اختلاف مناهج الأئمة في الاستنباط


بسم الله الرحمن الرحيم 

المذاهـب الفقهيـة:

المذاهب الفقهية التي ظهرت بعد عصر الصحابة وكبار التابعين يعدها بعضهم ثلاثة عشر مذهباً، وينسب جميع أصحابها إلى مذهب \"أهل السنّة \" الذي كان وبقي مذهب جماهير المسلمين وعامتهم، ولكن لم ينل حظ التدوين سرى فقه ثمانية أو تسعة من هؤلاء الأئمة، وقد تباين ما دوِّن من فقههم فحظي بعضهم بتدين كل فقهه، على حين اقتصر على بعضه بالنسبة للآخرين، ومما دوِّن لهؤلاء وهؤلاء عرفت أصول مذاهبهم ومناهجهم الفقهية وهؤلاء هم:

 

أولاً: الإمام أبو سعيد الحسن بن يسار البصري توفي سنة (110هـ).

 

ثانياً: الإمام أبو حنيفة النعمان بن ثابت بن زوطي توفي سنة   (150هـ).

 

ثالثاً: الإمام الأوزاعي أبو عمرو عبد الرحمن بن عمرو بن محمد توفي سنة (157هـ). 

 

رابعاً: الإمام سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري توفي سنة (160هـ).

 

خامسا: الإمام الليث بن سعد توفي سنة (175هـ).

 

سادساً: الإمام مالك بن أنس الأصبحي توفي سنة (179هـ).

 

سابعاً: الإمام سفيان بن عينة توفي سنة (198هـ).

 

ثامناً: الإمام محمد بن إدريس الشافعي توفي سنة (204هـ).

 

تاسعاً: الإمام أحمد بن محمد بن حنبل توفي سنة (241هـ).

 

وهناك الإمام داود بن على الأصبهاني البغدادي المشهور بالظاهري نسبة إلى الأخذ بظاهر ألفاظ الكتاب والسنة توفي سنة (270هـ).

 

وغير هؤلاء كثير أمثال: إسحاق بن راهويه المتوفى سنة (238هـ)، وأبي ثور

 

إبراهيم بن خالد الكلبي المتوفى سنة(240هـ). وهناك آخرون لم تنتشر مذاهبهم،

 

ولم يكثر أتباعهم، أو اعتبروا مقلّدين لأصحاب المذاهب المشهورة.

 

أما الذين تأصلت مذاهبهم وبقيت إلى يومنا هذا، ولا يزال لها الكثير من المقلدين في ديار الإسلام كلها، ولا يزال فقههم وأصوله مدار التفقه والفتوى - عند الجمهور- أولئك هم الأئمة الربعة: أبو حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد.

 

مناهج الأئمـة المشهورين:

يعتبر الأئمة الثلاثة مالك والشافعي وأحمد، فقهاء حديث وأثر، فهم الذين تلقوا فقه أهل المدينة، وحملوا علومهم، أما الإمام أبو حنيفة فهو وارث فقه \"أهل الرأي \" ومقدّم مدرستهم في عصره.

 

إن الاختلاف الذي كان بين مدرسة \"سعيد بن المسيب\" التي قامت على فقه الصحابة وآثارهم، وسار على نهجها المالكية والشافعية والحنابلة وبين مدرسة \"إبراهيم النخعي \" التي تعتمد الرأي إن غاب الأثر، هذا الاختلاف كان طبيعياً أن ينتقل إلى كل من أخذ بمنهج إحدى المدرستين، ولا ينكر أحد أن الخلاف قد خفت حدته كثيراً في هذا الطور، ذلك أنه بعد انتقال الخلافة إلى بني العباس، نقل العباسيون بعض كبار علماء الحجاز إلى العراق ليشر السنة هناك، منهم: ربيعة بن أبي عبد الرحمن، ويحيى بن سعيد (85) وهشام بن عروة(86) ومحمد بن إسحاق(87) وغيرهم، كما أن بعض العراقيين رحلوا إلى المدينة وتلقوا عن علمائها، كأبي يوسف يعقوب بن إبراهيم(88) ومحمد بن الحسن اللذين (89) أخذا عن مالك(90) كما انتقل كثير من آراء العراقيين وأفكارهم إلى الحجاز كانتقال أفكار الحجازيين إلى العراق، ومع ذلك فقد نجد الأئمة الثلاثة مالكاً والشافعي وأحمد يشكلون منهجاً متقارباً فيما بينهم وإن اختلفوا في بعض مناهج الاستنباط وطرائقه، على حين تميز الإمام أبو حنيفة عنهم في منهجه.

 

1- منهج الإمـام أبى حنيفـة:

بقي الإمام أبو حنيفة رمزاً لمنهج مختلف عن مناهج الأئمة الثلاثة ويشكل ظاهر، فقواعد مذهبه كما بينها هو تتلخص بقوله: \"إني آخذ بكتاب الله إذا وجدته، فما لم أجده فيه أخذت بسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والآثار الصحاح عنه التي فشت في أيدي الثقات، فإذا لم أجد في كتاب الله وسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أخذت بقول أصحابه، آخذ بقول من شئت، ثم لا أخرج عن قولهم إلى قول غيرهم. فإذا انتهى الأمر إلى إبراهيم والشعبي وابن المسيب (وعدّد رجالاً)، فلي أن أجتهد كما اجتهدوا \".

 

هذه هي الأصول الكبرى لمذهب أبي حنيفة، وهناك أصول فرعية أو ثانوية مفرعة على هذه الأصول أو راجعة إليها، وهي التي يبدو فيها الخلاف ويظهر، كقولهم: \"قطعية دلالة اللفظ العام كالخاص \"(91) و\"مذهب الصحابي على خلاف العموم مخصص له \"(92)، و\"كثرة الرواة لا تفيد الرجحان \" و\"عدم اعتبار مفهوم الشرط والصفة \"(93) و\"عدم قبول خبلا الواحد فيما تعم به البلوى \"(94) و\"مقتضى الأمر الوجوب قطعاً ما لم يرد صارف \" و\"إذا خالف الراوي القفيه روايته بأن عمل على خلافها: فالعمل بما رأى لا بما روى \" و \"تقديم القياس الجلي على خبر الواحد المعارض له \" و\"الأخذ بالاستحسان(95) وترك القياس عندما تظهر إلى ذلك حاجة \" ولذلك نقلوا عن الإمام أبي حنيفة قوله: \"علمنا هذا رأي وهو أحسن ما قدرنا عليه، ومن جاءنا بأحسن منه قبلناه \".

 

2- منهج الإمـام مالـك:

أما الإمام مالك - رحمه الله - فذو منهج مختلف، فهو يقول: \"أفكلّما جاءنا رجل تركنا ما يزل به جبريل على محمد - صلى الله عليه وسلم - لجدله \"(96) وقد مربنا أن مذهبه هو مذهب الحجازيين أصحاب مدرسة الإمام سعيد بن المسيب - رحمه الله - ، وتتلخص قواعد مذهب مالك بما يلي:

 

· الأخذ بنص الكتاب العزيز.

 

· ثم بظاهره وهو العموم.

 

· ثم بدليله وهو مفهوم المخالفة.

 

· ثم بمفهومه (ويريد مفهوم الموافقة).

 

· ثم تنبيهه، وهو التنبيه على العلة كقوله - تعالى -: ((فّإنَّهُ رِجس أَو فِسقاً)).

 

وهذه أصول خمسة ومن السنة مثلها فتكون عشرة.

 

· ثم الإجمـاع.

 

· ثم القياس.

 

· ثم عمل أهل المدينة.

 

· ثم الاستحسان.

 

· ثم الحكم بسد الذرائع.

 

· ثم المصالح المرسلة(97).

 

· ثم قول الصحابي (إن صح سنده وكان من الأعلام).

 

· ثم مراعاة الخلاف (إذا قوي دليل المخالف).

 

· ثم الاستصحاب.

 

· ثم شرع من قبلنا.

 

4- منهج الإمـام الشافعي:

وأما قواعد وأصول مذهب الإمام الشافعي، - رحمه الله -، فهي ما أجمله في رسالته الأصولية \"الرسالة \" التي تعتبر أول كتاب أصولي جامع أُلِّف في الإسلام.

 

قال - رحمه الله -: \"الأصل قرآن وسنة، فإن لم يكن فقياس عليهما، وإذا اتصل الحديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصح الإسناد به فهو المنتهى، والإجماع أكبر من الخبر المفرد، والحديث على ظاهره وإذا احتمل المعاني فما أشبه منها ظاهره أولاها به. وإذا تكافأت الأحاديث فأصحها إستاداً أولاها، وليس المنقطع بشيء ما عدا منقطع لتن المسيب، ولا يقاس أصل على أصل، ولا يقال للأصل لِمَ وكيف؟ وإنما يقال للفرع لِمَ؟ فإذا صح قياسه على الأصل صح وقامت به الحجة \"(98).

 

فالإمام الشافعي - إذن - يرى أن القرآن والسنة سواء في التشريع، فلا يشترط في الحديث شرطاً غير الصحة والاتصال لأنه أصل، والأصل لا يقال له: لِمَ وكيف؟ فلا يشترط شهرة الحديث(99) إذا ورد فيما تعم به البلوى - كما اشترط ذلك الإمام أبو حنيفة - ولم يشترط عدم مخالفة الحديث لعمل أهل المدينة - كما اشترط ذلك مالك - ولكنه لم يقبل من المراسيل(100) إلا مراسيل سعيد بن المسيب، لأن لها طرقاً متصلة عنده، وقد خالف في هذا مالكاً والثوري ومعاصريه - من أهل الحديث - الذين كانوا يحتجون بها(101) وأنكر الاحتجاج بـ\"الاستحسان \" مخالفاً في ذلك المالكيَّة والحنفيَّة معاً، وكتب في رد الاستحسان كتابه \"إبطال الاستحسان \" وقال قولته المشهورة: \"من استحسن فقد شرع \" كمارد \"المصالح الرسلة \" وأنكر حجيتها، وأنكِر الاحتجاج بقياس لا يقوم على علّة منضبطة ظاهرة، وأنكر الاحتجاج بعمل أهل المدينة، كما أنكر على الحنفية تركهم العمل بكثير من السنن لعدم توفر ما وضعوه فيها من الشروط كالشهرة ونحوها، كما أنه لم يقتصر - كمالك - على الأخذ بأحاديث الحجازيين.

 

هذه هي أهم وأبرز أصول مذهب الإمام الشافعي إجمالاً، وفيها من المخالفة لأصول الحنفية والمالكيّة ما لا يخفى.

 

4- منهج الإمـام أحمد بن حنبـل:

وأما الإمام أحمد بن حنبل - رحمه الله - فقواعد مذهبه شديدة القرب من قواعد مذهب الإمام الشافعي -التي تقدم ذكرها - فهو يأخذ:

 

أولاً: بالنصوص من القرآن والسنة، فإذا وجدها لم يلتفت إلى سواها، ولا يقدم على الحديث الصحيح المرفوع شيئاً من \"عمل أهل المدينة أو الرأي أو القياس، أو قول الصحابي، أو الإجماع القائم على عدم العلم بالمخالف \".

 

ثانياً: فإن لم يجد في المسألة نصاً انتقل إلى فتوى الصحابة، فإذا وجد قولاً لصحابي لا يعلم له مخالفاً من الصحابة لم يقده إلى غيره، ولم يقدم عليه عملاً ولا رأياً ولا قياساً.

 

ثالثاً: فإذا اختلف الصحابة تخير من أقوالهم أقربها إلى الكتاب والسنة ولم يخرج عن أقوالهم، فإن لم يتضح له الأقرب إلى الكتاب أو السنة حكى الخلاف ولم يحزم بقول منها.

 

رابعاً: يأخذ بالحديث المرسل والضعيف إذا لم يجد أثراً يدفعه أو قول صحابي أو إجماعاً يخالفه، ويقدمه على القياس.

 

خامساً: القياس عنده دليل ضرورة يُلجأ إليها حين لا يجد واحداً من الأدلة المتقدمة.

 

سادسا: يأخذ بسد الذرائع (102).

 

5 - منهـج الإمام الظاهري:

ولعل من المناسب التعرض إلى قواعد المذهب الظاهري وأصوله باختصار، ذلك لأن هذا المذهب من المذاهب الإسلامية ذات الأثر والتي لا يزال لها بين أهل السنة أتباع، وقد وقع أشد أنواع الخلاف بين الظاهرية وبين الحنفية ثم المالكية، ثم الحنابلة، ثم الشافعية، وقد كان داود يعترف للشافعي بكثير من الفضل.

 

وأبرز أصول المذهب الظاهري: التمسك بظواهر آيات القرآن الكريمة والسنة وتقديمها على مراعاة المعاني والحكم والمصالح التي يظن لأجلها أنها شرعت. ولا يعمل بالقياس(103) عندهم ما لم تكن العلة منصوصة في المحل الأول (المقيس عليه) ومقطوعاً بوجودها في المحل الثاني (المقيس) بحيث ينزل الحكم منزلة (تحقيق المناط)(104).

 

كما يحرم العمل بالاستحسان، ويستدل بالإجماع الواقع في عصر الصحابة فقطº ولا يعمل بالمرسل والمنقطع خلافاً للمالكية والحنفية والحنابلة، ولا يعمل بشرع من قبلنا، ولا يحل لأحد العمل بالرأي لقوله - تعالى -: ((مَا فَرَّطناَ فِي الكِتَابِ مِن شَيءٍ,…)) (الأنعام: 38) وتعدية الحكم المنصوص عليه إلى غيره تعد لحدود الله - تعالى -، ولا يحل لأحد القول بالمفهوم المخالف.

 

والتقليد حرام على العامي كما هو حرام على العالم وعلى كل مكلف جهده الذي يقدر عليه من الاجتهاد (105).

 

ولنــا كلمــة:

والحقيقة أن كثيراً الأصول التي نسبت إلى الأئمة المتبوعين هي أصول مخرّجة على أقوالهم، لا تصح بها الروايات عنهم، فالتشبث بها، والدفاع عنها، وتكلف إيراد الاعتراضات والإجابات عنها، والرد على ما يخالفها، والانشغال بكل ذلك عن كتاب الله وسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ذلك كله من أبرز دواعي الاختلاف السيئ الذي لم يهدف إليه الأئمة أنفسهم - رحمهم الله -، وقد أبعد هذا المتأخرين من المسلمين عن معالي الأمور، وشغلهم بسفاسفها حتى تدنت الأمة إلى ذلك الدرك الهابط الذي تتمرغ فيه اليوم.

أضف تعليق

هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع وهي وجهات نظر أصحابها

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply