مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم ووفاته


 

بسم الله الرحمن الرحيم

إن الأرواح الشفافة الصافية القوية لتدرك بعض ما يكون مخبوءا وراء حجب الغيب بقدرة الله - تعالى- ، والقلوب الطاهرة المطمئنة لتحدث صاحبها بما عسى أن يحدث له فيما يستقبل من الزمان، والعقول الذكية المستنيرة بنور الإيمان لتدرك ما وراء الألفاظ والأحداث من إشارات وتلميحات، ولنبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - من هذه الصفات الحظ الأوفر، وهو منها بالمحل الأرفع الذي لا يسامى ولا يطاول(1).

 

ولقد جاءت بعض الآيات القرآنية مؤكدة على حقيقة بشرية النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأنه كغيره من البشر سوف يذوق الموت ويعاني سكراته كما ذاقه من قبل إخوانه من الأنبياء، ولقد فهم - صلى الله عليه وسلم - من بعض الآيات اقتراب أجله، وقد أشار - صلى الله عليه وسلم - في طائفة من الأحاديث الصحيحة إلى اقتراب وفاته، منها ما هو صريح الدلالة على الوفاة، ومنها ما ليس كذلك، حيث لم يشعر ذلك منها إلا الآحاد من كبار الصحابة الأجلاء كأبي بكر والعباس ومعاذ رضي الله عنهم(2).

 

أولاً: الآيات والأحاديث التي أشارت إلى وفاته - صلى الله عليه وسلم -:

1- الآيات:

أ- قال - تعالى -: (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَد خَلَت مِن قَبلِهِ الرٌّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَو قُتِلَ انقَلَبتُم عَلَى أَعقَابِكُم وَمَن يَنقَلِب عَلَى عَقِبَيهِ فَلَن يَّضُرَّ اللهَ شَيئًا وَسَيَجزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ)[آل عمران: 144].

قال القرطبي: فأعلم الله - تعالى -في هذه الآية أن الرسل ليست بباقية في قومها أبدا، وأنه يجب التمسك بما أتت به الرسل، وإن فقد الرسل بموت أو قتل(3).

 

ب- قال - تعالى -: (إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ) [الزمر: 30].

قال ابن كثير: هذه الآية من الآيات التي استشهد بها الصديق - رضي الله عنه - عند موت الرسول - صلى الله عليه وسلم - حتى تحقق الناس موته(4).

 

ج- قال - تعالى -: (وَمَا جَعَلنَا لِبَشَرٍ, مِّن قَبلِكَ الخُلدَ أَفَإِن مِّتَّ فَهُمُ الخَالِدُونَ) [الأنبياء: 34] ثم أعقب ذلك ببيان أن الموت حتم لازم وقدر سابق، فقال - عز وجل -: (كُلٌّ نَفسٍ, ذَائِقَةُ المَوتِ وَنَبلُوكُم بِالشَّرِّ وَالخَيرِ فِتنَةً وَإِلَينَا تُرجَعُونَ) [الأنبياء: 35] فهذه الآيات صريحة ونصت على وفاته - صلى الله عليه وسلم -، وهناك بعض الآيات أشارت إلى ذلك وإن لم تصرح، منها:

 

د- قال - تعالى -: (وَلَلآَخِرَةُ خَيرٌ لَّكَ مِنَ الأُولَى ` وَلَسَوفَ يُعطِيكَ رَبٌّكَ فَتَرضَى) [الضحى: 4- 5].

 

هـ- قال - تعالى -: (كُلٌّ مَن عَلَيهَا فَانٍ, ` وَيَبقَى وَجهُ رَبِّكَ ذُو الجَلاَلِ وَالإِكرَامِ) [الرحمن: 26-27].

 

و- قال - تعالى -: (كُلٌّ شَيءٍ, هَالِكٌ إِلاَّ وَجهَهُ لَهُ الحُكمُ وَإِلَيهِ تُرجَعُونَ) [القصص: 88].

فهذه الآيات تبين أن جميع أهل الأرض ستمضي فيهم سنة الله في موت خلقه لن يتخلف منهم أحدًا أبدًا.

 

ز- قال - تعالى -: (اليَومَ أَكمَلتُ لَكُم دِينَكُم وَأَتمَمتُ عَلَيكُم نِعمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسلاَمَ دِينًا) [المائدة: 3].

وقد بكى عمر بن الخطاب حين نزلت الآية، فقيل: ما يبكيك؟ فقال: إنه ليس بعد الكمال إلا النقصان. وكأنه استشعر وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم -(5).

قال - تعالى -: (إِذَا جَاءَ نَصرُ اللهِ وَالفَتحُ وَرَأَيتَ النَّاسَ يَدخُلُونَ فِي دِينِ اللهِ أَفوَاجًا فَسَبِّح بِحَمدِ رَبِّكَ وَاستَغفِرهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا) [النصر: 1: 3].

فقد سأل عمر - رضي الله عنه - ابن عباس عن هذه الآية: (إِذَا جَاءَ نَصرُ اللهِ وَالفَتحُ).

فقال: أجل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أعلمه إياه، فقال: ما أعلم منها إلا ما تعلم(6)، وفي رواية الطبراني قال ابن عباس: نعيت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نفسه حين نزلت فأخذ بأشد ما كان قط اجتهادا في أمر الآخرة(7).

 

2- أما الأحاديث التي أشارت إلى ذلك فهي:

أ- قالت -عائشة رضي الله عنها-: اجتمع نساء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عنده، لم يغادر منهن امرأة، فجاءت فاطمة تمشي لا تخطئ مشيتها مشية أبيها، فقال: «مرحبا يا بنيتي» فأقعدها يمينه أو شماله، ثم سارَّها فبكت، ثم سارَّها فضحكت، فقلت لها: خصك رسول الله بالسرار وأنت تبكين؟ فلما أن قامت قلت لها أخبريني ما سارَّك؟ فقالت: ما كنت لأفشي سر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فلما توفي قلت لها: أسألك لما لي عليك من الحق لما أخبرتني، قالت: أما الآن فنعم، قالت: سارني في الأول قال لي: «إن جبريل كان يعارضني في القرآن كل سنة مرة، وقد عارضني في هذا العام مرتين، ولا أرى ذلك إلا اقتراب أجلي، فاتقي الله واصبري، فنعم السلف أنا لك»، فبكيت، ثم سارني فقال: «أما ترضين أن تكوني سيدة نساء المؤمنين، أو سيدة نساء هذه الأمة؟ » فضحكت(8).

وفي هذا الحديث دليل قاطع وإشارة واضحة إلى اقتراب أجل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأن ساعة الفراق قد باتت قريبة، إلا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد اختص ابنته فاطمة -رضي الله عنها- بعلم ذلك، ولم يعلم به المسلمون إلا بعد وفاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -(9).

 

ب- قال جابر - رضي الله عنه -: رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - يرمي على راحلته يوم النحر ويقول: «لتأخذوا عني مناسككمº فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه»(10).

قال النووي: فيه إشارة إلى توديعهم وإعلامهم بقرب وفاته - صلى الله عليه وسلم -، وحثهم على الاعتناء بالأخذ عنه وانتهاز الفرصة من ملازمته وتعلم أمور الدين، وبهذا سميت حجة الوداع(11).

وقال ابن رجب: وما زال - صلى الله عليه وسلم - يعرض باقتراب أجله في آخر عمره، فإنه لما خطب في حجة الوداع قال للناس: «خذوا عني مناسككم، فلعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا» فطفق يودع الناس فقالوا: هذه حجة الوداع(12).

 

ج- قال أبو سعيد الخدري - رضي الله عنه -: خطب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الناس وقال: «إن الله خيَّر عبدًا بين الدنيا وبين ما عند الله فاختار ذلك العبد ما عند الله» قال: فبكى أبو بكر، فعجبنا لبكائه أن يخبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن عبد خُيِّر، فكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هو المخيَّر، وكان أبو بكر أعلمنا(13).

قال الحافظ ابن حجر: وكأن أبا بكر - رضي الله عنه - فهم الرمز الذي أشار به النبي - صلى الله عليه وسلم - من قرينة ذكره ذلك في مرض موته، فاستشعر منه أنه أراد نفسهº فلذلك بكى(14).

 

د- قال العباس بن عبد المطلب - رضي الله عنه -: رأيت في المنام كأن الأرض تنزع إلى السماء(15) بأشطان(16) شداد، فقصصت ذلك على النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: «ذاك وفاة ابن أخيك»(17)، وفي هذا الحديث إخبار النبي - صلى الله عليه وسلم - بقرب وفاته، وفيه صدق رؤيا المؤمن، واستشعار بعض الصحابة وفاته - عليه الصلاة والسلام -(18).

 

هـ- وعن معاذ أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما بعثه إلى اليمن خرج راكبا والنبي - صلى الله عليه وسلم - يمشي تحت راحلته فقال: «يا معاذ، عسى ألا تلقاني بعد عامي هذا، فتمر بقبري ومسجدي» فبكى معاذ لفراقه - صلى الله عليه وسلم -، فقال: «لا تبك يا معاذº فإن البكاء من الشيطان»(19) وفي الحديث إخبار النبي - صلى الله عليه وسلم - معاذ بن جبل باقتراب أجله، وأنه يمكن ألا يلقاه بعد عامه هذا، وفيه شدة محبة الصحابة للنبي - صلى الله عليه وسلم - وبكاؤهم إذا ذكروا فراقه(20).

 

ثانيًا: مرض الرسول - صلى الله عليه وسلم -:

1- بدء الشكوى:

رجع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من حجة الوداع في ذي الحجة، فأقام بالمدينة بقيته والمحرم وصفرًا، من العام العاشر، فبدأ بتجهيز جيش أسامة، وأمَّر عليهم أسامة بن زيد بن حارثة، وأمره أن يتوجه نحو البلقان وفلسطين، فتجهز الناس وفيهم المهاجرون والأنصار، وكان منهم أبو بكر وعمر، وكان أسامة بن زيد ابن ثماني عشرة سنة، وتكلم البعض في تأميره وهو مولى وصغير السن على كبار المهاجرين والأنصار، فلم يقبل الرسول - صلى الله عليه وسلم - طعنهم في إمارة أسامة(21)، فقال - صلى الله عليه وسلم -: «إن يطعنوا في إمارته فقد طعنوا في إمارة أبيه، وايم الله إن كان لخليقًا للإمارة، وإن كان من أحب الناس إليَّ وإن ابنه هذا لمن أحب الناس إليَّ بعده»(22) وبينما الناس يستعدون للجهاد في جيش أسامة ابتدأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شكواه الذي قبضه الله فيه، وقد حدثت حوادث ما بين مرضه ووفاته منها:

 

أ- النبي في البقيع وزيارته قتلى أحد وصلاته عليهم:

عن أبي مويهبة مولى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: بعثني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من جوف الليل فقال: «يا أبا مويهبة، إني قد أمرت أن أستغفر لأهل البقيع، فانطلق معي»، فانطلقت معه، فلما وقف بين أظهرهم قال: «السلام عليكم يا أهل المقابر، ليهنأ لكم ما أصبحتم فيه مما أصبح الناس فيه، أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم، يتبع آخرها أولها، الآخرة شر من الأولى»(23) ثم أقبل عليَّ فقال: «يا أبا مويهبة، إني قد أوتيت مفاتيح خزائن الدنيا والخلد فيها، ثم الجنة، فخيرت بين ذلك وبين لقاء ربي والجنة» قال: فقلت: بأبي أنت وأمي، خذ مفاتيح خزائن الدنيا والخلد فيها ثم الجنة، قال: «لا والله يا أبا مويهبة، لقد اخترت لقاء ربي والجنة»، ثم استغفر لأهل البقيع، ثم انصرف، فبدأ برسول الله - صلى الله عليه وسلم - وجعه الذي قبضه الله فيه(24).

 

 ومن حديث عقبة بن عامر الجهني - رضي الله عنه - قال: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلى على قتلى أحد بعد ثماني سنين كالمودع للأحياء والأموات، ثم طلع المنبر فقال: «إني بين أيديكم فرط، وأنا عليكم شهيد، وإن موعدكم الحوض، وإني لأنظر إليه وأنا في مقامي هذا، وإني لست أخشى عليكم أن تشركوا، ولكن أخشى عليكم الدنيا أن تنافسوها» فقال عقبة: فكانت آخر نظرة نظرتها إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -(25).

 

ب- استئذانه - صلى الله عليه وسلم - أن يمرَّض في بيت عائشة وشدة المرض الذي نزل به:

قالت عائشة - رضي الله عنها -: لما ثقل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واشتد وجعه، استأذن أزواجه في أن يمرَّض في بيتي، فأذن له، فخرج وهو بين رجلين، تخط رجلاه في الأرض، بين عباس ورجل آخر(26)، ولما دخل بيتي اشتد وجعه، قال: «أهريقوا عليَّ من سبع قرب لم تحلل أوكيتهن(27)، لعلي أعهد إلى الناس» فأجلسناه في مخضب(28) لحفصة، ثم طفقنا نصب عليه من تلك القرب، حتى طفق يشير إلينا بيده أن قد فعلتن، ثم خرج إلى الناس فصلى بهم وخطبهم(29) وقالت عائشة - رضي الله عنها -: ما رأيت رجلا أشد عليه الوجع من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -(30)، وقال عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه -: دخلت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يوعك فمسسته بيدي، فقلت: يا رسول الله، إنك لتوعك وعكا شديدًا، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «أجل: إني أوعك كما يوعك رجلان منكم» قال: فقلت: ذلك أن لك أجرين، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «أجل» ثم قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ما من مسلم يصيبه أذى من مرض فما سواه إلا حط الله به سيئاته، كما تحط الشجرة ورقها»(31).

 

ثالثًا: من وصايا رسول الله في أيامه الأخيرة:

1- وصيته - صلى الله عليه وسلم - بالأنصار:

مر العباس - رضي الله عنه - بقوم من الأنصار يبكون حين اشتد برسول الله - صلى الله عليه وسلم - وجعه، فقال لهم: (ما يبكيكم؟) قالوا: ذكرنا مجلسنا من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فدخل العباس عليه - صلى الله عليه وسلم - فأخبره فعُصِّب بعصابة دسماء(32) أو قال: بحاشية برد، وخرج وصعد المنبر -ولم يصعد بعد ذلك اليوم- فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: «أوصيكم بالأنصار فإنهم كرشي(33) وعيبتي(34)، وقد قضوا الذي عليهم وبقي الذي لهم، فاقبلوا من محسنهم وتجاوزوا عن مسيئهم»(35)، وفي الحديث شدة محبة الأنصار لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وبكاؤهم لمرضه وحرمانهم من مجلسه(36).

 

2- إخراج المشركين من جزيرة العرب وإجازة الوفد:

لقد ازدادت شدة المرض على رسول الله، بحيث كان يغمى عليه في اليوم الواحد مرات عديدة، ومع ذلك كله أحب - صلى الله عليه وسلم - أن يفارق الدنيا وهو مطمئن على أمته أن تضل من بعده، فأراد أن يكتب لهم كتابا مفصلا ليجتمعوا عليه ولا يتنازعوا، فلما اختلفوا عنده - صلى الله عليه وسلم - عدل عن كتابة ذلك الكتاب وأوصاهم بأمور ثلاثة، ذكر الراوي منها اثنين:

* «أخرجوا المشركين من جزيرة العرب».

* «وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم به» (37).

 

3- النهي عن اتخاذ قبره مسجدًا:

كان من آخر ما تكلم به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قوله: «قاتل الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، لا يبقين دينان بأرض العرب»(38).

 

4- إحسان الظن بالله:

قال جابر - رضي الله عنه -: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول قبل موته بثلاث: «أحسنوا الظن بالله - عز وجل -»(39).

 

5- الوصية بالصلاة وما ملكت أيمانكم:

قال أنس - رضي الله عنه -: كانت وصية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين حضره الموت: «الصلاة وما ملكت أيمانكم» حتى جعل يغرغر بها في صدره، ولا يفيض بها لسانه(40).

 

6- لم يبق من مبشرات النبوة إلا الرؤيا:

قال عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما -: كشف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الستر، ورسول الله - ص

أضف تعليق

هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع وهي وجهات نظر أصحابها

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply