أعيدوني إلى بطن أمي


بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد: 

 

طالما ساهمت في حل مشكلات الأسرة والشباب سواء كانت على أرض الواقع أو في فضاء الانترنت، وكثيرًا ما لجأ إليَّ الأصدقاء والمعارف لمساعدتهم وأقاربهم في إيجاد حلول واقعية وعملية لما يجابهونه في حياتهم من مواقف صعبة أو أزمات حياتية، لكنها المرة الأولى التي يعرض علي ابني الذي يخطو في عامه الخامس عشر مشكلة صديق له يصغره بعامين، فقد رن جرس الهاتف في منزلي فرفعت سماعة الهاتف في غرفة نومي في نفس الوقت الذي رفع ابني السماعة في غرفة الجلوس، ولما سمعت صوت صديقه أردت أن أعيد السماعة إلى مكانها لولا أن صوته كان هامسًا ما أثار فضولي لأسمع حديث الصديقين رغم أنه ليس من شيمي ولا من عادتي، ولذلك انتبه ابني لوجودي على الطرف الآخر فطلب مني إغلاق السماعة فاحترمت رغبته، وعدت إلى ما كنت مشغولة به ولما التقيت بابني سألته عن سبب صوت صديقه الهامس، فأخبرني أن صديقه يعاني مشكلة مع والده، وقد طلب منه أن يستشيرني فيها واشترط عليه ألا يذكر لي اسمه، ولكن ابني لم يجد غضاضة أن يخبرني باسم ذلك الصديق بسبب الصراحة التي نشّأته عليها وبحكم ثقته بي،

وتتلخص مشكلة ذلك الطفل في اكتشافه أن والده يرى القنوات الفضائية الإباحية رغم أنه ملتزم ويحرص على الصلاة في المسجد وينتهز الفرص المتكررة لأداء العمرة ويؤدي فريضة  الحج كل عام، كما أنه يحض أولاده على الصلاة والصوم باستمرار.

كانت ابتسامة خفر خفيفة ترتسم على وجه ابني وهو يحدثني بأمر والد صديقه ويوضح لي شعوره بصعوبة تقبل فعل والده لهذا الأمر المنكر خصوصًا أنه متزوج فلا بد أنه يفعل هذا دون علم زوجته أو موافقتها، وعبّر لي عن حيرة صديقه بين أمرين: أن يُخبر والده بأنه يعلم بمعصيته وينصحه وبهذا قد يعرض نفسه للضرب أو للطرد من البيت أو أن يُعلِم والدته وهو لا يعرف كيف يمكن أن تكون ردة فعلها فقد تطلب الطلاق من أبيه وبذلك تتهدم الأسرة ويتشتت أفرادها إلى آخر ما جاد به خيال الفتى الصغير، واختتم ابني حديثه بسؤال: لماذا يفعل ما يفعل ما دام متزوجًا؟! ولماذا يُظهر الالتزام وهو ليس كذلك؟!

لا أنكر أن موقفي كان صعبًا بعض الشيء، ولكن ربما خفّف من صعوبته أني لم أعوّد ابني على أن يجد لديَّ إجابات لأغلب أسئلته فقط، بل طالما شجعته على التساؤل وأثنيت عليه كلما بدر منه سؤال ذكي، وأول سؤال جنسي طرحه عليَّ كان وهو في سن ست سنوات عندما وجد في درج مكتبي في العيادة لولبًا لمنع الحمل فسألني: ما هذا؟ فأجبته: إنه لولبًا لمنع الحمل، فسألني: وكيف يحدث الحمل؟ فشرحت له كيف يتم الإلقاح بين خليتين تأتي إحداهما من الأب والأخرى من الأم وكيف يلتقيان في جسد  المرأة لتوضع البيضة الملقحة في الرحم ولتبدأ بالنمو والتمايز والانقسام لتشكّل الجنين.

سألني وهو في سن تسع سنوات تقريبًا: كيف تفتحين بطن المرأة لتخرجي الطفل منها؟

أوضحت له أن أغلب الولادات تحصل بالطريق الطبيعية حيث تتوسع فوهة في جسد  المرأة كي يمر منها الوليد، ولما سألني: أين هي هذه الفتحة؟ أجبته مع ابتسامة صغيرة: بين فوهة خروج البراز وفوهة خروج البول، فضحك ولم يصدق، ولكن لما أكّدت له في مرة تالية أن هذا هو ما يحدث فعلا تلقّى المعلومة على أنها شيء طبيعي.

 لما بلغ اثنتي عشرة سنة سألني: ماذا يعني سن الحُلم؟

شرحت له أنه عندما يرى الفتى حلمًا بأنه يقبّل فتاة فيجب أن يغتسل قبل أن يصلي، ولذلك يسمى سن الحلم وكذلك سن البلوغ، ثم أتبعت جوابي بابتسامة قائلة له: وأنت عندما تصل إلى سن البلوغ سترى حلمًا وستغتسل قبل الصلاة وسأعرف أنك أصبحت رجلاً، فقال ببراءة: أنا لا أرى أحلامًا!

في السنة التي بعدها أي منذ سنتين بدأت أساعده في تقبل التغيرات الجسدية التي تحصل بسبب اقترابه من البلوغ كخشونة الصوت وظهور الشعر في العانة وتحت الإبطين، وعلّمته أن إزالة الشعر من سنن الفطرة، وتتابعت أسئلته عن مرض الإيدز وما شابه، فكنت في كل مرة أجيبه بحسب سؤاله وبحسب ما أراه مناسبًا لوعيه ولعمره، وربما اغتنمت الفرصة لأشرح له دور  الجنس في  الحياة الزوجية بكلمات مبسطة وعبارات مقبولة، وكيف أن ممارسته خارج إطار الشرع أمر محرم وله عواقبه على النفس والمجتمع،

وذكرت له شيئًا عن الأمراض التناسلية ومنها مرض الإيدز الذي ينتقل بالطريق الجنسي بشكل رئيس، وكيف اكتُشف في أول الأمر بين الشاذين جنسيًا، وقصصت عليه قصة آل لوط وكيف نزل بهم عقاب الله.

 ومنذ شهر ذكر لي أن صديقًا له أخبره أنه بلغ سن الحلم، فنصحه ابني (وفرخ البط عوام كما يقال) أن يخبر والده كي يعلّمه أحكام  الوضوء والغسل، ولكن الفتى نفى أن يكون قادرًا على مفاتحة أبيه في مواضيع حساسة كهذه.

كل هذه الأمور ساعدتني أن أشرح لابني السبب الذي يدفع والد صديقه أن يرى أفلامًا إباحية، فابني لم يبلغ بعد، ولا يعرف ما هي الغريزة  الجنسية ولكنه سيعرفها قريبًا جدًا، فهي فرصة لأهيئه نفسيًا وبشكل أكبر لهذه الفترة الخطيرة من العمر حيث تكون تلك الغريزة على أشدها، وهكذا فقد شرحت له أن هذه الأفلام أتتنا من الغرب الذي تعتمد ثقافته على إمتاع  النفس بكل ما تلتذ به من طعام أو شراب أو جنس، بينما ثقافتنا نحن هي ثقافة  الحياء، لأن  الحياء فطرة في البشر وديننا دين الفطرة فهو لا ينكر الرغبات ولكنه يهذبها ويأمر الإنسان بضبطها، وذكَّرته كيف أن آدم وحواء -عليهما السلام- لما عصيا الله وبدت لهما سوءاتهما طفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة، مع أن الله لم يكن قد فرض عليهما أي دين، لكن  الحياء الفطري لم يُسغ لهما بقاءهما عاريين،

وذكرت له أن الجنس منذ عهد عالم  النفس اليهودي الألماني فرويد أخذ قيمة كبرى في حياة البشر أكثر من قيمته الحقيقية، فهو لا يسيطر على حياة الإنسان من المهد إلى اللحد كما ظن فرويد الذي عزا كل تصرفات البشر وسلوكياتهم وردود أفع الهم إلى هذه الغريزة، ما أدى إلى الإباحية في الغرب، أي ممارسة  الجنس خارج ضوابط الدين، وفي طور أعلى زمنيًا وأدنى بشريًا أدت الإباحية إلى الشذوذ لأن النفس تملّ وتميل إلى التنويع -حتى لو كان ضررًا- إذا لم يهذبها الدين والخلق،

ومما ساهم في ذلك أيضًا غياب مفهوم العورة، فترى الأب والأم والأولاد كلهم عرايا بعضهم أمام بعض، وهذا يحدث في بعض الدول الغربية أكثر من غيرها كهولندا حيث توجد أكبر نسبة للشاذين جنسيًا في العالم، بينما حث ديننا على تعويد الطفل ستر العورة، وعلى تعليمه أدب الاستئذان على والديه سواء كانا معًا أو منفردين، ودعا إلى ضبط  النفس عبر الصوم كي لا تتحكم بالإنسان شهواته فيدمنها كما تدمن  المخدرات. هنا اقتربت لإجابته عن سؤاله حول والد صديقه، وربما اقترب حرجي إلى درجته العظمى لأني لا أريد أن أبرر له هذا الفعل الخاطئ فيستسيغ الخطأ، وفي الوقت نفسه لا أريد أن يظهر خطأ هذا الرجل على أنه الكارثة التي لا يمكن إصلاحها كما ظنّ ابني وصديقه، وذلك لئلا ينشأ على مثالية مفرطة سرعان ما تتحطم على صخرة الواقع، فبدأت بقولي إن كثيرين من الرجال يفعلون هذا من باب الفضول، وأخبرته أن كلاً منا معرض لوساوس الشيطان وكيده وقد قال الله -تعالى-: {وخُلق الإنسان ضعيفا} ولا يمكن أن يردع الإنسان عن الأفعال الشائنة بينه وبين ربه إلا خوفه الحقيقي من الله، وأغلب الناس في مجتمعاتنا العربية تتزين بمسوح الدين لأن الناس يُخدعون بالظاهر وهم أيضًا لا يسامحون المخطئ إذا أخطأ حتى لو كان خطؤه ناجمًا عن لحظة ضعف لذلك يضطر الإنسان أحيانًا إلى أن يتقي كلام الناس بمظهر ديني معين،

ثم ذكرت لابني حديثين شريفين: أولهما يحوي أمر الرسول -عليه الصلاة والسلام- بعدم المجاهرة بالمعصية ما دام الله قد ستر ذنب العبد، وثانيهما إخباره -عليه الصلاة والسلام- عن أناس يقومون بالطاعات في الظاهر ولكنهم إذا خلوا بأنفسهم فإنهم يجترئون على محارم الله، وربطت هذين الحديثين بما يفعل ذلك الرجل، وأنه قد يكون من الفئة الأولى أو الثانية، وليست مهمتنا أن نبحث فيما يفعله أي إنسان في خلوته، فالتجسس منهي عنه شرعًا، كما أن التقوى لا يعلمها إلا الله. بذلك أجبته عن الشطر الثاني في السؤال قبل الشطر الأول، وهو الشق الديني في الموضوع لكن كيف أجيبه عن الشطر الأول وهو كيف يفعل هذا وهو متزوج؟!

كانت مهمتي هنا أصعب، لكن ربما هوّن الأمر أيضًا معرفة ابني ببعض الأمور الشرعية كإقامة حد الزنا على المحصن وغير المحصن، فبيّنت له أن كون الرجل متزوجًا لا يعني أنه لن يفعل إلا ما أمر الله به ودليل ذلك أن الله وضع حد الجلد لغير المتزوج وحد الرجم للمتزوج، وشرحت له أن هذا الرجل والد صديقه لم يحصن عينيه عن النظر إلى ما حرم الله رغم أنه محصن، وتبقى فعلته -وإن كانت شنيعة وتقضي على الحياء الذي هو شطر  الإيمان- أخف ضررًا من  الزنا من الناحية الشرعية والاجتماعية، ويعود سببها على كل الأحوال إلى التأثر بثقافة الغرب الإباحية.

انتهى حديثي مع ابني بعد أن اطمأننت أن رسالتي التوجيهية قد وصلت دون أن تترك آثارًا سلبية، وتوجهت بعدها إلى دوامي المسائي، ولما عدت رأيت صديق ابني خارجًا من منزلنا، وأخبرني ابني أن صديقه استأذن والدته لينام عندنا فلم تسمح له، فعاد إلى منزله وأنه كتب رسالة كان ينوي وضعها تحت باب البيت لتراها والدته صباحًا، لكنه أحضر الرسالة معه ليستشير ابني في محتواها، فطلبت من ابني أن يحضر الرسالة وقرأتها، وقد كان أمرًا محزنا جدًا لي أن أشعر بانقسام الطفل داخليًا إلى نصفين: نصف محب لوالده بفطرة البنوة والاعتراف بالفضل، ونصف كاره له لما رأى فيه من ازدواجية بين أمر بالمعروف وإتيان للمنكر، وأدركت مدى تحطم قلب هذا الفتى الصغير وتهدّم مثاله الأعلى في نظره،

فكيف يمكن له أن يتعامل مع أبيه فيما بعد؟ ألن يتذكر في كل لحظة يأمره فيها بالصلاة نهارًا ما كان يفعله أبوه ليلاً؟ في رأيي الشخصي أن هذا الطفل سيحتاج إلى علاج نفسي عاجلاً أم آجلاً.

لكن كم من  أطفالنا يحتاجون إلى علاج نفسي؟

هذه إحصائية أجراها بروفيسور عربي في دولة عربية اعتمدت أساليب حديثة، واعتُبرت الأولى من نوعها في العالم العربي إذ أعطت نتائج إحصائية وعلمية وصلت دقتها إلى 94% وتعتبر بذلك صادقة وموضوعية، وإليكم أمثلة من نتائج الدراسة الإحصائية:

مشكلات أطفال المرحلة الابتدائية فيما يتعلق بالمنزل:

-       عدم قضاء وقت كاف مع  الوالدين 75%.

-       معاملة  الوالدين السيئة 70%.

-       وصف الطفل بالغباء من قبل والديه 69%.

وفي المرحلة المتوسطة:

-       الهروب من المنزل بسبب الضيق: 89%.

-       الاستغراق في السرحان داخل المنزل 87%.

-       الكوابيس والأحلام المزعجة 86%.

-       الشعور بعدم الراحة في المنزل 82%.

في المرحلة الثانوية:

-       عدم وجود حرية كافية داخل المنزل 93%.

-       عدم تنفيذ مطالب الأسرة 91%.

-       الهروب من المنزل 91%.

-       معاملة  الوالدين السيئة 89%.

هذه النسب أعطت دلالات إحصائية أعلى سلبية من 80% غالبًا، وهي لذلك تنبئ بخطر كبير جدًا على مستوى المراحل العمرية المختلفة.

هذا ما يحدث للطفل بسبب سلوكيات أهله الخاطئة والأسرة المتصدعة والعلاقة المهزوزة بين أفرادها، فإذا ركزت على دور الأهل في  التربية هنا فلأنهم هم الأصل،

ولا يمكن للمؤسسات التربوية الأخرى كالمدرسة والمسجد والإعلام أن تصلح الناشئة، وإن كان العكس هو الصحيح، فقد انقرض دور المدرسة التربوي وهذا ما يقوله عالم  النفس جان بياجيه: (إن المدارس تضم الكثير من المعلمين والقليل من المربين الذين يقدمون المعرفة للتلاميذ بمحبة باعتبارهم كائنات مهمة للتطور والمعرفة». وقد تستطيع المدرسة بمنهاجها التعليمي أن تتدارك بعض الهنات في شخصية الطفل عندما تفتح أمامه آفاقًا من المعرفة و العلم، لكن قد يقوم المعلم نفسه بهدم الثقة بين الطفل وأسرته بدل أن يثبت أسسها ويدعمّها، وقد يتعاضد أحيانًا المنهاج التعليمي والمعلم في تشويه براءة الطفل بضخّ أيديولوجيات قومية أو إقليمية أو دينية في عقله الطري، وقد يشترك المسجد -الذي يؤثر في الأهل والطفل غالبًا- في سكب المجتمع كله بقالب واحد، فينشأ جيل مستنسخ يتشابه أفراده شكلاً ومضمونًا، وهذا التشابه وإن كان يُظَّن أنه يساهم في بناء التلاحم الاجتماعي لكنه على صعيد آخر يجعل الأفراد متشبثين بعرى التقليد، عاجزين عن الإبداع، محجمين عن التطور، ما يؤدي في النهاية إلى تقوقع المجتمع على نفسه وعجزه عن تفهم المجتمعات الأخرى وتقبلها والائتلاف معها في مشترك إنساني واحد، وإن شذ بعض الأفراد عن القاعدة العامة نتيجة سفرهم وإطلاعهم على ثقافات الشعوب الأخرى، فكثيرًا ما يُنظر إليهم على أنهم مخالفون مغتربون منشقون عاقّون للثقافة الأم.

ثمة دور للإعلام إذ قد يساهم هو الآخر بإعلاء ثقافة النمطية الواحدة، وعلى العكس من ذلك فقد يساعد على إبعاد الجيل عن واقعه ووضع ترسانات صلبة أمام فهمه لثقافته الأساسية التي لا شك تحوي كثيرًا من عناصر الخير والنبل والحق، وعلى سبيل المثال درجت بعض القنوات على عرض أفلام كرتونية لل أطفال تحت مسمى قصص عالمية، وهذه القصص العالمية قد تكون مأخوذة فعلاً من روائع الأدب الإنساني ولكنها أيضًا ربما لا تحوي شيئًا من الإنسانية،

ومنذ أكثر من عشرة أعوام تقريبًا كنت أجلس في بيت بعض معارفي وإلى جانبي فتى في الثانية عشرة من عمره يتابع قصة كرتونية، فإذا هي قصة كارمن أو المرأة اللعوب، والقصة لمن لا يعرفها تحكي حكاية امرأة غجرية تنتقل من رجل إلى آخر، ويقع في حبها ضابط تخلى عن مكانته الرسمية لأجل أن يتزوجها ويشترك معها في حياتها المفعمة بالحرية التي لا ضوابط لها، ولكنها سرعان ما تقع في غرام مصارع ثيران ما يجعل الغيرة تتقد في قلب الضابط وتنتهي الحكاية بمقتل كارمن وعشيقها على يد زوجها الذي ينتحر أيضًا على ما أذكر.

يومها تساءلت حقًا عن مغزى عرض قصة كهذه على أطفالنا العرب، وهل هو تمهيد كي يتقبلوا العلاقات غير الشرعية مستقبلاً؟ هل نستطيع أن ننكر دور الإعلام في تغريب الطفل أو تشويه براءته؟

كانت هذه التساؤلات نتيجة لإشفاقي على هذا الطفل وأمثاله الذين يقتربون منه سنًا، لكن الخبر الذي قرأته في إحدى الصحف العربية مؤخرًا جعلني أشعر بالأسى ل أطفالنا جميعًا، فقد أورد الخبر أن إحدى دور الأوبرا العربية استضافت إحدى فرق الباليه العالمية التي عرضت هذه القصة نفسها محكية بفن الرقص الإيحائي، ولا شك أن رقص الباليه  الجماعي -بغض النظر عن الرأي الفقهي فيها- ذات مقدرة جمالية فائقة في إيصال مضمون القصة عن طريق إظهار البراعة الجسدية ما يجعل تأثيرها عميقًا في  النفس،

لكن المؤسف في الأمر أن الخبر بدأ بهذه العبارات: (متعة ما بعدها متعة..هذه خلاصة عرض باليه كارمن التي كان من المفترض أن تقدم عروضها على مدى ثلاث ليال على خشبة المسرح الكبير، لكن نظرًا للإقبال الجماهيري المتوالي، تم الاتفاق على تقديم حفل آخر صباحي، أجمل ما فيه أن هذا العرض الراقي نجح في إبهار العشرات من  أطفال المدارس على مدى فصلين امتدّا لحوالي أكثر من ساعتين، ولعلنا ندرك مدى الصعوبة الشديدة لهذه المهمة إذا علمنا أن أعمار ال أطفال لا تتعدى أربع سنوات).

أي متعة أيها الصحفي؟ لا ريب أن ال أطفال انبهروا بهذا العمل كما انبهر الأهل، لكن هل تستطيع عقولهم الصغيرة أن تستوعب خيانة كارمن وانزلاقها من رجل إلى رجل؟ لماذا تحشرون ال أطفال في زوايا الكبار المنتنة؟! دعوهم لعالمهم البريء فبدون براءة  أطفالنا لا جمال ولا فن ولا حق ولا عدل ولا خير.

الأمثلة أكثر من أن تعد وتحصى، وتشويه براءة ال أطفال لا يتم بسبب ازدواج شخصية الأبوين فقط أو استنساخ شخصية المعلم أو المربي وأفكارهما فحسب، بل بتقليد ما يرونه في التلفاز والمسارح ودور السينما، فهل علمت

 

قارئي الكريم سبب العنوان الذي وضعته لما كتبت؟

أظن أني تعلمت من كل موقف في حياتي صغيرًا كان أم كبيرًا، وقد علمتني مهنتي في اختصاص النساء والتوليد كثيرًا من الأمور، ومنها أن بكاء الوليد بمجرد خروجه إلى العالم ليس إلا احتجاجًا منه على بشاعة هذا العالم، فقد كان آمنًا رغم أنه محاط بظلمات ثلاث ذكرها القرآن، أما بعد خروجه من مكمنه فإنه لا يرى ببصره شيئًا ولكن بصيرته الداخلية وغريزته توحي له أنه لن يكون آمنًا على فطرة الخير أن تشوهها الأسرة والمجتمع، لذلك يصدر صرخاته الأولى قائلاً: أعيدوني إلى بطن أمي!

وصلى الله وسلم على نبينا محمد والحمد لله رب العالمين

أضف تعليق

هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع وهي وجهات نظر أصحابها

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply