الهجرة النبوية..دروس وعبر


  

بسم الله الرحمن الرحيم

كلنا يعلم أن هجرة الرسول - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة، إنما كانت ابتلاءً وامتحاناً بين يدي النصر العظيم الذي قيضه الله - سبحانه وتعالى - لرسوله محمد - صلى الله عليه وسلم - ولأصحابه البررة الكرام.

وكلنا يعلم أيضاً أن هذا الابتلاء القاسي إنما تمثل في الابتعاد عن الوطن وتركه، ترك الأرض والمال والعقار، ترك الزوجة في بعض الأحيان والأولاد والأسرة، قطع المسلمون أنفسهم عن حظوظهم كلها التي تعارضت مع اعتناقهم لدين الله - سبحانه وتعالى - وإخلاصهم له، ثم اتجهوا إلى تلك الأرض المعروفة بسوء مناخها، والمعروفة بوبائها، اتجهوا إلى \"يثرب\" وهم يعلمون أنهم إنما ينفذون في هذا أمر مولاهم وخالقهم - سبحانه وتعالى -، ولم يكونوا يتصورون أي جزاء يمكن أن ينالوه في الدنيا أو في الآخرة، كل ما في الأمر أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - تلقى الأمر من ربه بأن يهاجر، فهاجروا معه، ونفضوا أيديهم في سبيل ذلك من المال والعقار والأهل والولد.

ونظر الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى أصحابه وقد قطعوا أنفسهم من حظوظهم كلها فأشفق عليهم، رآهم جياعاً، رآهم عراة، رآهم تاركين لدنياهم معرضين عنها، فرفع يديه قائلاً: \"اللهم إنهم الغداة جياع فأطعمهم، اللهم إنهم عراة فاكسهم، اللهم إنهم فقراء فأغنهم\".

 

 

دروس وعبر

ولست بصدد ذكر القصص التي طرقت أسماعكم كثيراً، ولكن سأذكر العبرة التي ينبغي أن نقطفها في عصرنا هذا من قصة الهجرة.

ما القوة التي بها نجحوا في ذلك الامتحان؟

ما الدافع الذي حملهم على أن ينفضوا أيديهم من كل ما كانوا يملكونه، وأن يتجهوا إلى المدينة المنورة وهم لا يملكون إلا ثقتهم بالله وإيمانهم بضرورة الانقياد لحكمه؟

ما هو رأس مالهم الذي يسر لهم النجاح في ذلك الابتلاء؟

إنه الثقة بوعد اللهº إنه الثقة بما ألزم الله - سبحانه - به ذاته العلية، سمعوا قوله - تعالى -: وكان حقا علينا نصر المؤمنين (47)(الروم).

وسمعوا قول - تعالى -: إن ينصركم الله فلا غالب لكم وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده وعلى الله فليتوكل المؤمنون 160 (آل عمران).

وسمعوا قوله - تعالى -: بل الله مولاكم وهو خير الناصرين 150 سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب بما أشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا (آل عمران: 151).

وسمعوا قوله - تعالى -: لنهلكن الظالمين 13 ولنسكننكم الأرض من بعدهم ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد 14(إبراهيم).

وسمعوا قوله - تعالى -: ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين (5) (القصص).

لقد صكت هذه الوعود والعهود الربانية أسماعهم، وهيمنت على قلوبهم، وعلموا أنه كلام الله، وكلام الله-عز وجل - حق لا يلحقه خلف قط، هذا هو الذي شجعهم ويسر لهم أن ينفضوا أيديهم من القليل الذي كانوا يملكونه من الوطن والأرض، والعقار والأهل، وكل ما يقف عثرة في طريق سعيهم وسلوكهم إلى الله - سبحانه وتعالى -.

وموطن العبرة هنا: أن هذا الذي يقوله الله - سبحانه - مكرراً مؤكداً، لم يكن خطاباً للرعيل الأول فقط، بل هو خطاب لعباد الله جميعاً، هو خطاب للمؤمنين في سائر العصور وفي سائر الأجيال وكان حقا علينا نصر المؤمنين 47(الروم). لم يقل: نصر أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، والخطاب إنما كان للمؤمنين كافة في كل العصور إذ قال: إن ينصركم الله فلا غالب لكم وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده وعلى الله فليتوكل المؤمنون 160(آل عمران)

وعندما قال: ونريد أن نمن على الذين استضعفوا (القصص: 5). إنما كان يعني البيان الإلهي المستضعفين من عباد الله المؤمنين به الواثقين بنصره في كل عصر.

 

نتائج مختلفة

فما الفرق بين المؤمنين اليوم وبين أولئك المؤمنين من أصحاب رسول الله؟

أولئك الذين سمعوا هذه البيانات المكررة والمؤكدة وثقوا بكلام الله وصدقوه ورأوا ما وعدهم الله به كأنهم يتقرونه عياناً، أما نحن فما أكثر ما نتلو هذه الآيات ونرددها؟ وما أكثر ما نسمعها في المناسبات المتنوعة المختلفة؟

لكن أين هم الذين هيمنت هذه العهود الربانية والمواثيق الإلهية على قلوبهم؟ أين هم الذين وثقوا بوعود الله وعهوده التي ألزم به ذاته العلية، كما وثق بها أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟

هذا هو فرق ما بيننا وبينهم، ومن ثم فهو فرق ما بين النتائج التي قطفها ذلك الرعيل الأول والنتائج التي نتقلب في حمأتها اليوم، أولئك وثقوا بعهد الباري - سبحانه وتعالى -، فتركوا الوطن، تركوا الدنيا، تركوا العشيرة، تركوا كل شيء، وعانقوا الوباء، عانقوا الأرض ذات المناخ السيئ، لأن عزاءهم إنما هو قول الله - تعالى -: وكان حقا علينا نصر المؤمنين 47(الروم).

نصرهم الله، أعادهم الله أعزة كرماء إلى الوطن الذي نفضوا أيديهم منه، وأكرمهم بمزيد من الأوطان، وبأضعاف أضعاف الأموال التي تركوها في سبيل الله - سبحانه وتعالى -.

أما نحن، فنسمع هذه البيانات الربانية كما سمعوا، ونتأمل فيها بعقولنا كما تأملوا، ولكن أين هم الذين يحفلون بهذه البيانات الإلهية؟ أين هم الذين جعلوا عقولهم أوعية لليقين بهذه العهود التي ألزم الله بها ذاته العلية؟

تأملوا وانظروا تجدوا أن جل المسلمين اليوم محجوبون عن خطاب الله يتعاملون مع أهوائهم، يتأملون مع غرائزهم، مع رغباتهم، يتعاملون مع دنياهم، ومن ثم فقد كانت النتائج في حياتنا على النقيض من نتائج أولئك الناس.

أولئك أدخل الله الرعب في قلوب أعدائهم. أما نحن اليوم فإنما يزيد الله - سبحانه وتعالى - قلوب الكافرين وأعداء هذا الدين منعة وقوة وطغياناً كلما أرادوا أن يتجهوا إلينا بعدوان.

 

 

انظر إلى النقيض أيها القارئ

ضع نفسك في موضع اليقين بما وعدك الله به، انظر كيف يدخل الله الرعب منك في قلوب أعدائك وأعدائه، ولكن إن أنت أعرضت عن بيان الله، وإن أنت نظرت إلى الدين نظرة تقليدية ولم تزد علاقتك به على علاقة الأمة بتراثها كما يقال اليوم، تراث، ليس أكثر من تراث، آل الدين الذي خلقنا لأجله، آلت العبودية التي هي هويتنا فوق هذه الأرض، آلت إلى تراث للآباء والأجداد، نرتبط به ضمن حدود المصالح.

 

واقع أليم

هذا واقعنا، ومن ثم فقد وكلنا الله إلى أنفسنا، وكلنا الله إلى هذا الوضع الذي تعاني منه نفوسنا، وإلا فمن أين جاءت هذه الغطرسة التي يتمتع بها العدو ضدنا؟

 

من أين جاء هذا الطغيان؟

قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء، لا يمكن لأمة أن تذل وأن تهون إلا إذا قطعت ما بينها وبين الله من صلات، ولا يمكن أن يسلط الله عليها عدواً له ولها إلا عندما تبتعد هذه الأمة عن العهد وتخون الأمانة وتلقي الخطاب الذي شرفها الله به وراءها ظهرياً، وهذا هو حالنا.

ولا يقولن قائل: ها نحن نردد بيان الله صباح مساء، ها نحن نسمع القرآن من أفواه تطرب لها الآذان في مختلف الإذاعات والفضائيات، هذه أطر انظروا إلى ما في داخل الأطر، ولا تنظروا إلى الإطار نفسه، الإطار مزركش وداخله مخجل، داخله مخجل نعم، هذا العدو الأرعن يسمعنا أن علينا أن نبدل ديننا، أن نبدل مناهج التربية في مجتمعاتنا، علينا أن نودع هذا الدين إلى غير رجعة.

ويأتي من يوافقه في عالمنا العربي والإسلامي ويقول: إِن بلسان الحال أو بلسان المقال: سمعاً وطاعة، سمعاً وطاعة، سنغير، سنبدل، أجل سنفعل ما تشاءون.

وأين هو الإله الذي يملك النواصي، الذي يملك القلوب، الذي قلوب العباد بين أصبعين من أصابعه، ويحكم، إن بينكم وبين أن يطرد الله عدوكم من دياركم وبين أن يلحق به المهانة والذل شيئاً واحداً، هو أن تصدقوا مع الله كما صدق أصحاب رسول الله مع الله، هو أن تثقوا بهذه العهود المتكررة التي ألزم بها ذاته العلية: وكان حقا علينا نصر المؤمنين.

 

 

خوارق النصر

عندما نثق بهذا الكلام ونعاهد الله مجدداً كما عاهدنا، فإن الله سيخلق في حياتنا خوارق النصر والتأييد. أما عندما نضع الخطط المتنوعة المختلفة التي تهدف إلى غاية واحدة، ألا وهو تمزيق هذا الدين، وتحويله إلى أمور ضبابية تصبح بعد حين أثراً بعد عين، كالتجديد، كالحداثة، كالعلمانية، كتبديل الخطاب الديني، كالتحويل، كالتبديل.

فهذه الكلمات التي تسمونها خططاً هي نتائج لخطط أجنبية أنا على يقين بها، المراد منها أن تخلع هذه الأمة رداء دينها، ومن ثم أن تخلع البقية الباقية من رداء حضارتها، ما الذي يبقى لها؟

يبقى لها أن تتحول إلى أجراء، إلى عبيد يتسولون الحضارة الغربية الآسنة، التي ظهر ريحها وظهر أنها بلاء أطم يهلك الحرث والنسل، هذه هي العبرة التي ينبغي أن نأخذها من هجرة المصطفى - صلى الله عليه وسلم -.

أضف تعليق

هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع وهي وجهات نظر أصحابها

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply