مفهوم السلفية في ميزان الكتاب والسنة

10
6 دقائق
16 رجب 1447 (05-01-2026)
100%

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

فإن السلفية ليست دين جديد بل هي دعوةٌ ومنهاج أي دعوةٌ لفهم معنى الإسلام الصحيح وهي منهاجُ السلف في الدفاع عن السُنة والأمر بإتباعها عقيدة وعبادة، خُلقا ومعاملة.

وقد قال الشيخ محمد صالح رمضان رحمه الله وهو تلميذ للعلاَّمة الإمام ابن باديس رحمه الله (السلفية هي الرجوع بالإسلام إلى ما كان عليه السلف الصالح في القرون الثلاثة الأولى) الرد النفيس للشيخ حاج عيسى الجزائري ص (31) وقال أيضا (السلفية هي الأصالة الإسلامية الحقيقية التي كان عليها السلف الصالح من الصحابة وخيار التابعين) المصدر السابق ص (32/33).

فالسلفية هي طريقٌ إلى الكتاب والسُنة بفهم سلف الأمة والسلفية هي باب السُنة فلا يمكن أن تكون سُنيا حتى تدخل من هذا الباب، وقد قال الشيخ البشير الإبراهيمي رحمه الله (إن السلفية نشأة وارتياض ودراسة فالنشأة أن ينشأ في بيئة أو بيت كل ما فيها يجري على السُنة عملا لا قولا والدراسة أن يدرس من القرآن والحديث الأصول الإعتقادية ومن السيرة النبوية الجوانب الأخلاقية والنفسية، ثم يُروِض نفسه بعد ذلك على الهدى المُعتصر من تلك السيرة وممن جرى على صراطها من السلف) تسليط الأضواء للشيخ فركوس ص (50/51).

وقال الشيخ فركوس حفظه الله (السلفية أن تتخذ الكتاب والسُنة هو المعيار) شهادة للتاريخ ص (43) فإن الكتاب والسُنة للسلفية كالعينين عند الإنسان يُبصر بهما فلا يستطيع الرؤيا بالعين الواحدة حتى وإن فعل ذلك فيتألم وكذلك إن ترك أحدهما يجهل والجهل ألمٌ للقلوب ولهذا قال أهل العلم (إن هذا الدين لم يُوضع على عقول الرجال وآرائهم) فالدين يُأخذ من الكتاب والسُنة ولا يُأخذ من آراء الناس وعقولهم فلو كان كذلك لتديَّن كلُ أحدٍ على هواه ومبتغاه وإن السلفية من بين كل الفِرق الإسلامية هي الدعوة الوحيدة التي ترجع للكتاب والسُنة بفهم سلف الأمة من جانب العقيدة أولا، ثم الفقه وإن كان الفقه جاز الإجتهاد فيه إذا غاب النص، وأما العقيدة فلا إجتهاد فيها فهي نقلٌ بما ثبت في الشرع.

وقد قال أهل العلم (ميزان السُنة هو التمسك بها واجتناب البدعة) ولا يوجد من يعمل بهذا الميزان اليوم سوى علماء السلفيين رحم الله منهم الأموات وحفظ الله منهم الأحياء، فالسلفية عبارة عن قاعدة تُوِجهنا إلى معرفة الحق والصواب ونستطيع التفريق حينئذ بين الحق والباطل وبين الصواب والخطأ وبين السُنة والبدعة وبين التوحيد والشرك وبين الحلال والحرام وبين الطاعة والمعصية وبين العدل والظلم وبين الحق والباطل. الخ لأنها دعوة مباركة فهي تدعوا إلى الكتاب والسُنة ومن سار في هذا الدرب لن يضل لقوله ﷺ: "تركتُ فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وسُنة نبيِّه" مُوطأ مالك.

وقد قال الإمام مالك رحمه الله (السُنة سفينة نوح من ركبها نجا ومن تركها غرق) ثبات عقيدة السلف للشيخ عبد الرزاق البدر حفظه الله ص (19)، وأكثر الناس من ركب هذه السفينة هُم السلفيين ثبتهم الله على الحق ونُصرته فإن الإسلام مثل الجسد والسُنة هي الرئة لهذا الجسد والسلفية هي الهواء الصافي الذي يُساعد الرئة على التنفس.

وقد قال الإمام أحمد رحمه الله (أصول السُنة عندنا التمسك بما كان عليه أصحاب رسول الله والإقتداء بهم وترك البدع) شرح كتاب كن سلفيا على الجادة للشيخ السحيمي ص (33). وقال شيخ الإسلام إبن تيمية رحمه الله (السُنة هي ما كان عليه رسول الله إعتقادا وإقتصادا وقولا وعملا) المصدر السابق ص (39).

فحياة المسلم من دون سُنة مثل البطن دون طعام لأيام فيُقهر بالجوع وكذلك المسلم دون سُنة فيُقهر بالجهل والسلفية هي مثل المِلعقة التي يُأكل بها الطعام وكذلك السلفية يُأخذ بها العلم من الكتاب السُنة وحقيقة السلفية أنها تربط المسلم بالسُنة فهي كالرباط له فمكانة السُنة من الإسلام كمكانة القلب من البدن ومكانة السلفية من السُنة كمكانة الدم من القلب فالسلفية هي مفتاح العلم الشرعي فمن أضاع هذا المفتاح عاش حياته كلها جاهلا حتى يموت أو يرجع لمنهج الدعوة السلفية.

وقد قال أهل العلم (معنى السُنة أي يجب إتباع النبي في العقيدة وفي العمل وفي الأخلاق) وأكثر من يُطبق هذه القاعدة هم السلفيين فقط وأما باقي الفِرق لها تناقضات كثيرة فإما قوله يُخالف فعله أو فعله يُخالف إعتقاده والله المستعان، فلا يكون الرجل سُنيا حتى يسير على طريقة السلف عقيدة ومنهجا وسلوكا، فإن السلفية من الإسلام كالكبد من الجسد وأما عن الفِرق الأخرى فهُم من الإسلام كالأوساخ أو ما شابه ذلك من بول وغائط من الجسد فالسلفية تُعتبر هي المدخل إلى الإسلام على حقيقته فكن من أهل السُنة تتبع الحق أينما كان وتترك الباطل مهما كان فالسلفية كالدواء يحتاجها كل مبتدع ضال سواء كان من أهل الإسلام أو من الكفار فالسلفية كالجبل والفرق الضالة من حولها كالحصى فالسلفية هي طريق الإسلام الصحيح وهي باب الحياة في الدارين.

قال الشيخ السحيمي حفظه الله (فالسُنة في اللغة هي الطريقة والسيرة) شرح كتاب كن سلفيا على الجادة له ص (37)، فالسيرة هي عبارة عن حياة النبي والطريقة هي الكيفية التي عاش بها في تلك الحياة ونحن مطالبون بإتباع تلك الطريقة وهذا لقوله ﷺ: "فإنَّه مَن يَعِشْ منكم فسيَرَى اختِلافًا كثيرًا فعليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلَفاءِ الرَّاشِدينَ المَهْدِيِّينَ عَضُّوا عليها بالنَّواجِذِ وإيَّاكم ومُحدَثاتِ الأُمورِ فإنَّ كُلَّ بِدعةٍ ضَلالةٌ" رواه أبوا داود وغيره.

ولهذا تحقيق السُنة هي غايتنا وسير خُطى السلف هو من بدايتنا فحمل راية الإسلام هو من مسؤوليتنا لقوله : "بلغوا عني ولو آية" رواه البخاري، فإن الإسلام عبارة عن بيت يدخله المسلمين ولا يتم دخولهم إلا من باب السُنة ومفتاح هذا الباب هي السلفية وأسنان هذا المفتاح هو القرآن والحديث والأثر والإجماع والقياس وإن أثاث بيت المسلمين فهو الإيمان وطعامهم هو الإحسان ولباسهم هي التقوى وأعمدة هذا البيت هي الصلاة في وقتها والعبادات الأخرى هي ضوء هذا البيت فالسلفية هي فخر السُنة عبر العصور وبمفهوم آخر فإن التوحيد هو لبُ الإسلام والإيمان هو لباس الإسلام والعلم الشرعي فهو الطريق للوصول إليهما.

والسلفية هي نور هذا الطريق وقد قال ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى {شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} المائدة (50)، أي (سبيلا وسُنة) صحيح البخاري كتاب الإيمان الباب الأول، وقد جاء في تفسير الجلالين (*شِرْعَةً*شريعة*وَمِنْهَاجًا*طريقا واضحا في الدين يمشون عليه) ص (116).

فهناك طريق واحد للدين وليس أكثر ومن كُثرة الطرق التي تدعِّي الإسلام فإن أقربُها للحق والصواب هو طريق السلفية ولله الحمد.

وقال الإمام ابن كثير رحمه الله في معنى الآية السابقة (أي سبيلا إلى المقاصد الصحيحة وسُنة أي طريقا ومسلكا واضحا بينا) تفسير ابن كثير (94/2)، وقد قال تعالى {لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} الملك (2).

قال الشيخ السحيمي حفظه الله في معناها (وليس أكثر عملا لأن العمل قد يكون كثيرا لكن إذا كان على غير السُنة فإنه لا يستفيد منه صاحبه شيئا) شرح كتاب كن سلفيا على الجادة له ما تحت الخط ص (94)، فتجد الشخص يقع في الشرك وهو لا يعلم أو يقع في البدع وهو يظن أنه على حق أو يقع في الرياء والغرور والإعجاب بالنفس والكبرياء وكل هذه لا تنفع معها الكثرة من الخير وقد لا تجد للسُنة أثرا عليه وإن قلت له ”هذه سُنة لما لا تفعلها” قال (السُنة ليست فرضا) والله المستعان، قال أهل العلم في معنى الآية السابقة (ولكي يكون أحسن فلا بد من أن يكون خالصا لله تعالى وموافقا لسُنة رسول الله فهذان شرطان لا يُغني أحدهما عن الآخر) تفسير الجلالين ما تحت الخط ص (562).

وقال الشيخ ابن ناصر السعدي رحمه الله في معنى الآية السابقة (أي أخلصه وأصوبه فإن الله خَلق عباده وأخرجهم لهذه الدار وأخبرهم أنهم سيُنقلون منها وأمرهم ونهاهم وابتلاهم بالشهوات المعارضة لأمره فمن إنقاد لأمر الله وأحسن العمل أحسن الله له الجزاء في الدارين ومن مال مع شهوات النفس ونبذ أمر الله فله شر الجزاء) تيسير الكريم الرحمان له ص (837).

وقال الإمام ابن كثير رحمه الله في معنى الآية السابقة (أي خيرُ عملا) تفسير ابن كثير (551/4)، وخيرُ الأعمال أولُها التوحيد ثم الصلاة على وقتها ثم الإخلاص لله في كل صغير وكبير ثم التمسك بالسُنة في كل الأحوال وترك الحرام مهما كان وطلب العلم ونشره والدعوة إلى الله عزوجل وبر الوالدين والإحسان وحُسن الخُلق والتوبة. الخ وهكذا حتى يصل المسلم لدرجة التقوى.

وقد قال الشيخ محمد حاج عيسى الجزائري (المنهج السلفي يجمع بين الميثالية المرجوة والواقع المفروض) الرد النفيس له ص (250)، أي لا تتغير الأحكام مهما تغيّر الزمان فالعقيدة التي كان عليها النبي هي نفس عقيدة السلفيين اليوم وغدا وعلى مرِّ العصور ومن أفضل ما قاله بعضهم (يزعمون أن السلفيين قسّموا الأمة، الأمة أصلا مُقسمة إلى ثلاث وسبعين فِرقة هم فقط بينوا لكم هذه الفِرق لكي لا تنضموا إليها) فإن الإسلام به وِحدتُنا والإجتماع هو قُوَّتنا والسُنة هي رايتنا والسلفية دعوتنا والعلم مبدأنا والجنة غايتنا.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد والحمد لله رب العالمين


مقالات ذات صلة


أضف تعليق