غزوة أحد في قلب المعركة


 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

أولاً: بدء القتال واشتداده وبوادر الانتصار للمسلمين:

في بداية القتال حاول أبو سفيان أن يوجد شرخًا وتصدعًا في جبهة المسلمين المتماسكة، فأرسل إلى الأنصار يقول: (خلوا بيننا وبين ابن عمنا، فننصرف عنكم، فلا حاجة بنا إلى قتال) فردوا عليه بما يكره

 

ولما فشلت المحاولة الأولى لجأت قريش إلى محاولة أخرى عن طريق عميل خائن من أهل المدينة، وهو أبو عامر الراهب، حيث حاول أبو عامر الراهب أن يستزل بعض الأنصار فقال: يا معشر الأوس، أنا أبو عامر، قالوا: فلا أنعم الله بك عينًا يا فاسق فلما سمع ردهم عليه قال: لقد أصاب قومي بعدي شرُّ، ثم قاتلهم قتالاً شديدًا، ورماهم بالحجارة

 

وبدأ القتال بمبارزة بين علي بن أبي طالب - رضي الله عنه-  وطلحة بن عثمان حامل لواء المشركين يوم أحد، يقول صاحب السيرة الحلبية: خرج طلحة بن عثمان وكان بيده لواء المشركين، وطلب المبارزة مرارًا فلم يخرج إليه أحد فقال: يا أصحاب محمد إنكم تزعمون أن الله - تعالى -يعجلنا بسيوفكم إلى النار، ويعجلكم بسيوفنا إلى الجنة، فهل أحد منكم يعجلني بسيفه إلى النار أو أعجله بسيفي إلى الجنة؟ فخرج إليه علي بن أبي إليه طالب - رضي الله عنه-  فقال له علي - رضي الله عنه- : والذي نفسي بيده لا أفارقك حتى يعجلك الله بسيفي إلى النار أو يعجلني بسيفك إلى الجنة، فضربه علي فقطع رجله، فوقع على الأرض فانكشفت عورته، فقال: يا ابن عمي، أنشدك الله والرحم فرجع عنه ولم يجهز عليه، فكبر رسول الله – صلى الله عليه وسلم - ، وقال لعلي بعض أصحابه: أفلا أجهزت عليه؟ قال: إن ابن عمي ناشدني الرحم حين انكشفت عورته فاستحييت منه

 

والتحم الجيشان واشتد القتال، وشرع رسول الله – صلى الله عليه وسلم - يشحذ في همم أصحابه ويعمل على رفع معنوياتهم وأخذ سيفًا، وقال: «من يأخذ مني هذا؟ » فبسطوا أيديهم، كل إنسان منهم يقول: أنا أنا، قال: «فمن يأخذه بحقه» قال: فأحجم القوم، فقال سماك بن خرشة أبو دجانة: وما حقه يا رسول الله؟ قال: «أن تضرب به العدو حتى ينحني» قال: أنا آخذه بحقه، فدفعه إليه وكان رجلاً شجاعًا يختال عند الحرب، أي يمشي مشية المتكبر، وحين رآه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتبختر بين الصفين قال: «إنها لمشية يبغضها الله إلا في مثل هذا الموطن»

 

وهذا الزبير بن العوام يصف لنا ما فعله أبو دجانة يوم أحد قال: وجدت في نفسي حين سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - السيف فمنعنيه وأعطاه أبا دجانة، وقلت أنا ابن صفية عمته ومن قريش وقد قمت إليه وسألته إياه قبله فأعطاه أبا دجانة وتركني، والله لأنظرن ما يصنع، فاتبعته فأخرج عصابة له حمراء فعصب بها رأسه، فقالت الأنصار: أخرج أبو دجانة عصابة الموت، وهكذا كانت تقول له إذا تعصب فخرج وهو يقول:

أنا الذي عاهدني خليلي *** ونحن بالسفح لدى النخيل

أن لا أقوم الدهر في الكيول؟ *** أضرب بسيف الله والرسول

فجعل لا يلقى أحدًا إلا قتله، وكان في المشركين رجل لا يدع جريحًا إلا ذفف عليه فجعل كل منهما يدنو من صاحبه، فدعوت الله أن يجمع بينهما، فالتقيا فاختلفا ضربتين فضرب المشرك أبا دجانة فاتقاه بدرقته فعضت بسيفه وضربه أبو دجانة فقتله، ثم رأيته قد حمل السيف على مفرق رأس هند بنت عتبة ثم عدل السيف عنها فقلت: الله ورسوله أعلم

قال ابن إسحاق: قال أبو دجانة: رأيت إنسانا يحمِّس الناس حماسًا شديدًا فصمدت له فلما حملت عليه السيف ولول، فإذا امرأة، فأكرمت سيف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن أضرب به امرأة

 

ثانيًا: مخالفة الرماة لأمر الرسول - صلى الله عليه وسلم -:

استبسل المسلمون في مقاتلة المشركين وكان شعارهم: أمت، أمت، واستماتوا في قتال بطولي ملحمي سجل فيه أبطال الإسلام صورًا رائعة في البطولة والشجاعة، وسجل التاريخ روائع بطولات حمزة بن عبد المطلب، ومصعب بن عمير، وأبو دجانة وأبي طلحة الأنصاري، وسعد بن أبي وقاص، وأمثالهم كثير، وحقق المسلمون الانتصار في الجولة الأولى من المعركة، وفي ذلك يقول الله - سبحانه وتعالى - في كتابه العزيز: وَلَقَد صَدَقَكُمُ اللهُ وَعدَهُ إِذ تَحُسٌّونَهُم بِإِذنِهِ حَتَّى إذا فَشِلتُم وَتَنَازَعتُم فِي الأمرِ وَعَصَيتُم مِّن بَعدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبٌّونَ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدٌّنيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الآَخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُم عَنهُم لِيَبتَلِيَكُم وَلَقَد عَفَا عَنكُم وَاللهُ ذُو فَضلٍ, عَلَى المُؤمِنِينَ) [آل عمران: 152].

 

ولما رأى الرماة الهزيمة التي حلت بقريش وأحلافها ورأوا الغنائم في أرض المعركة جذبهم ذلك إلى ترك مواقعهم ظنًا منهم أن المعركة انتهت، فقالوا لأميرهم عبد الله بن جبير: (الغنيمة الغنيمة، ظهر أصحابكم فما تنتظرون؟ فقال عبد الله بن جبير: أنسيتم ما قال لكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ قالوا: والله لنأتين الناس فلنصيبن من الغنيمة، ثم انطلقوا يجمعون الغنائم ولا يعبأون بقول أميرهم، ووصف ابن عباس - رضي الله عنهما - حالة الرماة في ذلك الموقف فقال: (فلما غنم النبي - صلى الله عليه وسلم - وأباحوا عسكر المشركين، أكب الرماة جميعًا فدخلوا في المعسكر ينهبون، وقد التقت صفوف أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فهم كذا وشبَّك بين أصابع يديه، والتبسوا فلما أخل الرماة تلك الخلة التي كانوا فيها، دخلت الخيل من ذلك الموقع على أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - فضرب بعضهم بعضًا، والتبسوا وقتل من المسلمين ناس كثير).

 

ورأى خالد بن الوليد وكان على خيالة المشركين الفرصة سانحة ليقوم بالالتفاف حول المسلمين، ولما رأى المشركون ذلك عادوا إلى القتل من جديد، وأحاطوا بالمسلمين من جهتين، وفقد المسلمون مواقعهم الأولى، وأخذوا يقاتلون بدون تخطيط، فأصبحوا يقاتلون متفرقين، فلا نظام يجمعهم ولا وحدة تشملهم، بل لم يعودوا يميزون بعضهم، فقد قتلوا اليمان والد حذيفة بن اليمان خطأ، وأخذ المسلمون يتساقطون شهداء في الميدان، وفقدوا اتصالهم بالرسول - صلى الله عليه وسلم - وشاع أنه قُتل، واختلط الحابل بالنابل واشتدت حرارة القتال، وصار المشركون يقتلون كل من يلقونه من المسلمين، واستطاعوا الخلوص قريبًا من النبي - صلى الله عليه وسلم - فرموه بحجر كسر أنفه الشريف ورباعيته وشجه في وجهه الكريم فأثقله وتفجر الدم منه - صلى الله عليه وسلم -.

عن أنس - رضي الله عنه-  أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كُسرت رباعيته يوم أحد، وشُجَّ في رأسه، فجعل يسلت الدم عنه، ويقول: «كيف يفلح قوم شجوا نبيهم، وكسروا رباعيته، وهو يدعوهم إلى الله؟ » فأنزل الله - عز وجل -: (لَيسَ لَكَ مِنَ الأمرِ شَيءٌ أَو يَتُوبَ عَلَيهِم أَو يُعَذِّبَهُم فَإِنَّهُم ظَالِمُونَ) [آل عمران: 128].

 

وحمل ابن قمئة على مصعب بن عمير - رضي الله عنه-  حيث كان شديد الشبه برسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقتله، فقال لقريش: قد قتلت محمدًا وشاع أن محمدًا قد قتل فتفرق المسلمون، ودخل بعضهم المدينة، وانطلقت طائفة منهم فوق الجبل، واختلطت على الصحابة أحوالهم، فما يدرون كيف يفعلون من هول الفاجعة، ففر جمع من المسلمين من ميدان المعركة، وجلس بعضهم إلى جانب ميدان المعركة بدون قتال، وآثر آخرون الشهادة بعد أن ظنوا أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد مات، ومن هؤلاء أنس بن النضر الذي كان يأسف لعدم شهود بدر، والذي قال في ذلك: (والله لئن أراني الله مشهدًا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليرين الله كيف أصنع) وقد صدق في وعده، مر يوم أحد على قوم ممن أذهلتهم الشائعة وألقوا بسلاحهم فقال: ما يجلسكم؟ قالوا: قُتل رسول الله، فقال: يا قوم إن كان محمد قد قُتل فإن رب محمد لم يقتل، وموتوا على ما مات عليه، وقال: اللهم إني أعتذر إليك مما قال هؤلاء، يعني المسلمين، وأبرأ إليك مما جاء به هؤلاء، يعني المشركين، ثم لقي سعد بن معاذ فقال: يا سعد إني لأجد ريح الجنة دون أحد، ثم ألقى بنفسه في أتون المعركة، وما زال يقاتل حتى استُشهد، فوُجد فيه بضع وثمانون ما بين ضربة بسيف، أو طعنة برمح، أو رمية بسهم، فلم تعرفه إلا أخته ببنانه. وفي هذا وأمثاله نزل قول الله - تعالى -: (مِنَ المُؤمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيهِ فَمِنهُم مَّن قَضَى نَحبَهُ وَمِنهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبدِيلاً) [الأحزاب: 23]. أما أولئك النفر الذين فروا لا يلوون على شيء رغم دعوة النبي - صلى الله عليه وسلم - لهم بالصمود والثبات فقد نزل فيهم قوله - تعالى -: (إِذ تُصعِدُونَ وَلاَ تَلوُونَ عَلَى أَحَدٍ, وَالرَّسُولُ يَدعُوكُم فِي أُخرَاكُم فَأَثَابَكُم غَمًّا بِغَمٍّ, لِّكَيلاَ تَحزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُم وَلاَ مَا أَصَابَكُم وَاللهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعمَلُونَ) [آل عمران: 153].

 

ولقد حكى القرآن الكريم خبر فرار هذه المجموعة من الصحابة الذين ترخصوا في الفرار بعد سماعهم نبأ مقتل النبي - صلى الله عليه وسلم - الذي شاع في ساحة المعركة، وكان أول من علم بنجاة الرسول - صلى الله عليه وسلم - وأنه حي هو الصحابي كعب بن مالك الذي رفع صوته بالبشرى، فأمره النبي بالسكوت حتى لا يفطن المشركون إلى ذلك، وقد نص القرآن الكريم على أن الله - تعالى -قد عفا عن تلك الفئة التي فرت، قال - تعالى -: (إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوا مِنكُم يَومَ التَقَى الجَمعَانِ إِنَّمَا استَزَلَّهُمُ الشَّيطَانُ بِبَعضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَد عَفَا اللهُ عَنهُم إِنَّ اللهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ).

 

ثالثًا: خطة الرسول - صلى الله عليه وسلم - في إعادة شتات الجيش:

عندما ابتدأ الهجوم المعاكس من المشركين خلف المسلمين والهدف الرئيسي فيه شخص النبي - صلى الله عليه وسلم -، لم يتزحزح - عليه الصلاة والسلام - من موقفه والصحابة يسقطون واحدًا تلو الآخر بين يديه، وحصر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في قلب المشركين وليس معه إلا تسعة من أصحابه سبعة منهم من الأنصار، وكان الهدف أن يفك هذا الحصار، وأن يصعد في الجبل ليمضي إلى جيشه، واستبسل الأنصار في الدفاع عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واستشهدوا واحدًا بعد الآخر، ثم قاتل عنه طلحة بن عبيد الله حتى أُثخن وأصيب بسهم شلت يمينه، وأراد النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى صخرة فلم يستطع، فقعد طلحة تحته حتى استوى على الصخرة، قال الزبير: فسمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: «أوجب طلحة»، وقاتل سعد بن أبي وقاص بين يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وكان يناوله النبال ويقول له: «ارم يا سعد، فداك أبي وأمي»، كما قاتل بين يديه أبو طلحة الأنصاري الذي كان من أمهر الرماة، وهو الذي قال عنه النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لصوت أبي طلحة في الجيش أشد على المشركين من فئة»، وقد كان متترسًا على رسول الله بحجفة، وكان راميًا شديد النزع كسر يومئذ قوسين أو ثلاث، وكان الرجل يمر معه الجعبة من النبل فيقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «انثرها لأبي طلحة» ثم يشرف إلى القوم فيقول أبو طلحة: يا نبي الله بأبي أنت، لا تشرف إلى القوم ألا يصيبك سهم، نحري دون نحرك.

 

ووقفت نسيبة بنت كعب تذب عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالسيف وترمي بالقوس وأصيبت بجراح كبيرة، وترس أبو دجانة دون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بنفسه يقع النبل في ظهره وهو منحنٍ, عليه حتى كثر فيه النبل. والتفَّ حول الرسول - صلى الله عليه وسلم - في تلك اللحظات العصيبة أبو بكر وأبو عبيدة، وقام أبو عبيدة بنزع السهمين من وجه النبي - صلى الله عليه وسلم - بأسنانه، ثم توارد مجموعة من الأبطال المسلمين، حيث بلغوا قرابة الثلاثين يذودون عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منهم قتادة وثابت بن الدحداح، وسهل بن حنيف، وعمر بن الخطاب، وعبد الرحمن بن عوف، والزبير بن العوام.

واستطاع عمر بن الخطاب أن يرد هجومًا مضادًا قاده خالد ضد المسلمين من عالية الجبل، واستبسل الصحابة الذين كانوا مع عمر في رد الهجوم العنيف، عاد المسلمون فسيطروا على الموقف من جديد، ويئس المشركون من إنهاء المعركة بنصر حاسم، وتعبوا من طولها ومن جلادة المسلمين، وانسحب النبي - صلى الله عليه وسلم - بمن معه ومن لحق به من أصحابه إلى أحد شعاب جبل أحد، وكان المسلمون في حالة من الألم والخوف والغم لما أصاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وما أصابهم، رغم نجاحهم في رد المشركين، فأنزل الله عليهم النعاس فناموا يسيرًا، ثم أفاقوا آمنين مطمئنين قال - تعالى -: (ثُمَّ

أضف تعليق

هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع وهي وجهات نظر أصحابها

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply