ما خاب من استخار


بسم الله الرحمن الرحيم

 

الخطبة الأولى:

الحمد لله علَّام الغيوب، ومصلح القلوب، وهادي من استخاره لأفضل الأمور وأصلح الدروب، أحمده جل في علاه وأشكره على نعمه العظيمة المتتابعة مع كثرة الخطايا والذنوب، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة أرجو النجاة بها يوم الكروب، وأشهد أن سيدنا وحبيبنا محمداً عبد الله ورسوله المبرأ من النقائص والعيوب صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن سار على النهج بجهد دؤوب. أما بعد: فاتقوا الله عباد الله تفوزوا بجنة عرضها السموات والأرض فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر وعدكم بذلكم ربكم بقوله: {جَنَّاتِ عَدنٍ, الَّتِي وَعَدَ الرَّحمَنُ عِبَادَهُ بِالغَيبِ إِنَّهُ كَانَ وَعدُهُ مَأتِيًّا()لَا يَسمَعُونَ فِيهَا لَغوًا إِلَّا سَلَامًا وَلَهُم رِزقُهُم فِيهَا بُكرَةً وَعَشِيًّا()تِلكَ الجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِن عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيًّ} (مريم: 61-63).

أمة الهدى والرشاد كثير هي مفترقات الطرق التي تمر على العبد في حياته فيقف عندها في حيرة من أمره ماذا يفعل؟. وأي الطرق يختار؟.

ومن أمثلة ذلك ما يواجه كثيراً من الشباب بعد تخرجهم من الثانوية حيث يقع الشاب في حيرة أي السبل يختار؟.

هل يواصل الجامعة؟. أو يذهب إلى كلية أو معهد متخصص؟. أو يكتفي بوظيفة مهما كانت يسيرة؟. أو..أو..أسئلة كثيرة ترهق ذهن ذلك الشاب. ثم إذا قرر دخول الجامعة يقع في حيرة أي الأقسام يختار؟.

ثم بعد التخرج يحتار بين المجالات العملية والقطاعات الحكومية والأهلية. ثم إذا عزم على الزواج يحتار أي الفتيات يختار.. ؟ وكل واحد منا يمر في حياته بالكثير من تلك المواقف التي قد يجد فيها نفسه عاجزاً عن اتخاذ قرار صائب فيها.. ؟. فعلى سبيل المثال رجل يملك مالاً فيحتار أيستثمره في العقار أم في الأسهم أم في مشروع تجاري أو زراعي؟. وهكذا... والسؤال هل الإسلام الذي ينظم حياة الإنسان بالكامل يصف علاجاً للخروج من دوامة تلك الحيرة؟. والجواب نعم وبلا شك. فمرحلة الحيرة بين أي الطرق يسلك هي مرحلة أولى أرشد فيها الإسلام إلى الشورى فهذا رب العالمين يرشد نبيه - صلى الله عليه وسلم - بقوله: {... وَشَاوِرهُم فِي الأَمرِ فَإِذَا عَزَمتَ فَتَوَكَّل عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبٌّ المُتَوَكِّلِينَ} (آل عمران: 159).

فاتخذ - صلى الله عليه وسلم - من الشورى منهجاً في حياته فكان دائماً ما يشاور أصحابه وهو من هوº هو من عصمه الله، هو من أوحى إليه الله، هو من كمّل عقله وسدد رأيه الله. فمن أستبد برأيه عن آراء الآخرين وأعرض عن الشورى فإنه ترك الطريق الأرشد فيكثر خطأه وتعظم مصيبته، الشورى كمصباح في يد الساري يضيء له الطريق، فقولوا لمن أعرض عن الشورى هذا خير الورى يستشير أصحابه في بدر وفي أحد وفي الخندق وفي غيرها.

فإذا عُرف أن مبدأ الشورى مبدأ شرعي ومطلب عقلي فمن يستشير العبد؟. لا تكون المشورة إلا من أصحاب الخبرة والعقول الراجحة وأهل الدين والتقوىºلأنه قد يستشير أخرق أحمق فيشير عليه بما فيه هلكته، أو يكون صاحب عقل راجح وبلا تقوى وإيمان فلا يشير عليه بالصواب إما حقداً أو حسداً لكن الرجل المؤمن التقي يضع أمام عينيه حين الاستشارة التوجيه النبوي العظيم الذي أخرجه الإمام البخاري في صحيحه عَن أَبِي هُرَيرَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: ((المُستَشَارُ مُؤتَمَنٌ))(البخاري، الأدب، ح(2747)).

والسؤال هل يشاور الرجل المرأة؟. نقول نعم فيما هي فيه صاحبة خبرة أو إذا كانت صاحبة عقل راجح فكم من النساء لديها من الذكاء والعقل والفطنة ما ليس لدى كثير من الرجالº وهذا قدوتنا و حبيبنا - صلى الله عليه وسلم - يشاور أم سلمة في صلح الحديبية ويأخذ برأيها، وهذا عمر - رضي الله عنه - يشاور ابنته أم المؤمنين حفصة في أمر بقاء الجندي بعيداً عن أهله ويأخذ برأيها وغيرها الكثير من الأمثلةº ومقولة شاوروهن وخالفوهن لا أساس لها من الصحة.

ثم بعد عزم المرء على اختيار طريق بعينه كأن يختار أن يتزوج امرأة بعينها، أو شراء أرض بعينها، أو سيارة بعينها أو نحو ذلك فإنه لا يدري عن الغيب وما هو مكتوب له أتكون باب خير عليه أم باب شر وفتنة عياذاً بالله؟.

فهنا يستشير من؟ يستخير من؟.

يستخير الله علام الغيوب الذي أخبر عن نفسه في كتابه بقوله: {قُل لَا يَعلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرضِ الغَيبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشعُرُونَ أَيَّانَ يُبعَثُونَ} (النمل: 65).

يستخير الله لأن الأمر هنا قد استنفذت فيه الطاقة البشرية ولابد فيه من الخيرة الإلهية، وقد أرشدنا سيدي أبو القاسم صلوات ربي وسلامه عليه لذلك فيما أخرجه الإمام البخاري عَن جَابِرِ بنِ عَبدِ اللَّهِ - رضي الله عنه - قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يُعَلِّمُنَا الِاستِخَارَةَ فِي الأُمُورِ كُلِّهَا كَمَا يُعَلِّمُنَا السٌّورَةَ مِن القُرآنِ يَقُولُ: ((إِذَا هَمَّ أَحَدُكُم بِالأَمرِ فَليَركَع رَكعَتَينِ مِن غَيرِ الفَرِيضَةِ ثُمَّ لِيَقُل اللَّهُمَّ إِنِّي أَستَخِيرُكَ بِعِلمِكَ وَأَستَقدِرُكَ بِقُدرَتِكَ وَأَسأَلُكَ مِن فَضلِكَ العَظِيمِ فَإِنَّكَ تَقدِرُ وَلَا أَقدِرُ وَتَعلَمُ وَلَا أَعلَمُ وَأَنتَ عَلَّامُ الغُيُوبِ اللَّهُمَّ إِن كُنتَ تَعلَمُ أَنَّ هَذَا الأَمرَ خَيرٌ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمرِي أَو قَالَ عَاجِلِ أَمرِي وَآجِلِهِ فَاقدُرهُ لِي وَيَسِّرهُ لِي ثُمَّ بَارِك لِي فِيهِ وَإِن كُنتَ تَعلَمُ أَنَّ هَذَا الأَمرَ شَرُّ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمرِي أَو قَالَ فِي عَاجِلِ أَمرِي وَآجِلِهِ فَاصرِفهُ عَنِّي وَاصرِفنِي عَنهُ وَاقدُر لِي الخَيرَ حَيثُ كَانَ ثُمَّ أَرضِنِي قَالَ وَيُسَمِّي حَاجَتَهُ))(البخاري، الجمعة، ح(1096)).

وَوَقَعَ فِي حَدِيث اِبن مَسعُود بِلَفظِ\"إِذَا أَرَادَ أَحَدُكُم أَمرًا \" رَوَاهُ الطَّبَرَانِيٌّ وَصَحَّحَهُ الحَاكِم. ومن الحديث نستفيد أن الاستخارة تكون في جميع الأمور صغيرها وكبيرها وكم من أمر صغير يستهين به العبد تكون فيه هلكته أو يدخل عليه منه شر عظيم، وأن لها ركعتان من غير صلاة الفريضة فالعبد يقرع باب مولاه ويتذلل إليه ويقيم الصلة بينه وبين ربه ثم يدعو بهذا الدعاء الذي ملؤه التذلل والخضوع والانكسار لرب العالمين ويضمنه حاجته، وعلى العبد التقيد الحرفي بما ورد من نص الدعاء و لا يأتي بكلام أخر مهما بدا له جيداً ومقبولاً لأنه لو كان الخير في غير تلك الألفاظ لدلنا عليه المصطفى - صلى الله عليه وسلم -، وليدع العبد وهو موقن بالإجابة فقد أجاب الله دعاء الخبيث إبليس يوم أن قال: {أَنظِرنِي إِلَى يَومِ يُبعَثُونَ()قَالَ إِنَّكَ مِنَ المُنظَرِينَ} (الأعراف: 14-15). فكيف بعبد مؤمن موحد منكسر بين يدي ريه كيف وربكم هو القائل: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَليَستَجِيبُوا لِي وَليُؤمِنُوا بِي لَعَلَّهُم يَرشُدُونَ} (البقرة: 186).

 

الخطبة الثانية :

الحمد لله على إحسانه والشكر له على توفيقه وامتنانه وأشهد أن لا إله إلا الله تعظيماً لشأنه وأشهد أن نبينا وحبيبنا محمداً عبد الله ورسوله الداعي إلى رضوانه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وأتباعه. أما بعد:

فاتقوا الله عباد الله وافزعوا بالاستخارة إلى علام الغيوب في كل أموركم صغيرها وكبيرها، واعلموا رحمني الله وإياكم أن الاستخارة مطلوبة في كل الأمور حتى فيما يبدو لك أن فيه الخير كله وأنها ليست قصراً على الرجال بل هي كذلك حتى في حق النساءº أخرج الإمام مسلم في صحيحه عَن أَنَسٍ, قَالَ لَمَّا انقَضَت عِدَّةُ زَينَبَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - لِزَيدٍ, ((فَاذكُرهَا عَلَيَّ)) قَالَ فَانطَلَقَ زَيدٌ حَتَّى أَتَاهَا وَهِيَ تُخَمِّرُ عَجِينَهَا قَالَ فَلَمَّا رَأَيتُهَا عَظُمَت فِي صَدرِي حَتَّى مَا أَستَطِيعُ أَن أَنظُرَ إِلَيهَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ذَكَرَهَا-وهذا قبل أن ينزل الحجاب- فَوَلَّيتُهَا ظَهرِي وَنَكَصتُ عَلَى عَقِبِي فَقُلتُ يَا زَينَبُ أَرسَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَذكُرُكِ قَالَت مَا أَنَا بِصَانِعَةٍ, شَيئًا حَتَّى أُوَامِرَ رَبِّي فَقَامَت إِلَى مَسجِدِهَا وَنَزَلَ القُرآنُ وَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَدَخَلَ عَلَيهَا بِغَيرِ إِذنٍ,.. )(مسلم، النكاح، ح(2567)).

فانظروا إلى أمنا أم المؤمنين زينب - رضي الله عنه - مع أن الزواج من النبي - صلى الله عليه وسلم - فيه الخير كله ولكن مع ذلك استخارت فخار الله له نبيه وزوجها من فوق سبع سموات تكريماً لها. فيا معاشر المؤمنين لنفزع إلى الله بالاستخارة في كل أمورنا ولنربي على ذلك أنفسنا وأزواجنا وأولادنا وأهلينا فإنه والله فيه الخير والبركة العظيمة، ولنرضى بما اختار الله لنا ولا نتبع الهوى، واعلموا رحمني الله وإياكم أن نتيجة الاستخارة لا تتوقف على رؤيا يراها النائم، بل إن الله سييسر له طريق الخير ويبعده عن الطريق الآخر واحذروا من موانع الدعاء كأكل الحرام ونحوه فهي مما يؤثر على الاستخارة، كما أنه لا يستخار في الإقدام على الحرام والمكروهات أو في فعل الواجبات.

 

أضف تعليق

هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع وهي وجهات نظر أصحابها

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply