زهد النبي صلى الله عليه وسلم


  

بسم الله الرحمن الرحيم

الخطبة الأولى:

أيها الأحبة في الله:

حياةٌ مضت في الجهاد والدعوة، والصبر والثبات، فكانت كلُها أسوةً حسنة.

وصراطًا مستقيمًا، وطريقًا يهدي إلى الحق، ومعينًا صافيًا، يُنهل منه العذب الزلال.

حياة نبينا، أكرم الخلق على الله - تعالى -، وسيد ولد آدم أجمعين، الصادق الأمين.

لو لم يكن فيه آيات مبينة *** كانت بديهتُه تأتيك بالخبر

صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.

ولنعش اليوم مع عيشه، كيف كان؟ أي بيت كان يسكن؟ وأي فراش كان يتوسد؟ وأي طعام كان يأكل، وأي حال كان فيه؟

أهي القصور الفارهة التي يكاد أن لا يُعلم أولها من آخرها؟!

أهي فرشٌ من حرير، تمتد أطوالها وأعراضها.

أهي الموائد الممتدة بأصناف المآكل والمشارب التي يحتار المرء في اختيارها.

لا، والله ليس من ذلك شيء...

ولو شاء الله - تعالى -لوهب له الدنيا وأمثالها معها، ولكن هي دنيا، وما ضد الدنو إلا العلو.

أيها المسلمون:

لنقف مع تلك الحياة، وذلك العيش، لندرك حقيقة ما نحن عليه، في وقت ترى فيه كثيرًا من الناس قابضًا على قلبه، منشغلاً فكره، خوفًا على رزقه أن ينقطع، وحياته أن تنتكس، ظانًا أن الرزق بيد فلان أو فلان، أو بكذا أو كذا، فيظل يلهث، ويبذل الجهود والأوقات، فيشتري فناءً ببقاء ولا يبالي، من أجل أن يزيد المال، أو أن يبقى هو هو على أقل تقدير، ونسي أن الله - تعالى -رزقه وهو في بطن أمه تسعة أشهر، وألهمه أن يتغذى وهو هناك دون أن يقدم له أحدٌ طعامًا أو شرابًا، ثم لما خرج من بطن أمه ألهمه أن يمص ثدي أمه، وأصبح ذاك الذي كان يتغذى منه في رحمها لبنًا صافيًا سائغًا يمصه من ثديها، وخرج وهو لا يعلم شيئًا، فجعل الله - تعالى -له السمع والبصر والفؤاد، ثم تنقل في مراحل عمره، ورعاية الله - عز وجل - تحيط به، ورزقه مقدر له عند الله - تعالى -، فيمضي ريعان شبابه حتى يبلغ الثلاثين أو الأربعين.

أبعد تلك السنين يخاف أن ينقطع رزق الله عنه؟ فيُعلق غناه وفقره بفلان أو فلان، بل ويعلق بالجمادات.

ولست أعني بذلك الأسباب، ولكن ذاك الاعتقاد في القلب، الذي يعبر عنه لسان الحال والمقال، من حيث يشعر صاحبه أو لا يشعر.

أيها الأحبة في الله - تعالى -:

عاش نبينا حياته ولم يشبع كما شبع أقلّنا، ولم يلبس كما لبس أقلنا، ولم يتوسد على مثل ما يتوسد عليه أقلنا.

عنده تسعة من البيوت، كلها حجرات، يأتيه ضيفه فلا يجد ما يضيفه به.

وفي الصحيح عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: \"ما شبع آل محمد منذ قدم المدينة من طعام بر ثلاث ليال تباعًا حتى قبض\".

وفي الصحيح أيضًا عنها - رضي الله عنها - قالت: \" ما أكل آل محمد أكلتين في يوم إلا إحداهما تمر\".

 

وفيه عن قتادة قال: \"كنا نأتي أنس بن مالك رضي الله عنه، وخبازه قائم، وقال: \"كلوا فما أعلم النبي رأى رغيفًا مرققًا حتى لحق بالله، ولا رأى شاة سميطًا بعينه قط\".

 

وفيه عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: كان يأتي علينا الشهر ما نوقد فيه نارًا، إنما هو التمر والماء، إلا أن نؤتى باللُحم.

وفيه أيضًا عنها - رضي الله عنها - أنها قالت لعروة بن الزبير: ابن أختي، إن كنا لننظر إلى الهلال ثلاثة أهلة في شهرين وما أوقدت في أبيات رسول الله نار، قال: فقلت: ما كان يعيشكم؟ قالت: الأسودان، التمر والماء، إلا أنه قد كان لرسول الله جيران من الأنصار، كان لهم منائح، وكانوا يمنحون رسول الله من أبياتهم فيسقيناه\".

وفي الصحيح أيضًا عن عمر - رضي الله عنه - قال: دخلت على رسول الله فإذا هو مضطجع على رمال حصير ليس بينه وبينه فراش، قد أثر الرمال في جنبه، متكئًا على وسادة من أدم حشوها ليف، فرفعت بصري في بيته، فوالله ما رأيت فيه شيئًا يرد البصر غير أهبة ثلاثة، فقلت: يا رسول الله، ادع الله فليوسع على أمتك، فإن فارس والروم قد وسع عليهم وهم لا يعبدون الله، فقال: ((أو في هذا أنت يابن الخطاب؟! إن أولئك قوم عجلوا طيباتهم في الحياة الدنيا)).

وفيه عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: خرج رسول الله من الدنيا، ولم يشبع من خبز الشعير.

وفي المسند وسنن الترمذي وابن ماجه عن أنس - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله: ((لقد أُخفت في الله وما يخاف أحد، ولقد أوذيت في الله وما يؤذى أحد، وما لي ولبلال طعام يأكله ذو كبد إلا شيء يواريه إبطُ بلال)).

وفي صحيح مسلم عن النعمان بن بشير - رضي الله عنه - قال: ألستم في طعام وشراب ما شئتم؟ لقد رأيت نبيكم ما يجد من الدَّقَّل [وهو التمر الرديء] ما يملأ به بطنه\" وزِيدَ في رواية: \"وما ترضون دون ألوان التمر والزُبدِ\".

وفي كتاب الزهد لوكيع بن الجراح عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: إن كنا لنرفع للنبي الكُرَاع، فيأكلَه بعد شهر.

وكان في غزوة الخندق يربط على بطنه حجرًا من شدة الجوع.

وتأتيه ابنته وقد أثرت الرحى في يديها، تسأله خادمًا فيدلها على التسبيح والتهليل والتحميد.

وعن علي - رضي الله عنه - قال: \"ما كان لنا إلا إهاب كبش، ننام على ناحيته، وتعجن فاطمة على ناحيته\".

 

أيها المسلمون:

هذا هو عيش نبينا وآل بيته، وهو سيد البشر، وأكرم الخلق على الله - تعالى -، رفض الدنيا، ورغب بما عند الله - تعالى -، ولو أراد الدنيا لأتت إليه منقادة بإذن ربها، ولكن كان دعاؤه - عليه الصلاة والسلام - ((اللهم اجعل رزق آل محمد قوتًا)) وفي رواية: ((كفافًا)).

ويقول - عليه الصلاة والسلام -: ((ما يسرّني أن عندي مثل أحد هذا ذهبًا تمضي علي ثلاثة وعندي منه دينار، إلا شيئًا أرصده لِدَين، إلا أن أقول به في عباد الله هكذا وهكذا وهكذا)) عن يمينه وعن شماله ومن خلفه.

ومضى أصحابه رضوان الله عليهم من بعده على ما كان عليه، ومضى على ذلك سلف الأمة الأبرار، ثم خلفت خلوف، سارعت في دنوّها، فانشغلت بها عن ساميات الأمور ومعاليها، فلم يُغن ذلك عنها شيئًا، مرت عبر سنين وقرون، وفي المتقدم عبرةٌ للمتأخر، ولكن يأبى المتأخر إلا أن يكون عبرة لمن بعد، وهكذا تمضي الآيام والسنين، وتفنى معها الأموال والمناصب، ويبقى للإنسان ما قدم، إن خيرًا فخير، وإلا فعلى نفسه جنى.

 

أيها الأحبة في الله:

وليس معنى ذلك أن يجحد المرء خيرًا ساقه الله إليه، ورزقًا أغدقه عليه، ونعمة أسبغها عليه، فصاحبه الذي يؤدي حق الله - تعالى -له أجره ونوره عند ربه.

ولكن أن تصرف الهمم والجهود والأعمار في مطالب الدنيا على حساب الآخرة، بل ولا يؤدي الحق المفروض فيها، وكذلك أن يساء الظن بالله - تعالى -في أن سينقطع الرزق، أو أن يعلق الرزق بفلان أو بفلان، أو بكذا أو بكذا، فذاك منزلق خطير، وهوّة مهلكة.

فاحذر تزِّل فَتَحتَ رِجلك هوة *** كم قد هوى فيها من الثقلا

أضف تعليق

هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع وهي وجهات نظر أصحابها

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply