قدومه صلى الله عليه وسلم إلى المدينة


 

بسم الله الرحمن الرحيم

وقد كان أهل المدينة حينما سمعوا بخروج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إليهم يخرجون خارج المدينة يترقبون مقدمه كل يوم حتى يردهم حر الظهيرة، فبعد أن رجعوا إلى منازلهم يوما سمعوا من ينادي بأعلى صوته: يا معشر العربº هذا حظكم الذي تنتظرون، فخرجوا وتلقوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بظهر الحرة (هي الأرض ذات الحجارة السوداء) قبل نزوله بقباء.

 

 ثم تحول - عليه الصلاة والسلام - من قباء إلى المدينة، يحيط به الأنصار فرحين متقلدي سيوفهم ما بين ماش وراكب، يتنازعون زمام ناقته كل يريد أن ينزل في داره والنساء والصبيان والولائد ينشدن:

 

 طلع البدر علينـا * * * من ثنيـات الوداع

 وجب الشكر علينا * * * ما دعــا لله داع

أيها المبعوث فينـا * * *  جئت بالأمر المطاع

 

 وكان ذلك في يوم الجمعة، فأدركته صلاتها في ديار بني سالم بن عوف، فنزل وصلاها، وهي أول جمعة صلاها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، حيث شرعت في هذا التاريخ على أشهر الروايات. ثم ركب وسار، وكلما مرّ على دار من دور الأنصار يتضرع إليه أهلها أن ينزل عليهم، ويأخذون بزمام ناقته، فيقول: دعوها فإنها مأمورة. ولم تزل سائرة حتى أتت فناء بني عدى بن النجار أخواله - صلى الله عليه وسلم -، فبركت أمام دار أبي أيوب الأنصاري، فقال - عليه الصلاة والسلام -: هاهنا المنزل إن شاء الله - تعالى -، ونزل بدار أبي أيوب.

 

 وأقام بها أشهراً حتى اشترى الموضع الذي بركت فيه الناقة، وبنى فيه المسجد، وقد بني المسجد باللبن مرتفعاً عن القامة قليلا، وجعلت عضادتا الباب من الحجارة، وسقف بالجريد، وجعلت عمده من جذوع النخل، وكان يعمل فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بنفسه تشجيعاً للعاملين. وبني بجواره حجرتين لزوجتيه عائشة وسودة، ولم يكن له من الزوجات إذ ذاك غيرهما، وصارت الحجرات تبنى حول المسجد كلما جاءت زوجة، وأرسل من استحضر له أهلهº كما أرسل أبو بكر -رضي الله عنه - من استحضر أهله، فقدمت سودة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - وفاطمة وأم كلثوم بنتاه، أما زينب ابنته - صلى الله عليه وسلم - فمنعها زوجها أبو العاص بن الربيع، وقدم عبد الله بن أبي بكر بزوجة أبيه وأختيه عائشة وأسماء زوج الزبير بن العوام، وكانت حاملا بابنها عبد الله وهو أول مولود ولد للمهاجرين بالمدينة.

 

 وتلاحق المهاجرون فلم يبق من المسلمين إلا قليل ممن لم يتيسر لهم الرحيل.

 ولما تمت الهجرة إلى المدينة تنافس الأنصار في المهاجرينº كل يريد أن يكون له منهم الحظ الأوفر، فكانوا يقترعون عليهم في النزول، ورأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يقوى الإخاء بينهمº فآخى بين كل أنصاري ونزيله من المهاجرين، فكان الأنصار يؤثرون المهاجرين على أنفسهم، وذلك أعلى درجة تقتضيها الأخوة في الله تعالى.

أضف تعليق

هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع وهي وجهات نظر أصحابها

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply