نعوذ بالله من الفتن


 

بسم الله الرحمن الرحيم

تجربة الجماعات المسلحة في سوريا ومصر والجزائر من التجارب المهمة الجديرة بالدرس والبحثº فقد تجلَّت فيها عبر وعظات كثيرة، من محصلتها: أنَّ الصراع المسلح وصل إلى طريق مسدود بعد سلسلة من الجراحات والدماء، والفوضى والقلق، ولم يحقق أصحابه شيئاً يذكر من مطالبهم، بل خسروا كثيراً من المكاسب التي كانوا يملكونها قبل ذلك، واستنزفوا طاقاتهم، ورأينا أنه كلما اتسعت دائرة الصراع والاقتتال زادت حدة الفتن والاضطراب، وانجرَّ على البلاد بلاء وشر مستطير، نسأل الله السلامة..!

 

وبروز هذه الظاهرة من جديد في المملكة العربية السعودية غفلة شديدة عن تجارب الآخرين، وتطور مستنكر يجب الحذر منه، ومخالفة جليَّة لنصوص الكتاب والسنة، وعلامة خطيرة من علامات التهور والمجازفة، لا تمتٌّ إلى الإسلام وشرعة الجهاد بصلةº إذ فيها سفك لدماء محرمة، وإتلاف لأموال وحقوق مصانة. وأحسب أن السقوط في مستنقع الاحتراب الداخلي نتيجته الطبعية زعزعة المجتمع وتصدع أركانه، وفتح لباب عريض من المفاسد التي لم تحسب مآلاتها وتداعياتها على المسلمين في العاجل والآجل. و قد ذكرنا أن كل عمل مهما كان كبيراً أو صغيراً فإنه يجب أن تراعى فيه نصوص الشريعة وقواعدها المحكمة التي تُحصِّن الأمة من طَرَفَيِ الإفراط والتفريط. قال الإمام الشاطبي: «النظر في مآلات الأفعال معتبر مقصود شرعاً سواء كانت الأفعال موافقة أو مخالفة.. وهو مجال للمجتهد صعب المورد، إلا أنه صعب المذاق، محمود الغِبّ ـ يعني: العاقبة ـ، جارٍ, على مقاصد الشريعة»(1).

 

وأمن الجزيرة العربية ـ جزيرة الإسلام ـ هو مسؤولية كل مسلمº لأن الكثير من شعائر الإسلام وحرماته لها ارتباط بتلك الجزيرة، ولا شك أن من تعظيم حرمات الله وشعائره أن ننأى بهذه الأرض المقدسة عن أن تجرّ إلى أتون الفتن ودوامات الصراعات. وعندما قال الله - تعالى - عن بيته المحرم: {ومَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا} [آل عمران: 97] عنى بذلك ـ سبحانه ـ الأمرَ بتأمين هذا البيتº فهو خبر في محل الأمر.

 

ثم ما الذي يمكن أن يقوله الناس ـ مسلمين وغير مسلمين ـ عن مشاهد الدمار والقتل الذي يقع بين آن وآخر في بلاد مهبط الوحي بأيدي أناس من من أهله..؟! أليس ما سيقال من الممكن أن يمس سمعة المسلمين؟ ألا يمكن أن يُرسّخ هذا مقولة من يُصرّون على إلصاق تهمة الهمجية والدموية بالشباب الإسلامي؟! ولا يصلح هنا على الإطلاق أن يقال: دعهم يقولوا ما يريدونº فرسول الله - صلى الله عليه وسلم - امتنع عن قتل من يستحقون القتل، عندما رأى أن ذلك يمكن أن يؤدي إلى فتنة في الدينº لقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لمن أشار عليه بقتل بعض المنافقين: «لا يتحدث الناس إن محمداً يقتل أصحابه»(2). ونحن نقول هنا: إن هذا مرفوض حتى لا يقول الناس إن شباب الإسلام يستهين بأمر الدماء، ولا يتحفظ من إصابة الدم الحرام!

 

إن ثمة حقيقة مهمة جداً يجب استحضارها والتزامها وهي: أنَّ الميزان الشرعي ـ المهتدي بنصوص الكتاب والسنة وقواعدها المحكمة ـ هو السبيل الذي يعصم الأمة من الاضطراب والفساد، ويحميها من ظلمات الأهواء والشبهات، وكل معالجة لهذه الفتنة بعيداً عن هذا الميزان العدل ستدخلنا في متاهة مظلمة من المشكلة!

 

وأحسب أن على علماء الإسلام ودعاته الربانيين واجباً عظيماً في دراسة هذه التداعيات الخطيرة على الأمة ومعرفة أسبابها، ومعالجة جذورها ومنطلقاتها الفكرية، ولا يجوز بحال التقصير في هذا المجالº فالفتن تبدأ صغيرة محدودة الأثر، ضعيفة التأثير، ثم ينفخ فيها الجهلة والرويبضات حتى تصَّاعد، وتصعب بعد ذلك محاصرتها وإيقافها.

 

ودراسة هذه النوازل الخطيرة مسؤولية أهل العلم والبصيرة الذين أنار الله قلوبهم وعقولهم بنور الإيمان، وعُرفوا بتقوى الله وخشيته، ولا يجوز بحال أن يتصدر لذلك أهل الأهواء، أو أنصاف المتعلمين، أو حدثاء الأسنانº فالأمر جد ليس بالهزل، وما أجمل قول الإمام سفيان الثوري: «ليس الفقيه الذي يعرف الحلال والحرام، ولكن الفقيه الذي يعرف خير الخيرين وشر الشرين».

 

وهذه الأحداث المتلاحقة تجعلنا نؤكد على أن من أولى الأولويات في المرحلة القادمة التركيز على أمرين في غاية الأهمية:

 

الأول: العناية بالعلم الشرعي، وأخذه عن أهله الربانيين الراسخين فيهº فهذا هو الذي يعصم الإنسان من الخلط والانحـــراف، ويعيذه مــن مضـلات الأهواء والفــتن. قال الله - تعالى - : {قُل هَذِهِ سَبِيلِي أَدعُو إلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ, أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الـمُشرِكِينَ} [يوسف: 108].

 

الثاني: العناية بتربية الناس على منهاج النبوة، قال الله - تعالى - : {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنهُم يَتلُو عَلَيهِم آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِم وَيُعَلِّـمُهُمُ الكِتَابَ وَالـحِكمَةَ وَإن كَانُوا مِن قَبلُ لَفِي ضَلالٍ, مٌّبِينٍ,} [الجمعة: 2]º فالتربية الشاملة المتوازنة هي التي تحفظ الأمة من طرفي الشطط والانحراف: الغلو والجفاء.

 

إن التشنج والانفعال لا يمكن أن يدفع البلاء أو ينصر الحق، ومن نافلة القول التأكيد على ضرورة التجرد والصدق ومراقبة الله - عز وجل - في السر والعلن عند مدارسة هذه النازلة، والحـذر من الأهـواء والدوافــع الشخصية. قال الله - تعالى - : {يَا أَيٌّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالقِسطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَو عَلَى أَنفُسِكُم أَوِ الوَالِدَينِ وَالأَقرَبِينَ إن يَكُن غَنِيًّا أَو فَقِيرًا فَاللَّهُ أَولَى بِهِمَا فَلا تَتَّبِعُوا الهَوَى أَن تَعدِلُوا وَإن تَلوُوا أَو تُعرِضُوا فَإنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعمَلُونَ خَبِيرًا} [النساء: 135].

 

نسأل الله - عز وجل -  أن يعيذنا من مضلات الأهواء والفتن، وأن يحفظنا بحفظه ويكلأنا برعايته.

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الموافقات (4/ 194). 

(2) متفق عليه البخاري، رقم (4525)، ومسلم رقم (4682).

أضف تعليق

هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع وهي وجهات نظر أصحابها

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply