هيا بنا نؤمن ( 1 )


 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الخطبة الأولى:

أما بعد أيها الإخوة المؤمنون:

\" هيا بنا نؤمن \" كم نحن في حاجةٍ, إلى هذا النداءº ولعلنا مباشرةً يدور في أذهاننا: هل نحن غير مؤمنين حتى نؤمن؟

ومباشرةً يأتينا الإيضاح ربانياً ونبوياً، قال - تعالى -: {يا أيها الذين آمنوا آمِنوا بالله ورسوله والكتاب الذي نزل على رسوله والكتاب الذي أنزل من قبل}.

خطابٌ للمؤمنين أن {آمنوا بالله ورسوله}، قال ابن كثير - رحمه الله -: \" ليس هذا من باب تحصيل الحاصل، بل هو من باب تكميل الكامل، وتقريره وتثبيته، والاستمرار عليه \".

وقال السعدي - رحمه الله -: \" الأمر يوجّه إلى من دخل في الشيء، وهذا يكون أمره ليصحح ما وجد منه ويحصل ما لم يوجد منهº فإن ذلك يقتضي أمرهم بما يصحح إيمانهم من الإخلاص والصدق، وتجنب المفسدات، والتوبة من جميع الموبقات، ويقتضي الأمر بما لم يوجد من المؤمن من علوم الإيمان وأعماله \".

 

فكم هو المفقود في حياتنا من علم الإيمان وأعماله.. في حديث المصطفى - صلى الله عليه وسلم -: (إن الإيمان ليخلق - أي ليبلى - في جوف أحدكم كما يخلق الثوب، فاسألوا الله - تعالى -أن يجدد الإيمان في قلوبكم) رواه الطبراني من حديث عمر بن الخطاب، وقال الهيثمي إسناده حسن، ورواه الحاكم في مستدركه من حديث ابن عمر ورواته ثقات وأقره الذهبي.

 

وقال المناوي في شرحه: \" شبّه الإيمان بالشيء الذي لا يستمر على هيئته، والعبد يتكلم بكلمة الإيمان ثم يدنسها بسوء أفعاله، فإذا عاد واعتذر فقد جدد ما أخلق، وطهر ما دنس \". وقوله (فاسألوا الله أن يجدد الإيمان في قلوبكم) قال: \" حتى لا يكون لقلوبكم وجهة لغيره، ولا رغبة لسواه، ولهذا قال معاذ - رضي الله عنه - لبعض أصحابه: اجلس بنا نؤمن ساعة! أي نذكره ذكراً يملأ قلوبنا \".

فهل كانوا في حاجةً لذلك ونحن في غنىً عنه؟ وهل كان ينقصه من علم الإيمان وعمله مثل ذلك الذي ينقصنا من الإيمان.. ونحن اليوم في زمن الشبهات، وفي عصر الشهوات، وفي أوان المغريات، وفي حين الملهيات التي تكاد تطعن القلوب فتدميها، وتمرض النفوس فلا تحييها!

 

إن المرء اليوم يدرك أننا في عصر محنة، نحتاج فيه إلى زاد الإيمان، وفي عصر الفتنة تحتاج إلى ثبات ورسوخ اليقين والإيمان وفي عصر أصبح القابض فيه على دينه كالقابض على الجمر، يرى في كل يوم من المحرمات، ويسمع في كل آنٍ, من المحرمات ما لا يكاد يسلم معه أحد..

 

صور نحتاج فيها إلى تجديد إيماننا، وذكرى أحسب أننا نحتاج إلى وصل الحديث فيها مرةً بعد مرة، وتكرار الموعظة حولها كرّةً بعد كرةº فإن تجديد الإيمان في زمن الفتنة يحتاج أن يكون دأباً دائماً، وهمّاً شاغلاً، وعملاً متصلاً، وتذكيراً غير منقطعٍ, بحال من الأحوال.. فتنة الإغراء بالمحرمات والمغريات والملذات، أجسادٌ عارية، كلماتٌ ماجنة، مشاهد فاتنة ومواقف ساخنة، شاشات داعرة، وإذاعاتٌ ساقطة، ورواياتٌ هابطة، وأسواقُ متبرجة، وجامعاتٌ مختلطة، وشهواتٌ مستعرة.. ما نتيجتها عيونٌ معلقةٌ بالمحرمات، آذانٌ مصغيةُ إلى الباطل والغي من الكلمات، قلوبٌ مفتونةٌ معلقةٌ بتلك الملذات والمغريات، نفوسٌ قطعت وانقطعت عن التعلق بالمهمات..

 

ألا يدعونا ذلك إلى أن نتذكر صور الإيمان أمام الإغراء؟! ألا يدعونا ذلك أن نستحضر السيرة العطرة لنبي الله يوسف - عليه السلام -، قال - تعالى -: {وَرَاوَدَتهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيتِهَا عَن نَّفسِهِ وَغَلَّقَتِ الأَبوَابَ وَقَالَت هَيتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحسَنَ مَثوَايَ}.

ثم ماذا قال؟ {قَالَ رَبِّ السِّجنُ أَحَبٌّ إِلَيَّ مِمَّا يَدعُونَنِي إِلَيهِ وَإِلاَّ تَصرِف عَنِّي كَيدَهُنَّ أَصبُ إِلَيهِنَّ وَأَكُن مِّنَ الجَاهِلِينَ}.

 

يوم اجتمعت الصفوة من نساء النخبة في مجلس واحد، وائتمرن على يوسف بالإغواء والإغراء.. أليس ذلك هو زاد الإيمان العاصم من ذلك المفضّل ظلمة السجن وحبسه ووحشته على لذة محرمة ومشاهد فاتنة، ومناظر مغرية!

 

ألا نذكر الحديث العظيم لرسول الهدى الكريم - صلى الله عليه وسلم - في السبعة الذين يظلهم الله تحت ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله: (ورجلٌ دعته امرأةٌ ذات منصب وجمال فقال إني أخاف الله) خوف الله أحرق مواضع الشهوات، وجعل صورةً أخرى للمحبوبات والملذات..

قال النووي في شرح الحديث: \" خصت ذات المنصب والجمال قال لكثرة الرغبة فيها، وعسر الوصول إليها، وكان الصبر عنها بخوف الله - تعالى - وقد دعت إلى نفسها - مع جمعها المنصب والجمال من أكمل المراتب وأعظم الطاعات \".

 

كيف ننظر إلى هذا واليوم ربما تصرع الفئام من أهل الإيمان، حسناء بكلمة رقيقة أو بأغنية فاسدة، أو برقصة عهرٍ, وابتذال.. أوليس ذلك هو واقع الحال! فأين نحن من علم وعمل الإيمان؟!

 

مصرعٌ آخر رديء أمام المال، وما أدراكم ما المال!

كيف هو اليوم مع فشو الربا وانتشال الرشوة، وكثرة المحرمات في المكاسب والمطاعم، حتى كأن البراءة من ذلك عند بعض ضعاف الإيمان اليوم هي في نطاق المستحيل الذي لا يمكن بحالٍ, من الأحوال!

 

أليس اليوم قد تدنست المشارب والمطاعم، واختلطت المآثم بالمكاسب! ألسنا اليوم نرى أن الناس قد استحلوا ما حرّم من المكاسب المالية، حتى كأنهم لا يجدون في أنفسهم حرجاً من ذلك، ولا تنضبط له نفوسهم، ولا تضطرب له قلوبهم، ولا يرون فيه إلا أنهم يأخذون بأسباب الحياة..

وقصار ما قد تجده عند أحدهم أن يفسّر ذلك بـ \" أن الضرورات تبيح المحظورات \" ويُعملون القواعد في غير مكانها!

 

عجباً لنا معاشر المؤمنين.. وزادنا من القرآن، ونصيبنا من هدي المصطفى العدنان - صلى الله عليه وسلم - يفيض عذباً زلالاً، ليس فيه شائبةٌ ولا كدر، يدعو إلى نفوسٍ, نقية، وقلوبٍ, زكية، وأيدٍ, طاهرة، ومكاسب ليس فيها أدنى شبهه..

 

روى عبد الله بن عمرو بن العاص عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (أربعٌ إذا كن فيك فلا عليك ما فاتك من الدنيا: حفظ أمانةٍ,، وصدق حديثٍ,، وحسن خليقةٍ,، وعفة في مطعم) رواه أحمد وغيره بسند حسن.

و(عفة مطعم) أن تعفّ عن شبهة وحرمة في الكسب من طعام وشراب ولباس..

 

عجباً لنسائنا اليوم! لا يتذكرن المرأة المؤمنة تقف عند باب بيتها، توصي زوجها وهو خارجٌ لعمله وكسب قوته: \" يا هذا اتقِ الله في رزقناº فإننا نصبر على الجوع ولكننا لا نصبر على النار \" ما بالها اليوم تقول له حصّل وحصّل، واكسب واكسب، ولا عليك من قول هذا ولا ذاك.. كأنما أستطعم الناس أن يأكلوا في جوفهم النار والعياذ بالله!

 

ألسنا نتذكر ما روى البخاري من قصة أبي بكرٍ, - رضي الله عنه -، كان له غلام يخدمه فجاءه يومٌ بطعام فأكل منه، فقال الغلام: أتدري ما هذا؟ قال: ما هو؟! قال: كسبٌ كسبته في الجاهلية من كهانةٍ, كذبت فيها عليه وخدعته، فأدخل أبو بكرٍ, إصبعه في فمه واستقاء كل ما أكل..

أراد أن لا يدخل جوفه شيء من حرمة رغم أنه لم يكن بها عالماً، ورغم أن الكسب في جاهليةٍ, والإسلام يجبٌّ ما قبله! لكنه عرف حديث المصطفى - صلى الله عليه وسلم -: إن الله طيبٌ لا يقبل إلا طيباً وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال - تعالى -: {يَا أَيٌّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقنَاكُم وَاشكُرُوا لِلَّهِ إِن كُنتُم إِيَّاهُ تَعبُدُونَ}.

وقال - تعالى -: {يَا أَيٌّهَا الرٌّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعمَلُوا صَالِحاً إِنِّي بِمَا تَعمَلُونَ عَلِيمٌ}.

 

ذلكم ما أخبرنا به رسول الهدى - صلى الله عليه وسلم -.. كسب الحرام يعمي البصيرة، ويطمس القلب، ويذهب نوره، ويوهن الدين، ويضعف أثره، ويوقع في حبائل الدنيا، ويحجب إجابة الدعاء.. فإن وجدتم كثيراً من ذلك فلا تعجبوا \" فإذا عرف السبب بطل العجب \".

 

وهذا أبو هريرة - رضي الله عنه - يروي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حديثاً من دلائل وأعلام نبوته، يقول فيه - صلى الله عليه وسلم -: (يأتي على الناس زمانٌ لا يبالي المرء ما أخذه منه - أي من المال - أمن الحلال كان أمن الحرام) يخبر به النبي - صلى الله عليه وسلم -، واليوم ونحن نرى الغصب رأي العين والرشوة في كل مكان، والسحت والربا له قوام وكيان..

 

ألا يصدق في ذلك حديث المصطفى - صلى الله عليه وسلم -؟! أين إشراق الإيمان في القلوب؟! أين رسوخ اليقين في النفوس؟! أين التعلق بما عند الله من نعيم يعظم ويفوق كل الدنيا وما فيها وما بها من نعيم؟!

 

ألسنا نذكر أهل الإيمان.. استمع لفقه الإمام ميمون بن مهران - وهو يعطينا الميزان الذي ينبغي أن نلتفت إليه - يقول لنا: \" لا يكون المرء تقياً حتى يكون لنفسه أشد محاسبة من الشريك لشريكه، وحتى يعلم من أين ملبسه ومطعمه ومشربه \".

ووهيب بن الورد - رحمه الله - يقول: \" لو قمتَ في العبادة قيام ساريةٍ, - أي واقفاً منتصباً غير متحرك لعبادة ربك - ما نفعك حتى تنظر ما يدخل بطنك \".

 

أين الإيمان الذي يدفع إلى الورع والتحري في المكاسب والمطاعم والمشارب؟

المال يذهب حله وحرامه *** يوماً وتبقى في غدٍ, آثامه

ليس التقي بمتقٍ, لإلهه *** حتى يطيب شرابه وطعامه

ويطيب ما يحوي ويكسب كفه *** ويكون في حسن الحديث كلامه

نطق النبي به عن ربنا *** فعل النبي صلاته وسلامه.

 

أمرٌ ثالث: من واقع حياتنا الهموم والمشكلات التي تضيق بها الصدور، ويعظم همها وكدرها في القلوب.. في أي الأودية هي؟ وفي أي الميادين هي؟ ما الذي يشغل البال؟ ما الذي يطأطئ رؤوس الناس؟ ما الذي يجعلهم يخلون بأنفسهم في الليل والخلوات، ينفثون من صدورهم زفرات، ويطلقون من أصواتهم آهات؟ أي شيء حمل الهمّ في قلوبهم، بل ربما أجرى الدمع من عيونهم أمورٌ من الدنيا فاتتهم، ونعيمٌ من شهواتها لم يصلهم، ومشكلاتٌ في حالهم وذاتهم لا تعدوهم إلى غيرهم.. عجباً لمثل هذا الهمّ والفكر عند مؤمنٍ, بالله، ومؤمنٍ, بانتهاء الحياة، ومؤمنٍ, بالوقوف بين يدي الله، ومؤمنٍ, بأنّ عليه واجباً في دين الله، وتجاه دعوة الله، وتجاه نصرة دين الله، وتجاه التصدي لأعداء الله!

 

أين همه في دينه أين همّه لأمته؟ أين همّه لدعوته؟ أين هو من همّ الفاروق عمر - رضي الله عنه - يوم كسف باله، وعظم حزنه، وانشغل فكره.. ما لك يا أمير المؤمنين؟ قال مقولته الشهيرة: \" لو أن بغلةً عثرت في العراق لخشيت أن يسألني الله عنها لما لم أسوي لها الطريق \"..

أتعبت من بعدك يا فاروق، ولا نقول اليوم إلا أن بيننا وبينك ما بين الثرى والثريا!

 

لم يعد يشغل بالنا مثل هذه الأمور الدقيقة، فليست من بين القائمة من الاهتمامات، بل عدمت ونسخت من الذاكرة، ومحيت من القلوب والنفوس إلا ما رحم الله..

 

أبو هريرة راوي سنة المصطفى - صلى الله عليه وسلم -، صاحب الصفة، يبكي في مرض موته.. ما يبكيك يا أبا هريرة وقد نلت شرف الصحبة، وحزت الرتبة العليا في رواية السنة، فإذا به يقول: \" والله ما أبكي على دنياكم، ولكن أبكي لبعد المفازة، وقلة الزاد، وعقبة كؤود، وأنني أصبحت في صعود، المهبط منه إما إلى جنة وإما إلى نار \".

ذالكم هو الإيمان الحي في القلوب.. ذلكم هو اليقين الراسخ في النفوس.. تلك هي علوم الإيمان العملية القلبية النفسية.. تلك هي الدنيا التي تقزمت وتقلصت وتلاشت، حتى كاد أن لا يكون لها موضع في القلوب، ولا مكانٌ في النفوس..

 

وهذا الضحاك ابن مزاحمٍ, يبكي في يومٍ, من أيامه.. ما بالك تبكي أيها التابعي الجليل؟ قال: \" لا أدري اليوم ما صعد من عملي \".

 

كل يومٍ, جديرٌ بنا أن نبكي فيه على أنفسنا.. هل ندري من صعد من أعمالنا؟ ألا نعرف كم في صحائفنا من سوادٍ, من كلماتٍ, لاغية، وآذانٍ, للباطل مصغية، وأقدامٍ, لغير مرضاتٍ, الله - عز وجل - ساعية! كم يطول همنا وفكرنا.. لو أننا تدبرنا مثل هذا، وعشنا مع مثل هذه المعاني!

 

عجباً لنا ورسولنا - صلى الله عليه وسلم - قدوتنا العظمى وأسوتنا المثلى - يخبرنا فيقول في دعائه: (اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا) يقولها - عليه الصلاة والسلام - وهو الذي ربط حجرين على بطنه من شدة الجوع يوم الأحزاب.. يقولها ويدعو بها وهو الذي - كما قالت عائشة -: كان يمر الهلالان والثلاثة وما يوقد في بيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نار.. يقولها - صلى الله عليه وسلم - وقد مات ودرعه مرهونةٌ عند يهودي.. يقولها وقد نزل عليه الملك وقال: لو شئت أن تدعو فيجعل الله لك الصفا والمروة ذهباً! فيقول: (لا ولكن أطعم يوماً، وأجوع يوماً)! بأبي هو وأُمي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -..

 

ولو مضينا لوجدنا من ذلك كثير، ونحن اليوم في هذا الزمان نحتاج إلى مثل هذا التجديد الإيماني، ليس علماً نقوله، ولا قصصاً نرويها! ولكن حياة قلبٍ, نحياها، ويقظة نفسٍ, لا تغفل عن طاعة الله - عز وجل -..

 

أم المؤمنين عائشة - رضي الله عنها - تروي لنا عجباً من أمر حبيبنا - صلى الله عليه وسلم -، تقول: \" كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا رأى الغيم عُرِف في وجهه الكراهة \" تعجبت منه أم المؤمنين، فقالت: يا رسول الله إن الناس إذا رأوا الغيم فرحوا رجاء أن يكون فيه المطر، وإذا رأيته رأيت في وجهك الكراهة، فقال - صلى الله عليه وسلم -: يا عائشة ما يؤمنني أن يكون فيه عذاب؟ عُذّب قوم بالريح، وقد رأى قوم العذاب فقالوا: {هذا عارضٌ ممطرنا} {فأَصبحوا لا يُرى إِلاّ مساكنهم}.

 

انظروا إلى النظر الإيماني كيف يجعل شأن الآخرة في القلب، وخوف النار في النفس.. انظروا إلى مثل هذا الذي رواه أبو بكرٍ, - رضي الله عنه -، وقد رأى الشيب في شعر النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال لصديقه وحبيبه ونبيه شبت يا رسول الله! فقال: (شيبتني هودٌ، والواقعة، والمرسلات، وعمّ يتساءلون، وإذا الشمس كورت) قال الشراح: \" بما جاء في هذه السور من شديد الآيات في أهوال يوم القيامة \".

نسأل الله - عز وجل - أن يحيى الإيمان في قلوبنا..

 

الخطبة الثانية:

أما بعد أيها الإخوة المؤمنون:

أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى اللهº فإن تقوى الله أعظم زادٍ, يقدم به العبد على مولاه..

 

وإن من تجديد الإيمان: تجديده في باب الأشواق والأمنيات..

بأي شيء تتعلق أشواقنا، وإلى أمرٍ, تتوق نفوسنا.. كم هي ملذاتنا مرتبطة بشؤون دنيانا في مالٍ, وفير، وامرأة حسناء، وذرية كثيرة، وقصورٍ, ودورٍ, ومراكب وغيرها..

 

تأمل صورةً أخرى يقولها علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -: \" متع الدنيا ثلاث: إكرام الضيف، والصوم في الصيف، والضرب بالسيف \".

ويزيدها إغراباً وإبعاداً عن أهل الدنيا وأمنياتهم، سيف الله المسلول، خالد بن الوليد - رضي الله عنه - حين قال: \" ما ليلةٌ تهدى إلي فيها عروسٌ أنا لها محب، بأحب إليَّ من ليلةٍ, شديدة البرد، كثيرة الجليد في سرية أصبّح فيها العدو \"..

 

تعلقت القلوب والأمنيات بطاعة الله ومرضاته ونصرة دينهº حتى بتنا اليوم نقول: أين تلك الأشواق؟ أين نحن من أشواق جعفر بن أبي طالبٍ,.. جعفر الطيار يوم كان في مؤتة وهو ينادي:

يا حبذ الجنة واقترابها ** طيبةٌ وباردٌ شرابها

والروم روم قد دنا عذابها *** كافرةٌ بعيدةٌ أنسابها

عليّ إذ لاقيتها ضرابها

 

شوق عجيب إلى الجنان، ترجمه من قبله أنس بن النضر في يوم أحد يوم قال: \" واهاً لريح الجنة إني لأجد ريحها دون أحد \".

 

وقدوة الكل - صلى الله عليه وسلم - هو الذي علمهم وغذاهم، وعرّفهم وغرس ذلك في قلوبهم ونفوسهم، يوم قال: (لولا أن أشق على أمتي ما تخلفت عن سرية تخرج ولكن لا يجدون حمولة ولا أجد ما أحملهم ويشق عليهم أن يتخلفوا عني، ولوددت أني قاتلت في سبيل الله فقتلت ثم أحييت ثم قتلت ثم أحييت ثم قتلت ثم أحييت) رواه الإمام أحمد من حديث أبي هريرة.

 

أي شوق هذا؟ أي أمنياتٍ, هذه؟

إنها اليوم يا رسول الله أمنياتٌ إرهابية! إنها اليوم أمنياتٌ مجرمة! إنها اليوم مما يستتر به المسلمون ويخفونه، فلا يكاد أحدهم ينطق بكلمة \" جهاد \" ولا \" شوقٍ, إلى استشهاد \" إلا من رحم الله!

نسأل الله - جل وعلا - أن يجدد الإيمان في قلوبنا، وأن يعظّم اليقين في نفوسنا..

أضف تعليق

هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع وهي وجهات نظر أصحابها

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply