تذمر قريش من تسفيههم وعيب آلهتهم


 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 لما استمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في إعلان الدعوة إلى الله وتوحيده لم يجد من قومه في مبدإ الأمر مقاومة ولا أذى، غير أنهم كانوا ينكرون عليه فيما بينهم فيقولون إذا مر عليهم: \"هذا ابن أبي كبشة يكلم من السماء، هذا غلام عبد المطلب يكلم من السماء\". ولا يزيدون على ذلك، وأبو كبشة كنية لزوج حليمة السعدية مرضعة النبي - صلى الله عليه وسلم -، وكما أن المرضعة بمنزلة الأم كذلك صاحب اللبن بمنزلة الأب. وكانوا يريدون بذلك تنقيص النبي - صلى الله عليه وسلم - عنادا واستكباراً.

 

 ولكن لما استتبع إعلان الدعوة عيب معبوداتهم الباطلة، وتسفيه عقول من يعبدونها، نفروا منه وأظهروا له العداوة غيرة على تلك الآلهة التي يعبدونها كما كان يعبدها آباؤهم، فذهب جماعة منهم إلى عمه أبي طالب وطلبوا أن يمنعه عن عيب آلهتهم وتضليل آبائهم وتسفيه عقولهم أو يتنازل عن حمايته، فردهم أبو طالب رداً جميلا.

 

 واستمر رسول الله عليه وسلم يصدع بأمر الله - تعالى -، وينشر دعوته، ويحذر الناس من عبادة الأوثان، ولما لم يطيقوا الصبر على هذا الحال عادوا إلى أبي طالب وقالوا له: إنا قد طلبنا منك أن تنهي ابن أخيك فلم ينته عنا، وإنا لا نصبر على هذا الحال من تسفيه عقولنا وعيب آلهتنا وتضليل آبائنا، فإما أن تكفه أو ننازله وإياك في ذلك حتى يهلك أحد الفريقين، فعظم الأمر على أبي طالب، ولم ترق لديه عداوة قومه ولا خذلان ابن أخيه، وكلم رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - في ذلك، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: والله يا عم لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما فعلت حتى يظهره الله أو أهلك دونه. فقال أبو طالب: اذهب فقل ما أحببت، فوالله لا أسلمك لشيء أبدا.

 

 ثم رأى أبو طالب أن يجمع بني هاشم وبني المطلب ليكونوا معه على حماية ابن أخيهº فأجابوه لذلك إلا أبا لهب فإنه فارقهم وانضم إلى بقية كفار قريش.

 

 ولما رأت قريش تصميم أبي طالب على نصرة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واتفاق بني هاشم وبني المطلب معه في ذلكº وكان وقت الحج قد قرب وخافوا من تأثير دعوته في أنفس العرب الوافدين لزيارة الكعبة فتزداد قوته وتنتشر دعوتهº اجتمعوا وتداولوا فيما يصنعون في مقاومة ذلك، فقال قائل منهم: نقول كاهن، فقيل: ما هو بكاهن وما هو بحالة الكهان، فقيل: نقول مجنون، فقيل: ما هو بمجنون. لقد رأينا الجنون وعرفناه، فما حالته كحالة المجانين، فقيل: نقول هو شاعر، فقيل: ما هو بشاعر، لقد عرفنا الشعر بأنواعه فما هو بالشعر، فقيل: نقول ساحر، فقيل: لقد رأينا السحرة فما حالته كحالتهم.

 

 ثم اتفقوا على أن يذيعوا بين الوافدين إلى مكة من العرب أنه ساحر جاء بقول هو سحر، يفرق به بين المرء وأبيهº وبين المرء وأخيهº وبين المرء وزوجهº وبين المرء وعشيرته، وصاروا يجلسون بالطرق حين جاء موسم الحج، فلا يمر بهم أحد إلا حذروه إياه وذكروا له أمره.

 ولقد كان ذلك سبباً في شيوع دعوته - صلى الله عليه وسلم - وذكر اسمه في بلاد العرب كلها.

أضف تعليق

هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع وهي وجهات نظر أصحابها

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply