، ويحييكم، وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن أنس بن مالكرضي الله عنه - قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يُكثر أن يقول: " يا مقلب القلوب، ثبت قلبي على دينك ". قال: فقلنا: يا رسول الله، آمنا بك وبما جئت به، فهل تخاف علينا ؟ قال:" نعم، إن القلوب بين إصبعين من أصابع الله تعالى يقلبها كيف يشاء "، كذلك من نداءات السورة ما حثت المؤمنين على الثبات عند مواجهة الأعداء، وعدم الفرار، كما نادتهم، ونهتهم

(4)

عن الخيانة لله ورسوله، فى كل ما ائتمنهم عليه، فى فرائضه التى فرضهم عليها، وكذلك فى سنة النبى صلى الله عليه وسلم.

وخصت السورة رسول الله صلى الله عليه وسلم بنداءات ثلاث، جاء اثنان منهم متتاليين، وهما قوله تعالى" يا أيها النبى حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين * يا أيها النبى حرض المؤمنين على القتال.. " { الأنفال: 64 ـ 65 }، وفى هذين الندائين شدٌٌ من أزر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإعلامه بأنه ليس وحده فى مواجهته ضد قوى الكفر، بل إن الله معه بقوته يؤيده، وكذلك فإن المؤمنين من حوله رهن إشارته، يستجيبون لأمره، لا يتخلف منهم واحد، عليه فقط أن يحثهم من أجل الدفاع عن أنفسهم فى معركة أجبروا عليها، إذ من المعلوم أنهم خرجوا لا يقصدون قتالا، أما النداء الثالث للنبى صلى الله عليه وسلم فكان بشأن الأسرى، و سيأتى الحديث عنه ـ إن شاء الله ـ. 

وحذرت سورة الأنفال من الوقوع فى الفتن، لأن عاقبتها وخيمة على المجتمع المسلم بأثره، قال الله تعالى: " وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً ۖ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ" { الأنفال: 25 }، والفتن اختبارات ومحن، لا يخص الله تعالى بها العاصى وحده، ولكنها تعم الصالح والطالح، الطائع والعاصى، روى أحمد عن حذيفة بن اليمان ـ رضى الله عنه ـ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:" والذي نفسي بيده، لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابا من عنده، ثم لتدعنه فلا يستجيب لكم "، ورواه عن أبي سعيد، عن إسماعيل بن جعفر، وقال: " أو ليبعثن الله عليكم قوما ثم تدعونه فلا يستجيب لكم")9).

واهتمت سورة الأنفال بأمر الإخلاص لله تعالى فى كل قول أو عمل، لأن الرياء يحبط العمل، كيف لا وهو من عمل الشيطان ؟؟، قال الله تعالى: "ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطرا ورئاء الناس ويصدون عن سبيل الله والله بما يعملون محيط"{ الأنفال:47 }، وبدا ذلك جليا من قول أبى جهل حين قيل له: " إن العير قد نجا فارجعوا، فقال: والله لا نرجع حتى نرد بدرا، فنقيم بها ثلاثا، فننحر الجزور، ونطعم الطعام، ونسقى الخمر، وتعزف لنا القيان، وتسمع بنا العرب وبمسيرنا وجمعنا، فلا يزالون يهابوننا أبدا "(10).

والمؤمن يتوجه بكل أعماله لله تعالى مخلصا، منتظرا الجزاء الأوفى منه سبحانه، لا يريد جزاءا ولا شكورا من أحد ســوى الله تعالى، وهو مأمـــور بذلك، "وما أمــــروا إلا ليعبــــدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة" {البينة: 5}، وقال سبحانه " قل إن صلاتى ونسكى ومحياي ومماتى لله رب العالمين * لا شريك له وبذلك أمرت..." { الأنعام:162 ـ 163}، كذلك حذر الرسول صلى الله عليه وسلم من الرياء المحبط للعمل، روى مسلم فى صحيحه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ـ رضى الله عنه ـ َقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "إِنَّ أَوَّلَ النَّاسِ يُقْضَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَيْهِ رَجُلٌ اسْتُشْهِدَ، فَأُتِيَ بِهِ، فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ، فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا ؟ قَالَ: قَاتَلْتُ فِيكَ حَتَّى اسْتُشْهِدْتُ: قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ قَاتَلْتَ لِأَنْ يُقَالَ: جَرِيءٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ، وَرَجُلٌ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ وَعَلَّمَهُ، وَقَرَأَ الْقُرْآنَ، فَأُتِيَ بِهِ، فَعَرَّفَهُ نِعَمَه، فَعَرَفَهَا قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا ؟ قَالَ: تَعَلَّمْتُ الْعِلْمَ وَعَلَّمْتُهُ، وَقَرَأْتُ فِيكَ الْقُرْآنَ، قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ تَعَلَّمْتَ الْعِلْمَ لِيُقَالَ: عَالِمٌ، وَقَرَأْتَ الْقُرْآنَ، لِيُقَالَ: هُوَ قَارِئٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ، وَرَجُلٌ وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِ، وَأَعْطَاهُ مِنْ أَصْنَافِ الْمَالِ كُلِّهِ، فَأُتِيَ بِهِ، فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ، فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا ؟ قَالَ: مَا تَرَكْتُ مِنْ سَبِيلٍ تُحِبُّ أَنْ يُنْفَقَ فِيهَا إِلَّا أَنْفَقْتُ فِيهَا لَكَ، قَالَ: كَذَبْتَ،وَلَكِنَّكَ فَعَلْتَ لِيُقَالَ: هُوَ جَوَادٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ ثُمَّ أُلْقِيَ فِي النَّار " ِ.

فليعلم العبد أنه لابد من إخلاص النية لله تعالى فى كل توجهه، وهذا شرط رئيس لقبول العمل، ونجاحه، حتى ولو أصاب المسلم عارض أخَر نجاحه، فإن الله تعالى، المطلع على قلوب عباده، يعطى للإنسان عوضا منه، يفوق ما كان يتمناه من الخير، قال تعالى: "يا أيها النبى قل لمن فى أيديكم من الأسرى إن يعلم الله فى قلوبكم خيرا يؤتكم خيرا مما أخذ منكم ويغفر لكم والله غفور رحيم"{الأنفال: 70}، وإن كانت هذه الآية نزلت فى شأن أسرى بدر، وبالتحديد فى العباس عم النبى صلى الله عليه وسلم، لكنها لعموم المسلمين إلى يوم القيامة، فما أخذ الله تعالى من عبده إلا ليعطيه، وما ابتلاه إلا ليعافيه، وما أمرضه إلا ليشفيه، روى الحاكم فى المستدرك، وابن عساكر فى التاريخ عن الْهَيْثَمَ بْنَ مُعَاوِيَةَ ، يَقُولُ: لِلْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ عِدَةٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لَيْسَ لِغَيْرِهِ، وَعَدَهُ اللَّهُ إِيَّاهَا، فَهِيَ تُقْرَأُ، يَعْنِي: إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، تَكُونُ لَهُ وَلِوَلَدِهِ مِنْ بَعْدِهِ، قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي كِتَابِهِ: "إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ"، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْعَبَّاسِ عَلَيْهِ السَّلامُ: "وَفَّيْتَ، فَوَفَّى اللَّهُ عَزَّ وَجَــلَّ لَــكَ "، وَذَلِكَ أَنَّ الإِيمَانَ كَانَ فِي قَلْبِهِ، ويقــال: من ترك شيئا لله عوضه الله خيــرا

(6)

منــه، فليعلم كل مسلم أن الله تعالى لا ينظر إلى الصور والأجساد، ولكن ينظر إلى القلوب والأعمال، روى مسلم فى صحيحه عنْ أبي هريرةَ عبدِ الرحمنِ بنِ صخرٍ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم ": إنَّ الله لا ينْظُرُ إِلى أجْسَامِكُمْ، ولا إِلى صُوَرِكمْ، وَلَكن ينْظُرُ إلى قُلُوبِكمْ وأعمالكم "، لذلك أنزل الملائكة بقيادة جبريل عليه السلام، ليقاتلوا فى صفوف المسلمين فى بدر، وليحذر كل مرائى، وحاقد، وحاسد، ومن أصيب بأمراض القلوب أن نار الله المؤصدة، تطلع على الأفئدة، فالإخلاص الإخلاص، حتى توفق فى أعمالك، وتفوز برضا الله ورضوانه.

ولا يخفى علينا أمر الدعاء الذى أشارت إليه السورة الكريمة حين قال الله تعالى:" إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم "{ الأنفال: 9 }، فالدعاء مخ العبادة، والدعاء هو العبادة، واستجابة الدعاء من شروطها، التذلل والخضوع، والإلحاح فى الطلب، وعدم تعجل الإجابة، وطيب المطعم والمشرب، وعدم الدعاء بالإثم، أو بقطيعة رحم، كذلك على المسلم أن يتخير أوقات الدعاء التى يستجيب الله تعالى فيها، خاصة الثلث الأخير من الليل، وعند فطره بعد صيامه، وفى أول النهار وآخره، وعند السفر، وعند نزول المطر، وعند هبوب الريح، وبعد ختم القرآن، وفى سجوده فى الصلاة، وغير ذلك، وليكن موقنا بالإجابة، لا يشك فى ذلك مطلقا، لأن الله تعالى عند حسن ظن عبده به، والأمل فى الله تعالى لا ينقطع أبدا، فالعسر بعده اليسر، والشدة بعدها الفرج، والقنوط من رحمة الله ليس من أخلاق المسلم أبدا، يقول الشاعر:

          إذا اشتملت على اليأس القلوب ....   وضاق بما به الصدر الرحيـــب
          و أوطأت المكاره واطمأنـــــت ....   وأرست في أماكنها الخطـــــوب  
          ولم تر لانكشاف الضر وجـــها  ....   ولا أغنى بحيلته الأريــــــــــــب
          أتاك على قنوط منك غــــــوث  ....   يمن به اللطيف المستجيــــــــب
          وكل الحادثــــات إذا تناهـــــت  ....   فموصول بها الفرج القريـــــــب

إن سورة الأنفال اهتمت بتأليف القلوب، وإصلاحها، وربطت بين المعاصى وتبديل النعم إلى نقم، قال تعالى: " ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.. "  { الأنفال: 53 }، كما اهتمت بصلة الأرحام، والتمييز بين الخبيث والطيب، وأمرت بإعداد القوة

(7)

بكافة أشكالها وصورها، وحثت على نشر السلم فى الأرض كافة، حينما يكون على أساس من العدل، و إعطاء كل ذى حــق حــقه، كما بينت السورة جلـد المشركين على الكيــد للمؤمنين بكــل

الطرق، بالأموال والأنفس، بالمكر والتخطيط، بالغدر والخيانة، وهذا ما ينبغى أن يحذر منه المؤمنون.

فعلينا أن نتدبر تلك السورة، بل وسائر سور القرآن الكريم، وذلك من أفعال أولى الألباب، وأصحاب القلوب السليمة، " كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولوا الألباب " { ص:29 }.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد والحمد لله رب العالمين

الهــــوامش

1) الإمام جلال الدين السيوطى / الإتقان فى علوم القرآن / ج1 / ص14.

2) د. أحمد الشحات أحمد موسى / يسر المقال فى تفسير سورة الأنفال / ص24 / مطبعة الفجر الجديد / الطبعة الأولى 1417هـ ـ 1996م، وعزاه إلى تفسير المنار للشيخ رشيد رضا /     ج9 ص580.

3) الإمام محمد بن إسماعيل البخارى / صحيح البخارى / كتاب التفسير / ج 3 / ص227 / دار    المنار للطبع والنشر / مصر / ط 1422 هـ ـ 2001 م.

4) الحافظ إسماعيل بن كثير / تفسير القرآن العظيم / ج2 / ص295 / طبعة مكتبة الإيمان ببريدة   / السعودية 1415 هـ.

5) أحدقت: أحاطت به من كل ناحية.

6) العسكر والنهب: الأسرى والغنائم.

7) الإمام على بن أحمد الواحدى المعروف بالنيسابورى / أسباب النزول / حاشية تفسير الطبرى /   ص201 / طبعة دار الغد العربى بالقاهرة 1993 م.

8) محمد بن عبد الله الحاكم النيسابورى / المستدرك على الصحيحين / كتاب الفتن والملاحم / ج5  / ص796 / دار المعرفة / طبعة 1418هـ ـ 1998م.

9) الحافظ ابن كثير / مرجع سابق / ص312.

10) صفى الرحمن المباركفورى / الرحيق المختوم / ص192 / طبعة دار الوفاء / مصر /   1424هـ ـ 2003م. 

أضف تعليق

هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع وهي وجهات نظر أصحابها

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply