وصايا للمسلمين في المحن


 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، أما بعد:

أيّها المسلمون، إنَّ نعَمَ الله على عباده كثيرة، ومِنَنَه عليهم كبيرة غزِيرة، وإنَّ من نعمِه الكِبار ومنَنِه الغِزار أن جَعَلَنا من خير أمّة أخرِجَت للناس، وهدانا لمعالم هذا الدّين الذي ليس بهِ التِباس، دينٌ كامِل، وشَرعٌ شامِل، وقولٌ فَصل، وقَضاءٌ عَدل، من تمسَّك به حصَل على المناقب الفاخِرَة، وحصَلت لَه السَّعادةُ في الدّنيا والآخِرَة، دينُ القيِّمة، حِكَمُه بالغة، وحجَجُه دامغة، دَعا إلى كلِّ خير ورشاد، ونهى عن كلِّ شرٍّ, وفساد، (ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين) [آل عمران: 85].

 

أيّها المسلمون، مهما حاول أعداءُ الإسلام ومهما سَعَوا في إنزالِ أَنواعِ الفَشَلِ وَأَلوان الشَّلَل بالإسلام والمسلمين، فلَن يَستطيعُوا أن يطفِئوا نورَ الله، يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون [الصف: 8]، وعن تميمٍ, الداريِّ - رضي الله عنه - قال: سمِعت رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «لَيَبلُغَنَّ هذا الأمرُ ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيتَ مدَرٍ, ولا وبر إلاَّ أدخله الله هذا الدين، بعزّ عزيز أو بذلِّ ذليل، عزًّا يعزّ الله به الإسلام، وذلا يذلّ الله به الكفر». [أخرجه أحمد](1)، وعَن ثوبان - رضي الله عنه - قال: قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّ الله زَوَى ليَ الأرض، فرأيتُ مشارقَهَا ومغارِبها، وإنَّ أمتي سيبلغُ ملكُها ما زُوِي لي منها». [أخرجه مسلم](2).

 

أيّها المسلمون، ما أحوَجَ المسلمين اليوم في زمنٍ, عظُمت فيه المصيبة وحلَّت به الرّزَايا العصيبة وتخطَّفت عالَمَ الإسلام أيدي حاسديه ونهشته أيدي أعاديه، فالكرامَةُ مسلوبة، والحقوقُ مَنهوبَة، والأراضِي مَغصوبَة، ما أحوَجَ المسلمين في زمَنِ الحوادِثِ والكوارِثِ إلى أن يراجِعوا دينَهم، وينظروا في مواقِعِ الخلَل ومواطن الزلَل، ويصلِحوا ما فسَد، ويكونوا وَحدةً كالجَسَد، ليغسِلوا عنهم أوضار الذلِّ والهَوَان، ويُزيلوا غُصَصَ القَهر والخذلان، فعن ابن عمَرَ - رضي الله عنهما - قالَ: سمعتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يَقول: «إذا تَبَايَعتُم بالعينَة وأخذتم أذنابَ البقرِ ورضيتم بالزرعِ وتركتم الجهادَ سلَّطَ الله عَلَيكم ذلاًّ، لا ينزعه عنكم حتى ترجِعوا إلى دينكم». [أخرجه أبو داود](3).

أيّها المسلمون، وما أحوَجَ الأمّة إلى أن تراجِعَ نصوصَ الكتاب والسنة وما أجمع عليه سلف الأمّة، في قضاياها المعاصرة وفِتَنِها المحاصرةº لتَفهَمَ جذورَ المشكلات وأسبابَ الوَيلات والنّكَبات، وتقرَأَ المتغيِّرات، وتوجِدَ التحليلات والتعليلات، وتتوقَّعَ المستجدّات، وترجعَ إلى أهل العلم الثقات، وتنهَضَ بالمسؤوليات والواجبات، بصدقٍ, لا يشوبه كَذِب، وإخلاصٍ, لا يخالطه رِياء، وتجرٌّدٍ, لا يتخلَّله هوى، وتوحيدٍ, لله لا يكدِّره شرك ولا شَكّ، وثِقةٍ, به جلّ في علاه لا تهزّها أراجيف المرجفين ولا تخذيل المخذّلينº حتى لا تواقعَ الأمّة الأمرَ المحظور أو تَقتَرِف الخطأ المحذور، يقول جلّ في علاه: (وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلا)[النساء: 83].

 

أيّها المسلمون، إنَّ الواجبَ على أهل الإسلام كلّما اشتدَّت بهم البلايا والرّزايا أن يقوى تضافُرُهم ويشتدَّ تناصرهمº لنُصرةِ دِينِهم وحمايةِ بِلادِهم، وأن يَكونُوا صفًّا واحِدًا متعاضِدين متساعِدين متَسانِدين، متعاونين على البرّ والتقوى، متناهين عن الإثم والعدوان، نابِذينَ العداءَ والبغضاءº حتى يفوِّتوا على العدوّ فرصتَه وبُغيته في زرعِ بذور التمزٌّق وجذور التفرٌّق، ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين [الأنفال: 46]، وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «إنَّ الله يرضى لكم ثلاثًا ويكرَه لكم ثلاثًا، فيرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا، وأن تعتصِموا بحبل الله جميعًا ولا تفرَّقوا، ويكرَه لكم قيلَ وقال وكثرةَ السؤال وإضاعةَ المال» [أخرجه مسلم](4).

 

أيّها المسلِمون، إنَّ رابطةَ العقيدةِ والدّين رابطةٌ عظمَى وآصِرَة كُبرى، لها مقتضَيَاتها وواجباتها وتكاليفها وحقوقها الثابتةُ في كتاب الله وسنة رسولِه، رابطةٌ تنكسر تحتَها شَوكةُ أهلِ الكفر والعدوان، وتَنزاح أمامَها قوى الظلمِ والطغيان، يقول جلّ في علاه: (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم) [التوبة: 71]، ويقول جلّ في علاه: (والذين كفروا بعضهم أولياء بعض إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير) [الأنفال: 73]، ويقول رسول الهدى - صلى الله عليه وسلم -: «المسلِمون تتكافأ دِماؤهم، ويسعى بذمَّتهم أدناهم، ويجير عليهم أقصَاهم، وهُم يدٌ على مَن سِواهم» [أخرجَه أبو داود](5)، ويَقول - عليه الصلاة والسلام -: «المؤمن مرآةُ المؤمن، والمؤمن أَخو المؤمن، يكفّ عليه ضَيعَتَه، ويحوطه من ورائه» [أخرجه أبو داود](6).

 

أيّها المسلمون، إنَّ المجتمعاتِ الإسلاميّةَ على اختلاف أجناسها وألوانها وبُلدانها بنيانٌ واحِد وجسَدٌ واحد، يسعدُ بسعادَةِ بعضِه، ويتألّم لألمه ومَرَضِه، يجمَعُهم دين واحدٌ هو دين الإسلام، وكتابٌ واحد هو القُرآن، ونبيُّ واحد هو سيّد الأنام نبيّنا محمّد، يقول ـ بأبي هو وأمّي ـ صلوات الله وسلامه عليه: «المؤمِنُ للمؤمِنِ كالبنيانِ يشدّ بعضه بعضًا» ثمّ شبّك بين أصابعه(7)، وعن النّعمان بن بشير - رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «مَثَل المؤمنين في توادِّهم وتراحمِهم وتعاطُفِهم مثَلُ الجسد، إذا اشتَكَى منه عضوٌ تداعى له سائر الجسد بالسّهَر والحمى» [أخرجه مسلم](8)، وفي لفظٍ, له: «المسلمون كرجلٍ, واحد، إن اشتَكَى عَينه اشتكى كلّه، وإن اشتكى رَأسه اشتكى كلّه»(9).

 

أيّها المسلِمون، يلاقي المسلِمون في هذا العَصر في عدَدٍ, مِنَ الأمصارِ أعتى المآسِي وأدمَى المجازِر، فظائِع دامِيَة، وجرائم عاتِيَة، ونَوازل عاثرة، وجِراحًا غائِرَة، غُصَصًا تثير كَوَامِنَ الأشجان، وتَبعث على الأسى والأحزان، هَولٌ عاتٍ,، وحَقائق مُرّة، تسمو على التصويرِ والتبيينِ، في كلِّ ناحيةٍ, صوتُ منتَحِب، وفي كلِّ شِبر باغٍ, ومَأفونٌ ومغتصِب. هذه الصهيونية العالميّة، الأمة الخوّانة التي ليس لها عَهدٌ ولا أمانَة تمارِسُ في فلسطين ولُبنان أبشعَ صوَرِ الظّلمِ والقهر والتخويفِ والإرهاب، تفرِض ألوانَ الحصار، وتَقتُل الرّجالَ والنّساء والصِّغار، وتهدِف إلى إبادةِ المسلمين وتَصفِيَتِهم واحتلال بلدانهم. إنّ الصهيونيّة تمارِس أمامَ نظَر العالم وسمعِه الإرهابَ بمختلف أشكالِه وألوانه، وبجميعِ أنواعه وأدواتِه، تمارِسُه عقيدةً وسياسَة، ضارِبَةً بالمعاهَدَاتِ والاتفاقات الدولية عرض الحائط، فأين من يوقِف وحشيّةَ هذا الإرهابِ وبشاعتَه؟! أينَ ميزانُ العدلِ والإنصاف يا مَن تدَّعونَه؟! أين شعاراتُ التقدّم والتحرٌّر والحضارة والسلام التي لا نراها إلا حين تَصبّ في مصلحةِ يهود ومَن وراء يهود؟!

 

أيّها المسلمون، كيف يهنَأ المسلم بعيش أو يرقَأ له دمعٌ أو يُدرِك فرحًا بأمنِية في دارٍ, كلٌّها قَذى وأذى، المسلمون فيها ما بين قتيلٍ, مرمَّل وجريح مجدَّل وأسير مُكبّل.

أيّها المسلِمون، لقد بَلَغ السّيلُ زُباه والكيدُ مَدَاه والظّلمُ مُنتَهاه، والظلمُ لا يدوم ولا يَطول، وسيَضمَحِلّ ويزول، والدّهرُ ذو صرفٍ, يَدور، وسيعلم الظالمون عاقِبةَ الغرور، فعن أبي موسَى الأشعريّ - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «إنَّ الله ليملي للظالم حتى إذا أخَذَه لم يُفلِته»، وقرأ: (وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد) [هود: 102] [متفق عليه](01).

 

أيّها المسلِمون، مهما بَلَغَت قوّةُ الظَّلوم وضَعفُ المظلُوم فإنَّ الظالمَ مَقهور مخذول، مُصفَّد مَغلول، وأقربُ الأشياء صَرعةُ الظَّلوم، وأنفذ السِّهام دعوةُ المظلوم، يرفعها الحيّ القيوم فوقَ الغُيوم، يقول رَسول الهدى - صلى الله عليه وسلم -: «ثلاثةٌ لا تُرَدّ دعوتهم: الصائِمُ حين يفطِر، والإمام العادِل، ودعوةُ المظلوم يرفعها الله فوقَ الغمام، ويَفتَح لها أبوابَ السماء، ويقول لها الربّ: وعزَّتي وجلالي، لأنصُرنَّك ولو بعدَ حين» [أخرجه أحمد](11).

 

أيّها المسلمون، إن تنتَصِر هذه الأمّة على نفسِها وأهوائِها وتطبِّق شريعَةَ الله في جميعِ مَنَاحِي حيَاتها ويَستَقِم أفرادها على دين خالقِها تنتصِر على عدوِّها، وتَعلُ كلمَتها، ويدُم عزٌّها، وتعظُم قدرتها، وتَزدَد قوّتها، وتَنفض الوهنَ عن عاتقها، ذلك الوَهنُ الذي أخبر عنه رَسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقولِه: «يوشِك أن تداعَى عليكم الأمَمُ من كلِّ أفقٍ, كما تداعى الأكلة على قصعتها»، قلنا: يا رسول الله، أمِن قلّةٍ, بنا يومئذ؟ قال: «أنتم يومئِذٍ, كثير، ولكن تكونون غثاءً كغثاءِ السّيل، تُنتَزَع المهابَةُ مِن قلوبِ عدوِّكم، ويُجعل في قلوبِكم الوهن»، قال: قلنا: وما الوهن يا رسولَ الله؟ قال: «حبٌّ الحياة وكراهية الموت» [أخرجه أحمد](21).

 

أيّها المسلِمون، اتَّقوا الله وراقبوه، وأطيعوه ولا تعصوه، (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين) [التوبة: 119].

أيّها المسلِمون، إنَّ وحدةَ الشعور بين المسلمين واجبٌ مُعظَّم وفرضٌ محتَّم، شعورٌ يحمِل على العون والعطف والإشفاقِ، والإحسان والبَذل والإنفاق، وأحَبٌّ الأعمال إلى الله - عز وجل - سرورٌ تدخِله على مسلم، أو تكشِف عنه كربة، أو تَطرد عنه جوعًا، أو تَقضي له دَينًا، ومن نفَّس عن مسلم كربة من كرب الدنيا نفَّس الله عنه كربة من كرَب يوم القيامة، ومَن يسَّر على معسِرٍ, يسَّر الله عليه في الدنيا والآخرة، والله في عونِ العبد ما كان العبد في عونِ أخيه، ومن كان في حاجةِ أخيه كان الله في حاجته.

أيّها المسلمون، الدّنيا مناخُ ارتحال، وتأميلُ الإقامة فيها فَرضُ محال، (فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور)[لقمان: 33]

واعلَموا أن الله أمرَكم بأمر بدأ فيه بنفسه، وثنّى بملائكته المسبِّحة بقدسِه، وأيّه بكم ـ أيّها المؤمنون ـ من جنّه وإنسِه، فقال قولاً كريمًا: إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما [الأحزاب: 56]. اللّهمَّ صلِّ وسلِّم على النبيّ المصطفى المختار.

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) مسند أحمد (28/154-155) (16957)، وأخرجه أيضا البيهقي (9/181)، وصححه الحاكم (4/430)، ووافقه الذهبي، وقال الهيثمي في المجمع (6/14): \"رجاله رجال الصحيح\". وصححه الألباني على شرط مسلم في تحذير الساجد (ص118-119).

(2) صحيح مسلم: كتاب الفتن (2889).

(3) سنن أبي داود: كتاب البيوع (3462)، وأخرجه أيضا أحمد (4825، 5007، 5562)، وصححه ابن القطان كما في التلخيص الحبير (3/19)، وقوّاه ابن القيم في تعليقه على سنن أبي داود (5/104)، وصححه الألباني لمجموع طرقه في السلسلة الصحيحة (11).

(4) صحيح مسلم: كتاب الأقضية (3236).

(5) سنن أبي داود: كتاب الجهاد (2371) من حديث عبد الله بن عمرو - رضي الله عنهما -، وأخرجه أيضا أحمد (6691، 7012)، وابن ماجه في الديات (2675)، وصححه ابن الجارود (ص194، 269)، وكذا الألباني في الإرواء (2208).

(6) سنن أبي داود: كتاب الأدب (4272) من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -، وأخرجه أيضا البخاري في الأدب المفرد (239)، وحسنه العراقي كما في فيض القدير (6/252)، وكذا الألباني في صحيح الأدب (178).

(7) أخرجه البخاري في المظالم (2266)، ومسلم في البر (4684) من حديث أبي موسى - رضي الله عنه -.

(8) صحيح مسلم: كتاب البر (4685).

(9) هو عند مسلم في البر (4686) كذلك.

(01) صحيح البخاري: كتاب التفسير (4686)، صحيح مسلم: كتاب البر (2583).

(11) مسند أحمد (2/445) من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -، وأخرج أيضا الترمذي في الدعوات (3598)، وابن ماجه في الصيام (1752)، وقال الترمذي: \"حديث حسن\"، وصححه ابن خزيمة (1901)، وابن حبان (7387)، وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة (1358).

(21) مسند أحمد (22397) من حديث ثوبان - رضي الله عنه -، وأخرجه أيضا أبو داود في الملاحم (3745)، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (958).

 

 

أضف تعليق

هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع وهي وجهات نظر أصحابها

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply